- الشيخ حصل على بكالوريوس الشريعة بامتياز 1962 والتحق بعدها بسلك القضاء
- سليمان المدني شارك في صياغة عقد تأسيس أول مصرف إسلامي في البحرين
- كان الشيخ ورعاً ومعتدلاً ولم يخط خطوة إلا مستنداً إلى النصوص الدينية
- لم يتبنَّ الشيخ المدني نظرية ولاية الفقيه المطلقة العابرة للحدود بالصيغة الحركية
- موقفه من التجربة الديمقراطية والبرلمانية اتسم بالكثير من "البراعة والحنكة"
- تميّز بعلاقة وثيقة مع القيادة السياسية ورأى أن التعاون مع الدولة يخدم الناس
- البحرين ودّعته عام 2003 في جنازة مهيبة ضمت أكثر من 20 ألف مشيع
وصفه المعاصرون بأنه "الفقيه العملاق" الذي تمسّك بالخط المعتدل، ودافع عنه ومات دونه مظلوماً.. إنه العلامة الشيخ سليمان المدني (1939-2003) هو أحد أبرز الأعلام الذين زاوجوا بين الفقه والوعي المنظم في مملكة البحرين، متمسكاً بمنهج النص الشرعي مع واقعية سياسية فريدة.
ولد الشيخ سليمان بن محمد علي المدني في مدينة جدحفص عام 1939، ونشأ في كنف أسرة "آل الغريفي" العريقة التي عُرفت بالعلم والفضل، حيث كان والده، وجداه لأمه فقهاء محدثين، وعانى الشيخ من اليتم المبكر بوفاة والده وهو في سن الثالثة عشرة، فتولت والدته تربيته وتوجيهه نحو القراءة والاطلاع، مما غرس فيه روح الاعتماد على النفس منذ صغره.
والتحق بمدرسة الخميس الابتدائية عام 1948، ثم مدرسة المنامة الثانوية (القسم العلمي) وتخرج منها بتفوق، ليبدأ التلمذة الدينية في البحرين على يد الشيخ إبراهيم المبارك والشيخ عبد الحسن الطفل، ثم توجه إلى النجف في عام 1958، والتحق بكلية الفقه، وحصل على البكالوريوس في اللغة العربية والشريعة الإسلامية بامتياز عام 1962.
وواصل الشيخ سليمان دروسه العليا على يد الفقهاء مثل السيد محسن الحكيم، والسيد الخوئي، والشيخ محمد رضا المظفر، وكان يحظى باحترام كبير بين العلماء، ووصفه السيد طالب الرفاعي بأنه كان من أبرز الطلاب البحرينيين في تلك المرحلة.
عندما عاد إلى البحرين التحق بسلك القضاء الشرعي عام 1971، وتدرج حتى أصبح رئيس محكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية، وعُين عضواً في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (1997) والمجلس الأعلى للقضاء (2000)، كما شارك الشيخ سليمان المدني في صياغة عقد تأسيس أول مصرف إسلامي في البحرين (بنك البحرين الإسلامي) عام 1979، واضعاً الركائز الشرعية للصيرفة الإسلامية.
آراؤه في "ولاية الفقيه"
يرى الشيخ المدني أن "المشرع الوحيد هو الله"، وأن أي تشريع يخالف النص الإلهي هو باطل، وانطلق من منهج "المدرسة الإخبارية" التي تركز على النص، وبالرغم من تقديره للثورة الإسلامية، إلا أنه لم يتبنَّ نظرية الولاية المطلقة العابرة للحدود بالصيغة الحركية، بل ركز على الولاية في الأمور الحسبية وحفظ استقرار المجتمع الوطني.
اتسم موقف العلامة الشيخ سليمان المدني من التجربة الديمقراطية والبرلمانية في البحرين بـ"البراعة والحنكة الفائقة"، حيث فرّق بدقة بين "الديمقراطية" كنظام فلسفي غربي وبين "الحياة النيابية" كوسيلة إجرائية لخدمة المجتمع وحماية الشريعة، وحث على المشاركة البرلمانية لتقليل المفاسد ودرء الشرور
تجربة المجلسين التأسيسي والوطني (1972 - 1975)
تمكن الشيخ سليمان من تكوين كتلة دينية قوية للترشح للانتخابات وإدارة حملاتها الانتخابية في النصف الأول من السبعينات، ومن مظاهر حنكته أنه أدار العمل البرلماني للكتلة، دون أن يرشح نفسه لأي من المجلسين، ليبقى مرشداً وموجهاً عاماً، ويرجع الفضل للشيخ سليمان المدني في تثبيت الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في دستور عام 1973، حيث خاض معارك فكرية وقانونية مع التيار العلماني الذي كان يشكل قوة لا يستهان بها آنذاك.
أسّس مع أخيه الشيخ عبدالله المدني مجلة "المواقف" عام 1973 لتكون منبراً يدعم فكر الكتلة الدينية ومشاريعها المناهضة للأطروحات المعادية داخل البرلمان.
تجربة الانتخابات النيابية عام 2002
حث الشيخ سليمان المدني على المشاركة في التصويت على ميثاق العمل الوطني وخوض التجربة النيابية في عام 2002 بعد تولي جلالة الملك المعظم مقاليد الحكم، وكان من أوائل الداعين للمشاركة بقوة.
وانتقد بشدة التيارات التي قاطعت الانتخابات، متهماً إياهم بعدم فهم ميثاق العمل الوطني الذي صوّت عليه الشعب، والذي خوّل الملك إجراء التعديلات الدستورية، وأوضح الشيخ أن مشاركته وحثه للناس ليس إيماناً بنظام "الديمقراطية الغربية"، بل من باب "درء المفاسد" وتقليل الشرور، لضمان وجود عناصر مؤهلة من أصحاب الكفاءة والدين داخل المجلس تمنع تمرير قوانين مخالفة للشرع.
ومن مواقفه النادرة أنه ساند دخول المرأة للمجلس النيابي، معتبراً أن ذلك ليس حراماً طالما لم يقع في محظور شرعي، وحذر من صدور قوانين تسمح بالتعددية الحزبية الضيقة، معتبراً أن العالم (رجل الدين) يجب أن يكون للأمة كلها، وليس حكراً على حزب.
تميز بعلاقة وثيقة مع القيادة السياسية، وكان يرى أن التعاون مع الدولة يخدم الطائفة، ويحقق المكتسبات بعيداً عن الصدام العنيف، ورغم عدم انخراطه الرسمي في العمل السياسي، إلا أنه كان يدعم العمل الإسلامي المؤسسي، وكان منزله مزاراً للعلماء والشباب من كافة التيارات.
العلاقة مع شقيقه
كان الشيخ سليمان بمثابة الأب والملهم لشقيقه عبدالله، وعملا معاً في تأسيس مجلة "المواقف" عام 1973، وبعد اغتيال الشيخ عبدالله عام 1976، صمد الشيخ سليمان، وأكد أن دم شقيقه هو ضريبة لمكافحة الفكر الإلحادي واليساري، واستمر في قيادة الخط الديني بصلابة.
في عام 1995، تعرض لهجوم من تيارات دينية معارضة؛ بسبب رفضه التوقيع على "العريضة الشعبية"، ورد عليهم بخطابه الشهير قائلاً نصاً إن:" المعارضة بدل أن تكون معارضة للدولة أصبحت معارضة لسليمان المدني.. إن فتح معارك جانبية معي يدل على إفلاسكم.
وأكد في محاضرة أخرى أن مفهوم الوحدة لا يعني "الخواء"، بل هي وحدة تقوم على أساس القرآن الكريم وتحليل حلاله وتحريم حرامه.
خضع لعملية قلب مفتوح في الولايات المتحدة عام 1968م بدعم من الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان. وتوفي في مارس 2003 في ألمانيا أثناء تلقيه العلاج، وشيعته البحرين في جنازة مهيبة ضمت أكثر من 20 ألف مشيع.
آراء الكتاب ورجال الدين
كتب محمد تقي نايم مقالاً بعنوان (أمام الشيخ تصغر الكلمات) وذكر فيه أنه إمام عملاق تهتز الأرض من أجله، وتنحني الهامات لشرفه الرفيع.. مات مظلوماً أسفاً عليه، وقال محمد حسن الستري في مقال (منهاج حياة): "أثبت بمواقفه المشهودة بأنه يجيد السباحة ضد التيار بحرفية واقتدار.. ولم يخط خطوة إلا مستنداً إلى النصوص الدينية"، وكتب علي العمران في مقاله (المدني نبراساً): "الشيخ سليمان لم يؤطر نفسه في حزب.. واستطاع عبر التواصل مع الدولة أن يؤسس لنمط حكيم من العلاقة يحفظ للشيعة حقوقهم". وكتب السيد طالب الرفاعي في كتابه (الأمالي): "كان الشيخ سليمان المدني رجلاً ورعاً ومخلصاً ومؤمناً.. وكان يمثل الخط المعتدل في البحرين".