قال الخبير واستشاري التربية الخاصة ومدير مركز معاً للتربية الخاصة د.أسامة أحمد مدبولي إن العمل في مجال التربية الخاصة لا يُقاس بعدد الساعات أو حجم الإنتاج، بل بعمق الأثر الإنساني الذي يتركه في حياة الآخرين، مؤكداً أن هذا القطاع يُعد من أكثر المجالات عطاءً وصبراً، حيث يلتقي العلم بالرحمة وتتحول الوظيفة إلى رسالة حياة.
وأضاف د.مدبولي في تصريحات لـ«الوطن» أن النجاح في هذا المجال لا يتمثل في الإنجازات التقليدية، بل في تفاصيل إنسانية عميقة، مثل نطق طفل كلمة بعد صمت طويل، أو تمكنه من الاعتماد على نفسه في أبسط المهارات اليومية، مشيراً إلى أن هذه اللحظات هي ما يصنع المعنى الحقيقي للعمل في التربية الخاصة.
وأشار إلى أن خلف كل إنجاز يحققه طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يقف أخصائي تربية خاصة يعمل بصمت ويؤدي دوراً يتجاوز حدود المهنة، موضحاً أن هؤلاء ليسوا مجرد معلمين أو مدربين، بل شركاء في رحلة إنسانية معقدة تتطلب فهماً دقيقاً للفروق الفردية، وصبراً عالياً، ومهارات متقدمة في التواصل غير اللفظي.
وتابع أن العمل في التربية الخاصة يستند إلى أدوات علمية دقيقة، مثل إعداد الخطط التربوية الفردية، وتصميم البرامج السلوكية، وتكييف المناهج بما يتناسب مع قدرات كل حالة، إلا أن العنصر الحاسم يبقى البعد الإنساني، من خلال القدرة على احتواء الانفعالات وقراءة ما وراء السلوك وتحويل التحديات اليومية إلى فرص للتقدم.
وأضاف أن كثيراً من الأخصائيين يواصلون عملهم رغم الضغوط النفسية والمهنية، بدافع داخلي نابع من إيمانهم بقيمة ما يقدمونه، وإدراكهم أن كل خطوة صغيرة يحققها الطفل هي نتيجة تراكم طويل من الجهد والتخطيط والتجربة.
ولفت إلى أن الأشخاص من ذوي الإعاقة الذين تمكنوا من دخول سوق العمل أثبتوا أن القدرة على الإنتاج لا ترتبط بسلامة الجسد بقدر ارتباطها بتوفر الفرص والدعم المناسب، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات ملحوظة في النظرة إلى هذه الفئة، مع الانتقال من مفهوم الرعاية إلى التمكين.
وأوضح أن المجتمع أصبح يشهد نماذج ناجحة في مجالات متعددة، من الوظائف المكتبية إلى الأعمال الحرفية والفنية والخدمية، مؤكداً أن هذه النماذج لا تمثل قصص نجاح فردية فقط، بل تعكس تحولاً مجتمعياً نحو فهم أعمق لمفهوم التنوع.
وأضاف أن العمل بالنسبة للأشخاص من ذوي الإعاقة لا يقتصر على كونه مصدراً للدخل، بل يمثل بوابة للاندماج الاجتماعي ووسيلة لتعزيز الثقة بالنفس وإثبات الذات، لافتاً إلى أن العديد منهم يتميز بدرجة عالية من الالتزام والانضباط، ما يجعلهم إضافة حقيقية لأي بيئة عمل تستوعب قدراتهم.
وأشار إلى أنه رغم التقدم المحقق، لاتزال هناك تحديات تتطلب معالجة جادة، موضحاً أن العاملين في التربية الخاصة بحاجة إلى مزيد من الدعم المؤسسي، سواء من حيث تحسين بيئة العمل، أو توفير التدريب المستمر، أو تقديم حوافز تتناسب مع طبيعة الجهد المبذول.
وتابع أن الأشخاص من ذوي الإعاقة ما زالوا يواجهون عقبات تتعلق بتهيئة بيئات العمل من الناحية المعمارية أو التقنية، إضافة إلى بعض الصور النمطية التي تقلل من قدراتهم، مؤكداً أهمية تعزيز ثقافة الدمج ليس فقط كالتزام قانوني، بل كقناعة مجتمعية راسخة.
وأكد أن الاستثمار في تهيئة بيئات العمل الشاملة لا يعود بالنفع على الأفراد فقط، بل ينعكس إيجاباً على المؤسسات من خلال تعزيز التنوع، ورفع مستوى الابتكار، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الوظيفي.
وقال إن كلمات الشكر في عيد العمال لا تكفي وحدها، رغم أهميتها، بل يجب أن تتحول إلى خطوات عملية تعزز مكانة هذا القطاع، من خلال سن السياسات الداعمة، وتوفير الموارد اللازمة، وفتح آفاق أوسع أمام جميع العاملين دون استثناء.
وأضاف أن التربية الخاصة ليست مجرد تخصص مهني، بل ميدان إنساني يعكس مدى رقي المجتمعات ووعيها، موضحاً أن العاملين فيه، سواء كانوا أخصائيين أو أفراداً من ذوي الإعاقة، يشكلون منظومة متكاملة تسعى لتحقيق هدف واحد، وهو تمكين الإنسان من أن يعيش بكرامة، ويتعلم، ويعمل، ويساهم في بناء مجتمعه.
واختتم مدبولي بالتأكيد على أن التحية تبقى مستحقة لكل يد امتدت بالعطاء، ولكل عقل آمن بقدرة الإنسان على التغيير، ولكل شخص تحدى ظروفه ليكون جزءاً فاعلاً في هذا العالم، داعياً إلى أن يكون العمل حقاً متاحاً للجميع، وأن تبقى الإنسانية هي البوصلة التي توجّه كل جهد وكل إنجاز.