عندما تنهار الأسرة، ويتجه مؤسسا هذه الوحدة المجتمعية كلٌّ منهما إلى طريق مختلف، يبقى السؤال الأهم: كيف يشعر الأطفال؟
في الحقيقة، لا يوجد انفصال بين زوجين من دون أن يترك أثراً، لكن الأثر الأكبر غالباً لا يظهر على الأب أو الأم، بل ينعكس بصمت داخل قلب الطفل، فالطفل لا يفهم تعقيدات الخلافات الزوجية، ولا يدرك أسباب الفراق القانونية أو الاجتماعية، لكنه يشعر جيداً باهتزاز الأمان من حوله، وكأن العالم الذي اعتاد عليه بدأ يتفكك فجأة.
وحين ينفصل الأب والأم، يعيش الطفل حالة من الارتباك النفسي قد تظهر بأشكال مختلفة؛ فقد يصبح أكثر صمتًا، أو أكثر غضباً، أو يعاني من القلق والخوف وفقدان التركيز. بل إن بعض الأطفال يظنون أنهم السبب في الانفصال، وآخرون يخشون فقدان حب أحد الوالدين لهم. لذلك، فإن أخطر ما قد يواجهه الطفل ليس الانفصال نفسه، بل الطريقة التي يتم بها هذا الانفصال.
وتستمر الحياة وينسى كثير من الآباء والأمهات واجباتهم تجاه الأبناء وينشغلون بإثبات الحقوق أو الانتصار في الخلاف، وينسون أن الطفل ليس طرفاً في المعركة. والمؤسف أن استخدام الأطفال وسيلةً للضغط النفسي أو لتشويه صورة الطرف الآخر أمامهم يترك جروحاً طويلة الأمد قد ترافقهم حتى مرحلة البلوغ. فالطفل يحتاج إلى أن يشعر بأن والديه، رغم الخلاف، ما زالا قادرين على منحه الحب والحماية والاحترام.
أما السؤال الذي يتكرر دائماً: هل الأفضل أن يبقى الطفل مع الأم أم مع الأب؟ فالإجابة الحقيقية ليست واحدة لدى الجميع. والأفضل دائمًا هو المكان الذي يجد فيه الطفل الاستقرار النفسي والاهتمام والرعاية الصحية والعاطفية. وفي السنوات الأولى من العمر يحتاج الطفل غالباً إلى قرب الأم لما تمنحه من احتواء وطمأنينة، لكن ذلك لا يقلل أبداً من أهمية دور الأب في بناء التوازن والثقة والشعور بالأمان.
إن الطفل لا يحتاج إلى أن يختار بين والديه، بل يحتاج إلى ألا يُجبر على هذا الاختيار أصلاً. فوجود الأب والأم في حياته، حتى بعد الانفصال، بصورة محترمة ومتوازنة، هو ما يصنع الفارق الحقيقي في صحته النفسية.
ومن الآثار النفسية التي قد يعاني منها الأطفال بعد انفصال الوالدين الشعور بالفقد وعدم الأمان، خاصة إذا اختفى أحد الطرفين فجأة من حياتهم اليومية. بعض الأطفال يصابون بالقلق الدائم، أو اضطرابات النوم، أو تراجع المستوى الدراسي، بينما يظهر على آخرين السلوك العدواني أو الانطواء الشديد.
وفي مراحل عمرية مختلفة قد تتشكل لديهم مشاعر خوف من العلاقات والاستقرار، لأن الصورة الأولى للحب والأمان لديهم تعرضت للاهتزاز.
الأطفال لا يحتاجون إلى تفاصيل الخلافات، لكنهم يحتاجون إلى الصدق والطمأنينة. لذلك فإن أفضل طريقة لتهيئتهم لخروج الأب من المنزل، أو لتغير شكل الحياة الأسرية، هي الحوار الهادئ المناسب لأعمارهم، بعيدًا عن الاتهامات والصراخ. يجب أن يسمع الطفل بوضوح أن الانفصال ليس بسببه، وأن حب والديه له لن يتغير مهما حدث.
كما يُفضَّل إخبار الطفل بالتغييرات قبل حدوثها بوقتٍ كافٍ حتى لا يشعر بالصدمة، مع الحفاظ قدر الإمكان على روتينه اليومي ومدرسته وعلاقاته المعتادة. والأهم من ذلك أن يبقى التواصل مع الأب حاضرًا ومنتظمًا إذا كان الوضع يسمح بذلك، لأن الاختفاء الكامل للأب قد يترك فراغاً نفسياً عميقاً لدى الطفل، ويزرع داخله مشاعر الرفض أو الهجر.
وحين يتعامل الأب والأم باحترام أمام أبنائهما، فإنهما يرسلان رسالة مهمة مفادها أن نهاية الزواج لا تعني نهاية الأسرة، وأن الحب يمكن أن يستمر بصورة مختلفة أكثر نضجاً وهدوءاً.
نعم، قد ينجح الزوجان في إنهاء العلاقة بينهما، لكن مسؤولية الأبوة والأمومة لا تنتهي أبداً. فالأطفال لا يتذكرون تفاصيل الخلافات بقدر ما يتذكرون كيف شعروا خلالها. لذلك، يجب أن تكون حماية نفسية الطفل أولوية تتقدم على أي انتصار شخصي أو خلاف عابر.