قال استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان وأمين سر جمعية أصدقاء الصحة د. إيهاب رخا إن القلق يُعد أحد أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً في العصر الحديث، وعلى الرغم من أن الشعور بالتوتر هو استجابة فطرية تساعد الإنسان على التعامل مع المخاطر، إلا أن تحوله إلى حالة مزمنة من خلال ظهور طيف واسع من الأعراض، يؤدي إلى اختلال في جودة الحياة المهنية والاجتماعية، ويتطلب نهجاً شمولياً بدمج العلاج النفسي مع الدعم الاجتماعي والعلاج الدوائي، مما يمنح المصابين فرصة حقيقية للعودة لممارسة حياتهم بكامل طاقتهم

وأضاف د. رخا في تصريحات لـ"الوطن" أن هذا الاضطراب لا يصنف طبياً، كشعور عابر فحسب، بل هو نتيجة لتفاعل معقد بين العوامل الوراثية، كيمياء الدماغ، والضغوط البيئية المحيطة، وتحتاج إلى تشخيص دقيق، قبل العلاج المتكامل.

وحول المظاهر السريرية والأعراض، ذكر أن أعراض القلق تتنوع لتشمل طيفاً واسعاً يجمع بين الجسد والنفس، لذا يتطلب التشخيص الدقيق استبعاد أي مسببات عضوية أخرى، وهذه الأعراض هي:

- الأعراض المعرفية والنفسية: يشعر المصاب بحالة من "الترقب المستمر" لوقوع كارثة، مع وجود أفكار وسواسية يصعب السيطرة عليها. يظهر ذلك سريرياً في ضعف التركيز، وتشتت الانتباه، واضطرابات الذاكرة قصيرة المدى، بالإضافة إلى الأرق المزمن وصعوبة الدخول في مراحل النوم العميق.

- الأعراض الفسيولوجية "الجسدية": يحفز القلق الجهاز العصبي اللإرادي، مما يؤدي إلى زيادة إفراز الأدرينالين والكورتيزول. يترجم ذلك جسدياً إلى سرعة ضربات القلب، جفاف الفم، تشنجات عضلية خاصة في الرقبة والكتفين، واضطرابات معوية حادة مثل متلازمة القولون العصبي. كما قد يعاني البعض من نوبات الهلع التي تشمل ضيقاً شديداً في التنفس وآلاماً في الصدر تشبه نوبات القلب.

ونوه د. رخا إلى الاستراتيجيات العلاجية الحديثة، مؤكداً أن علاج القلق يتطلب نهجاً شمولياً يهدف إلى إعادة التوازن للجهاز العصبي وتعديل السلوكيات المكتسبة، ومن أبرز هذه الاستراتيجيات:

1. العلاج النفسي Psychotherapy: يبرز العلاج المعرفي السلوكي CBT كأداة فعالة جداً؛ حيث يعمل المعالج مع المريض على تفكيك الأفكار المشوهة التي تثير القلق واستبدالها بردود فعل عقلانية، بالإضافة إلى تقنيات "التعرض التدريجي" لمواجهة المخاوف.

2. التدخل الدوائي: في الحالات المتوسطة إلى الشديدة، يتم الاستعانة بالأدوية لتنظيم النواقل العصبية. تُستخدم مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية SSRIs كخيار أول طويل الأمد، بينما قد يتم اللجوء لمضادات القلق من فئة "البنزوديازيبينات" لفترات قصيرة جداً وتحت رقابة صارمة، نظراً لخصائصها الدوائية التي قد تؤدي للتعود والإدمان.

3. العلاجات التكميلية ونمط الحياة: أثبتت الدراسات أن التمارين الهوائية تعمل كمضاد طبيعي للقلق من خلال رفع مستويات الإندورفين. كما تلعب تقنيات الاسترخاء، مثل التنفس الحجابي والتأمل الواعي، دوراً كبيراً في خفض استثارة الجهاز العصبي الودي.

واختتم د. رخا تصريحه لـ"الوطن" بالقول إن:" فهم القلق كاضطراب طبي حيوي، وليس مجرد سمة شخصية، هو الخطوة الأولى نحو العلاج وطلب المساعدة. والعلاج المتكامل يمنح المصابين فرصة حقيقية للعودة لممارسة حياتهم بكامل طاقتهم، مع ضرورة التأكيد على أن التشخيص المبكر يجنب المريض الدخول في مضاعفات ثانوية مثل الاكتئاب أو العزلة الاجتماعية".