إيمان عبدالعزيز

ارتفعت أصوات التكبيرات معلنة النداء الإلهي المعظم في قلوب العباد، بعد أن أطلت علينا أيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة المبارك بعد كل عام، تحمل في مقدمتها الحمد والثناء على الله تعالى على ما بلغنا خير بلاغ هذه الأيام المباركة ونحن بسلام وأمان، لا يجول في فكرنا سوى التكثيف من أداء العبادات والطاعات، التي يستغل فرصتها الثمينة كل مسلم يحرص على القيام بها منذ الأول من الشهر حتى يوم العيد.

طوبى لمن زهد المغريات الدنيوية خلال هذه العشر الأيام ولاذ بالصد عنها إلى الخلوة مع الله وإن لم يكن ضمن زمرة الحجيج، فالنفس العامرة بالإيمان تقود صاحبها إلى طريق الصفاء الروحي وتضرع القلب، تلهفا لاغتنام المكاسب الحقيقية التي تثري رصيد العبد في الدنيا والآخرة، لأنها ليست كسائر الأيام الأخرى، بل هي محطة تبرهن على حرص المؤمن على اتباعه لأوامر ربه وتعظيم شعائره، كما ذكر في الآية الكريمة «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب».

إنها أيام أقسم الله تعالى بشرفها وعظمتها في كتابه العزيز بقوله «وليال عشر»، لما لها من شأن عظيم في شمولية أمهات العبادة فيها وهي الصلاة والصيام والصدقات والحج، وأي عمل صالح يجتهد فيها أفضل منه في غيرها، وهي أفضل حتى من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان والمصادف من بينها ليلة القدر.

فاستثمار المسلم وقته في هذه الأيام تحديداً، وقيامه بوضع خطط زمنية مجدولة لتنظيم المهام وتأدية الطاعات في أوقاتها المناسبة، خير ما يقدم عليه في الاجتهاد وشحذ الهمم في أداء الفرائض والسنن والنوافل، لأنها مدة زمنية روحانية تتجدد فيها العهود مع الله تعالى، فمن يؤدي فريضة الحج يعود كما ولدته أمه، ومن لم يستطع يحظى أيضا بواسع الرحمات والحسنات في حال سعيه واجتهاده، وخصوصاً حين البدء بالتوبة الصادقة والإقلاع عن العودة إلى المعاصي.

وتستمر الأيام في الاجتهاد بالعبادات المنقسمة بين الحفاظ على تأدية الفرائض بوقتها وبين التكثيف من السنن كالصيام والإكثار من تلاوة القرآن الكريم ومختلف الأذكار كالتكبير والتهليل والتحميد وغيرها، وإخراج الصدقات على المحتاجين، وصلة الأرحام وغيرها، إلى أن يأتي اليوم الثامن وهو يوم التروية التي لا تقف الألسن عن التلبية اقتداء بسنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعند حلول يوم عرفة التاسع من الشهر، ذلك اليوم المنتظر كل عام لما له من فضائل عظيمة ترفع قدر المسلم ديناً ودنيوياً، فصيامه يكفر ذنوب سنتين ماضية وأتيت، وتفتح أبواب الجنة، ويعتق فيها العبد من النار، وتستجاب فيها الدعوات، وتتحقق فيها المطالب الدنيوية والأخروية بمشيئة الله تعالى.

إن الحديث عن قدسية هذه الأيام المباركة وفضائلها يطول، فلذا أود أن أختم المقال بتجديد الحمد والشكر لله على ما بلغنا هذه الأيام المباركة، وأسأله جل في علاه أن يحفظ سائر حجاج بيته الحرام ويعيدهم إلى بلادهم سالمين متقبلاً طاعتهم، وأن يحفظ مملكة البحرين من كل سوء ومكروه ويديم على أرضها الأمن والاستقرار، وعلى دول الخليج وسائر بلاد المسلمين، وأن يعيد علينا هذه المناسبة كل عام ونحن بخير، إنه هو السميع المجيب.