التعليم ليس خياراً لدى المجتمعات، بل ضرورة لا يمكن إقصاؤها أو تعطيلها، مهما تداعت الظروف أو أصابت المجتمعات أزمات وكوارث. فعندما تتعطّل الحياة لظروف استثنائية يبقي العلم حاضراً لا يعرف التوقف، لأن بقاء النشء بعيداً عن الدراسة يعني مزيدًا من الفاقد والتراجع المهاري. فعندما توقّفت الحياة للمرة الأولى حول العالم في ظلّ كورونا التي اجتاحت مختلف الأقطار، فكّرت المجتمعات في آليات التعليم قبل أن تفكر في الدواء. وكان لابدّ من إيجاد بديل قوي ينقل المعرفة من الفصول إلى الشبكات ومن المعامل إلى الحواسيب. لتختفي البيئة الفيزيائية للتعلّيم وتحلّ محلّها البيئة الافتراضية للتعليم، وظهرت للمرة الأولى مدارس تُدار عبر البرمجيات، وسعى الباحثون في مختلف الجامعات حول العالم إلى التحقق من أثر التعلّيم عن بُعد على مهارات التعلّم. وقد جاءت نتائج الدراسات خلال السنوات الخمس الأخيرة لتؤكّد أنّ التعلّيم عن بُعد، في كثير من الأحيان، يُسهم في تحسين مهارات التعلّم، ولا سيّما التعلّم الذاتي، كما يُمكّن الطلاب من اكتساب أساليب إدارة الوقت والبحث واستقصاء المعلومات من مصادر متعددة. وأشارت معظم هذه البحوث إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية لصالح المجموعات التجريبية التي استخدمت التعليم عن بعد ، ولم تقتصر الدراسات على التحقق من أهمية التعليّم عن بُعد في تطوير الجانب الأكاديمي فحسب ، بل تناولت أيضًا جوانب أخرى ؛ إذ ظهرت دراسات متعددة ، منها دراسات عربية بحثت في أثر التعليم عن بُعد في تنمية الكفايات الشخصية لدى المتعلمين ، بما في ذلك أخلاقيات البحث ، والعمل الجماعي والانضباط الذاتي ، والثقة بالنفس ، ومهارات الاتصال ، والقدرة على التعلّم ، إضافة إلى مهارات التفكير الناقد ، والتفكير الإبداعي وتحفيز النفس ، وقيادة الآخرين وإدارة التعلّم والتعامل مع الرفاق ، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية ، وأظهرت أيضا نتائج هذه الدراسات أن التعليم عن بعد يدعم المهارات الشخصية بصورة أكبر من أثره على القدرات الأكاديمية ، وبناءً على تحليلنا لمختلف الأبحاث التي تناولت هذا الجانب ، نجد أن التعلّيم عن بُعد حين يُدار إدارة ذكية لا يقل أثره عن التعلّيم الحضوري ، شرط أن تمتلك المؤسسات التي تقدّمه الخبرات الكافية لتمكينه . ومن أبرز هذه الخبرات قدرة المعلّمين على إدارة الحصة الافتراضية إدارة تعتمد على إثارة المتعلّم وجعله مشاركًا فاعلاً في تقديم وبناء المعرفة والتفاعل معها من خلال أساليب التعليم النشط عن بُعد. وهذه مهارة لا يتقنها الكثيرون، وعند امتلاكها فإن ذلك يعني تقليص الفارق بين حضور التعليم و افتراضيته ، خاصة حين يوظّف المعلم المناقشات الافتراضية الموجّهة ، وأساليب العصف الذهني المتنوّعة التي تتوافق مع طبيعة الحصص الافتراضية وخصوصيتها ، إضافة إلى أساليب حلّ المشكلات ، والألعاب التعليمية الإلكترونية التي تعزّز من جاذبية التعليم لدى الدارسين، خصوصًا في المراحل المبكرة . كما تشمل هذه الأساليب العروض التقديمية والمشاريع الرقمية، والجولات والرحلات الافتراضية والاستقصاء الإلكتروني، فعندما نجيد توظيف الممارسات الافتراضية في التعليم عن بُعد ، ننتقل من نمط التعلّيم الإلكتروني الجامد إلى تعلّيم مرن ينافس التعليم الحضوري. فمستقبل التعليم قد يفرض علينا هذا النمط الافتراضي، وعلينا أن نواجه تحدياته، ونمتلك مهاراته وكفاياته المختلفة ، فقد لا يكون خياراً بقدر ما يكون بديلاً استراتيجياً لحضور الطلاب إلى مقاعد الدراسة .