مها الدخيل

يأتي عيد الأضحى المبارك كل عام حاملًا معه مشاعر إيمانية عظيمة وروحانية تلامس القلوب، فهو شعيرة دينية عميقة تحمل في معانيها الطاعة والإيمان والرحمة والتكافل الإنساني، وبه يشعر الإنسان بقربه من الله أكثر، وذلك من خلال التكبيرات التي تملأ الأجواء، وصلاة العيد التي تجمع الناس على المحبة.

وترتبط الأضحية بقصة عظيمة خلدها القرآن الكريم، حين رأى نبي الله إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام طاعةً لأمر الله سبحانه وتعالى، فامتثل الأب لأمر ربه بكل إيمان، واستقبل الابن هذا الابتلاء العظيم بكل رضا وصبر، فقال تعالى:«فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين».

وعندما سلّم الاثنان أمرهما لله بكل يقين وطاعة، جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى، ففدى إسماعيل بذبحٍ عظيم قبل أن يُذبح، لتصبح الأضحية منذ ذلك اليوم رمزاً خالداً لفداء نبي الله إسماعيل عليه السلام، وتجسيداً لمعاني الرحمة والطاعة والتضحية في الإسلام.

ومن هنا أصبحت الأضحية شعيرة عظيمة يؤديها المسلمون تقرباً إلى الله، ليس فقط بذبح الأنعام، بل بما تحمله من معانٍ إنسانية سامية، حيث يتشارك الناس لحوم الأضاحي مع الفقراء والمحتاجين، فتدخل الفرحة إلى البيوت، ويشعر الجميع بروح التكافل والمودة التي يدعو إليها الدين الإسلامي.

وفي المجتمعات العربية والخليجية تحديداً، يُعدّ عيد الأضحى موسماً اجتماعياً وإنسانياً يجتمع فيه الأقارب، وتتقارب القلوب، وتُفتح البيوت لاستقبال الأهل والأصدقاء. فتفاصيل العيد البسيطة تصنع أجمل الذكريات: «كرائحة القهوة العربية، وتجمعات العائلة، وفرحة الأطفال بالعيديات والملابس الجديدة، وصوت الضحكات الذي يملأ المجالس والبيوت».

لكن مع تطور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، تغيّرت بعض ملامح العيد شيئاً فشيئاً، فأصبحت المعايدات السريعة عبر الهواتف تحل أحياناً محل الزيارات، وأصبح البعض منشغلًا بتصوير لحظات العيد ونشرها أكثر من عيشها فعلياُ.

ورغم أن التكنولوجيا قرّبت المسافات وسهّلت التواصل مع الأحبة في مختلف الدول، إلا أن استخدامها المفرط قد يسلب العيد روحه الحقيقية، فالعيد مشاعر صادقة، ولقاءات دافئة، وصلة رحم حقيقية لا يمكن لأي شاشة أن تعوضها.

إن الحفاظ على روح عيد الأضحى مسؤولية اجتماعية وثقافية وإنسانية، فهو ذاكرة وهوية وقيم تنتقل من جيل إلى جيل. ومهما تغيّرت الأزمنة، سيبقى عيد الأضحى المبارك مناسبة تذكّرنا بأن أجمل ما في الحياة هو القرب من الله، ودفء العائلة، والرحمة بين الناس.

عيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بخير.

* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال