بيننا وبين عيد الأضحى أيام قليلة فقط، لكن القلوب هذا العام لا تنتظر العيد بقدر ما تنتظر أن تعود الطمأنينة إلى داخل البيوت، وأن يعود الفرح خفيفاً كما اعتدناه دائماً في البحرين.
عيد الفطر هذا العام مرّ مختلفاً، حتى وإن كنا واثقين في قدرة وطننا على الحماية والأمان. مرّ وكأن الجميع كان يحاول أن يتمسك بالفرح خوفاً من أن يضيع منه، بينما القلق كان حاضراً في كل بيت، وفي كل حديث، وحتى في الصمت الذي سبق النوم. رمضان والعيد هذا العام لم يشبها ما اعتدناه في البحرين، فنحن شعب اعتاد أن يربط الأعياد باللمة، بالزيارات، بالشوارع الممتلئة بالحياة، وبذلك الشعور البسيط الذي يجعل الإنسان يخرج من بيته وهو مطمئن أن الدنيا بخير.
لكن هذا العام، كانت الأصوات مختلفة.
كنا نشعر بالتوتر عند سماع أصوات الانفجارات والمضادات الجوية، نتابع الأخبار والقنوات الرسمية بقلوب قلقة، ونحاول أن نخفي خوفنا عن أطفالنا وعن بعضنا البعض. كثير من العائلات استبدلت فرحة العيد والتجمعات والزيارات العائلية بالبقاء في البيوت، وكأن الجميع كان يبحث عن الطمأنينة أكثر من أي شيء آخر.
حتى تفاصيل العيد التي كنا نتذمر منها أحياناً.. افتقدناها.
افتقدنا الشوارع المزدحمة، والاكتظاظ في المطاعم، وصعوبة الحصول على حجوزات أيام العيد. افتقدنا تلك الفوضى الجميلة التي كانت تجعل البحرين تبدو وكأنها تحتفل كلها في وقت واحد. وفجأة أدركنا أن هذه التفاصيل الصغيرة لم تكن عادية أبداً، بل كانت شكلاً من أشكال الأمان الذي اعتدناه طويلاً حتى ظننا أنه سيبقى دائماً.
في البحرين، العيد ليس مجرد مناسبة دينية فقط، بل حالة اجتماعية كاملة. هو صوت الباب الذي لا يتوقف من كثرة الزوار، وضحكات الأطفال وهم ينتقلون بين البيوت، ورسائل التهاني التي تبدأ من الفجر ولا تنتهي، والأمهات اللواتي يجهزن كل شيء بمحبة؛ من القدوع البحريني والحلوى والمتاي، إلى تفاصيل الضيافة الصغيرة التي كانت دائمًا تصنع روح العيد. كان ينقصنا شيء لا نراه.. لكننا شعرنا بغيابه في كل التفاصيل.
ولهذا السبب، تبدو البحرين هذا العام وكأنها كلها تنتظر عيد الأضحى.
ليس لأن الناس تريد إجازة جديدة أو مناسبة أخرى فقط، بل لأن الجميع مشتاق لأن يشعر أن الحياة عادت لطبيعتها، وأن الأعياد ما زالت قادرة على جمع القلوب كما كانت دائماً. مشتاقون للمة الأهل والأصدقاء، للضحكات العفوية، للأحاديث الطويلة، ولتلك الطمأنينة التي تجعل الإنسان يعيش العيد بقلب مرتاح.
ورغم كل القلق الذي مرّ علينا، يبقى في البحرين شيء لا يتغير أبداً.. تماسك أهلها.
في أصعب اللحظات، تظهر حقيقة هذا الوطن أكثر. يظهر الحب في خوف الناس على بعضهم، وفي الدعوات التي كانت تخرج من القلوب قبل الكلمات، وفي ذلك الشعور الجمعي بأن البحرين ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل بيت كبير يخاف الجميع عليه وكأنه فرد من العائلة.وحشتنا فرحة العيد الحقيقية هذا العام.
وحشتنا البيوت الممتلئة، والشوارع التي لا تنام، وزيارات الفرجان والوجوه المطمئنة التي تخرج فقط لتفرح دون أن تحمل معها كل هذا القلق. لكن البحرين، رغم كل شيء، تعرف دائمًا كيف تعود للحياة، وكيف تصنع من الخوف قوة، ومن التوتر قرباً أكبر بين الناس.
إن شاء الله يعود علينا عيد الأضحى وكلنا بخير، والبحرين بخير، وقيادتنا وشعبنا وأهلنا ينعمون بالأمن والأمان والطمأنينة. وأن تعود الأعياد كما عرفناها دائماً.. مليئة بالحب، واللمة، والفرح الذي لا يعكره شيء. وكل عام والبحرين بخير دام انتو أهلها.