قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز معا للتربية الخاصة د. أسامة مدبولي إنه في كل عام، ومع حلول عيد العمال، تتجه أنظار العالم إلى قيمة العمل بوصفه حجر الأساس في بناء المجتمعات واستقرارها، غير أن هناك ميادين لا تُقاس فيها قيمة العمل بعدد الساعات أو حجم الإنتاج، بل بعمق الأثر الإنساني الذي يتركه في حياة الآخرين. وفي مقدمة هذه الميادين، يبرز مجال التربية الخاصة كأحد أكثر القطاعات عطاءً وصبراً، حيث يلتقي العلم بالرحمة، وتتحول الوظيفة إلى رسالة حياة.

وأضاف د. مدبولي، في تصريحات لـ»الوطن»، أن في هذا القطاع، لا يقتصر العمل على أداء مهام وظيفية تقليدية، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى إعادة تشكيل مسارات حياة كاملة، حيث يصبح النجاح لحظة نطق كلمة بعد صمت طويل، أو قدرة طفل على الاعتماد على نفسه في أبسط المهارات اليومية. هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها، العميقة في أثرها، هي ما يصنع المعنى الحقيقي للعمل في هذا المجال.

وتابع أنه خلف كل إنجاز يحققه طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، يقف أخصائي تربية خاصة يعمل بصمت، ويؤدي دوراً يتجاوز حدود المهنة. هؤلاء ليسوا مجرد معلمين أو مدربين، بل شركاء في رحلة إنسانية معقدة، تتطلب فهماً دقيقاً للفروق الفردية، وقدرة عالية على الصبر، ومهارات متقدمة في التواصل غير اللفظي.

وأوضح أن العمل في التربية الخاصة يستند إلى أدوات علمية دقيقة، مثل إعداد الخطط التربوية الفردية (IEP)، وتصميم البرامج السلوكية، وتكييف المناهج بما يتناسب مع قدرات كل حالة. ومع ذلك، يبقى العنصر الحاسم هو البعد الإنساني؛ القدرة على احتواء الانفعالات، وقراءة ما وراء السلوك، وتحويل التحديات اليومية إلى فرص للتقدم.

وقال: «ورغم ما يحمله هذا العمل من ضغوط نفسية ومهنية، فإن كثيراً من الأخصائيين يستمرون بدافع داخلي عميق، نابع من إيمانهم بقيمة ما يقدمونه. هم يدركون أن كل خطوة صغيرة يحققها الطفل، هي نتيجة تراكم طويل من الجهد والتخطيط والتجربة».

وأضاف: «وفي الجانب الآخر من الصورة، تبرز فئة لا تقل أهمية، وهم الأشخاص من ذوي الإعاقة الذين تمكنوا من دخول سوق العمل، مثبتين أن القدرة على الإنتاج لا ترتبط بسلامة الجسد بقدر ما ترتبط بتوفر الفرص والدعم المناسب».

وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات ملحوظة في النظرة إلى هذه الفئة، حيث انتقل التركيز من الرعاية إلى التمكين. وأصبحنا نرى نماذج ناجحة في مجالات متعددة، من الوظائف المكتبية إلى الأعمال الحرفية والفنية والخدمية. هذه النماذج لا تمثل قصص نجاح فردية فحسب، بل تعكس تحولاً مجتمعياً نحو فهم أعمق لمفهوم التنوع.

وتابع: «العمل بالنسبة لهؤلاء الأفراد لا يقتصر على كونه مصدراً للدخل، بل يمثل بوابة للاندماج الاجتماعي، ووسيلة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات الذات. كما أن العديد منهم يتميز بدرجة عالية من الالتزام والانضباط، ما يجعلهم إضافة حقيقية لأي بيئة عمل تستوعب قدراتهم».

وبيّن أنه على الرغم من التقدم المحقق، لا تزال هناك تحديات قائمة تتطلب معالجة جادة. فالعاملون في التربية الخاصة بحاجة إلى مزيد من الدعم المؤسسي، سواء من حيث تحسين بيئة العمل، أو توفير التدريب المستمر، أو تقديم حوافز تتناسب مع طبيعة الجهد المبذول.

وذكر أن الأشخاص من ذوي الإعاقة ما زالوا يواجهون عقبات تتعلق بتهيئة بيئات العمل، سواء من الناحية المعمارية أو التقنية، إضافة إلى التحدي الأكبر المتمثل في بعض الصور النمطية التي تقلل من قدراتهم. وهنا تبرز أهمية تعزيز ثقافة الدمج، ليس فقط كالتزام قانوني، بل كقناعة مجتمعية راسخة.

وأكد أن الاستثمار في تهيئة بيئات العمل الشاملة لا يعود بالنفع على الأفراد فقط، بل ينعكس إيجاباً على المؤسسات نفسها، من خلال تعزيز التنوع، ورفع مستوى الابتكار، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الوظيفي.

وقال د. مدبولي: «في عيد العمال، لا تكفي كلمات الشكر وحدها، رغم أهميتها، بل ينبغي أن تتحول إلى خطوات عملية تعزز من مكانة هذا القطاع. فالتقدير الحقيقي يتمثل في سن السياسات الداعمة، وتوفير الموارد اللازمة، وفتح آفاق أوسع أمام جميع العاملين، دون استثناء».

وأضاف أن التربية الخاصة ليست مجرد تخصص مهني، بل هي ميدان إنساني يعكس مدى رقي المجتمعات ووعيها. والعاملون فيه، سواء كانوا أخصائيين أو أفراداً من ذوي الإعاقة، يشكلون معاً منظومة متكاملة تسعى لتحقيق هدف واحد: تمكين الإنسان من أن يعيش بكرامة، ويتعلم، ويعمل، ويساهم في بناء مجتمعه.

واختتم د. مدبولي تصريحه قائلاً: «تبقى التحية مستحقة لكل يدٍ امتدت بالعطاء، ولكل عقل آمن بقدرة الإنسان على التغيير، ولكل شخص تحدى ظروفه ليكون جزءاً فاعلاً في هذا العالم. في هذا اليوم، تتجدد الدعوة إلى أن يكون العمل حقاً متاحاً للجميع، وأن تبقى الإنسانية هي البوصلة التي توجه كل جهد، وكل إنجاز».