بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

إذا أراد الله -عزّ وجل- بقومٍ خيرًا أقام لهم من أهلِ الرأيِ والحكمةِ رجالًا يعرفون مواضعَ الخطر قبل وقوعه، ويقطعون دابرَ الفتنة قبل استفحالها، ويقولون الكلمةَ لا طلبًا للتصفيق، بل صيانةً للأوطان.

ومن هنا صحَّ أن يُقال في معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية: «راشدُ البحرين»، لا على جهةِ اللقبِ الذي يُبتغى به المديحُ المجرد، وإنما لما اجتمع في الاسمِ من دلالةِ اللفظِ والمعنى؛ فالرَّشدُ في لسانِ العربِ هو الحكمةُ إذا اقترنت بالبصيرة، والحزمُ إذا تجنّب الظلم، والعقلُ إذا استقام، والرأيُ إذا سلم من الطيشِ والعجلة، والقولُ إذا وافقَ موضعَه، والفعلُ إذا حُفَّ بالعدلِ والاتزان. وهذه المعاني هي التي جعلت حديثَ معاليه يتجاوز حدودَ التصريحِ العابر إلى مقامِ الكلمةِ التي تُطمئنُ وطنًا، وتحفظُ مجتمعًا، وتضعُ الأمورَ في مواضعها بلا اضطرابٍ ولا انفعال.

ولقد جاء حديثُ معاليه حديثًا تلوحُ عليه سكينةُ الدولة، وتنبضُ في حروفه هيبةُ المسؤولية، وتفوحُ من معانيه روحُ الوطن إذا تكلّم بلسانِ رجاله الأمناء. فلم يكن كلامُه من فضولِ القول الذي يُستهلكُ في المجالس، ولا من زخرفِ الكلام الذي تُطرِبُ به الخطبُ الأسماع، ولكنه كان كلامَ رجلِ دولةٍ عركتْه التجارب، وصقلتْه المواقف، فعرف كيف تُصانُ الأوطانُ إذا اضطربت الأزمنة، وكيف تُحمى المجتمعاتُ إذا تكاثرت عليها دعاوى الفرقة والتشظّي. ولطالما كان معاليه، في مواقفِه الوطنية، صوتَ العقلِ إذا تعالت الأصوات، ولسانَ الحزمِ إذا اضطربت الموازين، وحارسًا أمينًا على أمنِ البحرين واستقرارِها، لا تأخذه في حمايةِ الوطن رهبةُ المزايدات، ولا تُثنيه عن قولِ الحق ضوضاءُ المحرّضين.

ولقد أصابَ معالي الوزير موضعَ الداءِ حين كشف أنَّ مشروعَ ولايةِ الفقيه قد جاوز حدودَ النظرِ الفقهي إلى ميدانِ السياسة، وانتقل من دائرةِ الاجتهاد إلى منازعةِ الدولة في ولاءِ الناس وعقولهم وانتمائهم. وما أخطرَ الأفكارَ إذا خرجت من محرابِ العبادة إلى سوقِ التحزيب، ومن هدوءِ الفقه إلى صخبِ التنظيم، فإنها لا تلبثُ أن تُحوِّل الجماعةَ الواحدةَ إلى جماعات، والأمةَ الواحدةَ إلى ولاءات، والوطنَ الجامعَ إلى ساحاتِ اصطفافٍ وتمزّق. وهنا يكون الخرابُ متدرجًا، يبدأُ في العقولِ همسًا، ثم يصيرُ في المجالسِ جهرًا، ثم ينتهي في الأوطانِ خصومةً وشقاقًا.

وما كان حديثُ معالي الوزير حديثَ تحذيرٍ مجرد، بل كان بيانَ رجلٍ خبر كيف تُدارُ المواقفُ حين تشتدُّ العواصف، وكيف يُحمى السِّلم الأهلي حين تسعى الفتنُ إلى بثِّ سمومها في النفوس. ولذلك جاء كلامُه جامعًا بين الحزمِ والبصيرة، وبين الوضوحِ والحكمة، لا يواربُ في موضعِ البيان، ولا يندفعُ اندفاعَ الغاضب الذي تعميه الحماسة. وهكذا يكون رجالُ الدولة الكبار، يرون ما وراء اللحظة، ويزنون العواقبَ قبل الأقوال، ويحملون الوطنَ في ضمائرهم مسؤوليةً لا مكسبًا، وواجبًا لا وجاهة.

غير أنَّ مملكةَ البحرين، بحكمةِ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، لم تكن يومًا دولةً تنامُ على الخطر حتى يوقظها، ولا تؤجلُ النظرَ حتى يسبقها البلاء؛ فقد أرسى جلالتُه بنيانَ دولةٍ جعلت العدلَ أساسَ المُلك، والحلمَ سياجَ القوة، والقانونَ ميزانَ الجميع، فلا يطغى فيها متنفذ، ولا تعبثُ بها فوضى، ولا يجدُ فيها دعاةُ الكراهية ثغرةً ينفذون منها إلى وحدةِ المجتمع وأمنِه.

ثم مضت هذه المسيرةُ المباركةُ في عهدِ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، متينةَ الأركان، راسخةَ البنيان، يؤازرُها صاحبُ السموِّ الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، فازدادت الدولةُ إحكامًا على إحكام، ورسخت معادلةُ الأمنِ والتنمية، واقترن استقرارُ الوطن بكرامةِ المواطن ورفعةِ معيشته، حتى غدت البحرينُ كالنخلةِ الباسقة، أصلُها ثابتٌ في الأرض، وفرعُها سامقٌ في السماء، لا تُزعزعها العواصف، ولا تنالُ منها الفتن، لأن وراءها قيادةً حكيمةً إذا حزمت عدلت، وإذا قدرت رحمت، وإذا قالت أوفت، وإذا عاهدت صدقت.

وما كان أجملَ ما تضمّنه حديثُ معالي الوزير من تعظيمِ معنى الوطنية؛ إذ أعاد الأمورَ إلى نصابها، وبيّن أنَّ الأوطانَ لا تقومُ على ولاءاتٍ تتشعّب، ولا على راياتٍ تتنازع، وإنما تقومُ على وطنٍ واحدٍ يظلُّ الجميع، ودولةٍ واحدةٍ يحتكمُ الجميعُ إليها، وقيادةٍ واحدةٍ يلتفُّ حولها الجميع. فالوطنيةُ ليست كلمةً تُعلَّق على الجدران، بل عهدٌ يُحمَل في الضمائر، فإذا ضعفت ضاعت الجماعات، وإذا قويت استقامت الدول.

ولقد جرّبتِ المنطقةُ عبر العقودِ كيف تتحوّلُ الشعاراتُ المؤدلجةُ إلى معاولَ تهدمُ المجتمعات، وكيف يُستدرجُ البسطاءُ باسمِ الدين حتى يُدفَعوا إلى خصومةِ أوطانهم وهم يظنون أنهم يُحسنون صنعًا. لكن البحرينَ كانت، بفضلِ الله ثم بيقظةِ قيادتِها، أبصرَ من أن تُخدع بالشعارات، وأعقلَ من أن تُسلِّم وطنَها لخطابِ التعبئة والكراهية، ولذلك بقيت، رغم العواصفِ التي هزّت الإقليم، واحةَ اتزانٍ في زمنِ الاضطراب، ودارَ تماسكٍ في زمنِ التشظّي، وموطنَ تعايشٍ في زمنِ الانقسام.

فحفظ الله البحرين، دارَ المُلكِ الرشيد، وموئلَ الأمنِ السعيد، وحفظ قائدَ مسيرتها حضرةَ صاحبِ الجلالةِ الملك المعظم، وعضدَه الأمين صاحبَ السموِّ الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وحفظ رجالَها المخلصين الذين جعلوا أمنَ الوطن فوق كل اعتبار، وفي مقدمتهم معالي وزير الداخلية، الذي ظلَّ مثالًا لرجلِ الدولةِ الثابت، يرى في أمنِ البحرين رسالةً، وفي استقرارِها أمانةً، وفي وحدتِها الوطنيةِ خطًا أحمر لا يُسمحُ لعابثٍ أن يقتربَ منه. وأدام الله على هذا الوطن نعمةَ العقلِ إذا طاشت العقول، ونعمةَ الحِلمِ إذا ثارت الأهواء، ونعمةَ الدولةِ إذا سقطت حولها الراياتُ والشعارات.