وليد صبري

كراسي علمية ومراكز بحثية ومشاريع تطبيقية بالجامعة تنتج المعرفة وتدعم السياسات وتخدم المجتمع.

الجامعة تقدّم منظومة متكاملة بالطب والعلوم الصحية وإدارة الأعمال والعلوم البيئية والتخصصات الحديثة.

تكامل التعليم النوعي والبحث والمسؤولية يرسّخ الجامعة جسراً بين الطموح الخليجي والمعايير العالمية.

4 عقود من الدعم المتواصل من قادة دول مجلس التعاون ترسّخ الجامعة مركزاً خليجياً للتعليم العالي.

«الخليج العربي» تختار التخصّص النوعي على التوسّع الكمّي في برامجها الأكاديمية.

قال رئيس جامعة الخليج العربي د. سعد بن سعود آل فهيد إن «الجامعة التي تمثل مشروعاً وحدوياً تأسس عام 1980 برؤية 6 قيادات خليجية، وصرحاً معرفياً يجسّد الإيمان بأن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الأساسي لبناء المستقبل، أسهمت خلال عام 2025 وحده بأكثر من 230 بحثاً علمياً في مجلات محكمة ذات تصنيف عالمي، نحو 75% منها في مجلات الربع الأول»، مشيراً إلى أن «طلبة الجامعة أسهموا بما نسبته 13% من تلك الأبحاث المنشورة في ظل سياسات دعم وتحفيز بحثي واضحة تشمل المنح، وتحمّل رسوم النشر في قواعد البيانات العالمية المعتمدة».

وأضاف رئيس جامعة الخليج العربي في أول حوار للصحافة المحلية خص به «الوطن» أن «الجامعة، التي اتخذت من مملكة البحرين مقراً لها، تقدّم منظومة متكاملة من البرامج في الطب والعلوم الصحية وإدارة الأعمال والعلوم البيئية والتخصصات الحديثة، مستندةً إلى كراسي علمية ومراكز بحثية ومشاريع تطبيقية تنتج المعرفة، وتدعم السياسات وتخدم المجتمع، في تجسيد حي للتكامل بين التعليم النوعي والبحث والمسؤولية المجتمعية الذي يرسّخها جسراً بين الطموح الخليجي والمعايير الأكاديمية العالمية».

وأشار د. سعد بن سعود آل فهيد، إلى أن «4 عقود من الدعم المتواصل من قادة دول مجلس التعاون الخليجي رسّخت مكانة الجامعة مركزاً خليجياً للتعليم العالي»، مؤكداً أن «ما يميّزها اختيارها التخصص النوعي على التوسع الكمي في برامجها الأكاديمية، وقدرتها على ربط التعليم بالبحث والاحتياج المجتمعي في نموذج مؤسسي متميز، إذ تعتمد كلية الطب الدمج المبكر بين العلوم الأساسية والتدريب السريري بمركز محاكاة متطور، أثمر في تخريج كوادر طبية يتولى كثير منهم اليوم مناصب قيادية في المنظومات الصحية الخليجية، فيما تُعدّ كلية التربية والعلوم الإدارية كوادر قيادية للتحول الرقمي والاستدامة، في منظومة توائم مخرجاتها مع خطط التنمية وسوق العمل رهاناً حقيقياً على الإنسان الخليجي».

وأوضح أن «الخطة الاستراتيجية 2030 وضعت «تعزيز أثر البحث والابتكار» هدفاً ثانياً من بين 6 أهداف استراتيجية، كاشفاً أن الجامعة أطلقت بكالوريوس التمريض لمعالجة نقص هيكلي في القطاع الصحي الخليجي، إلى جانب كراسي علمية تحمل أسماء قادة دول مجلس التعاون الخليجي تُشكّل مراكز تميز لمعالجة التحديات الصحية والبيئية والتقنية ذات الأولوية الاستراتيجية، في ظل بيئة مؤسسية محفزة توفرها مملكة البحرين برعاية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء».

ولفت رئيس جامعة الخليج العربي إلى أن «دخول الجامعة تصنيف «التايمز» للتعليم العالي فئة 401-500 من بين قرابة 2200 جامعة عالمياً لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل مؤشراً على سلامة النهج الذي تنتهجه في رؤيتها المؤسسية»، مبيّناً أن «مدينة الملك عبدالله الطبية التي تحظى بدعم مليار ريال سعودي من المملكة العربية السعودية ومليون متر مربع تبرعاً من ملك البلاد المعظم، تستهدف توطين التخصصات الدقيقة وأبحاث القلب والسكري والأورام خليجياً، وستوفر أكثر من 1000 فرصة عمل مباشرة لتعزيز التنمية الصحية المستدامة في المنطقة».

وأوضح أن «4 عقود من الرسالة الأكاديمية والبحثية تجعل الجامعة تنظر إلى المستقبل بثقة، مستندةً إلى إرث راسخ وشراكات أكاديمية وخبرات علمية متراكمة تؤهلها لمواكبة التحولات المتسارعة وخدمة مجتمعات الخليج وقضاياها التنموية».

وبيّن أن «الجامعة لا تكتفي بتزويد طلبتها بالمعرفة الأكاديمية، بل تحرص على إعدادهم إعداداً متكاملاً، يجمع بين العلم والمهارة، وبين التفكير النقدي والقدرة على الابتكار، مع ترسيخ منظومةٍ من القيم المهنية والإنسانية التي تجعل منهم مواطنين مؤثرين في مجتمعاتهم».

وإلى نص الحوار:

عندما نتحدث عن جامعة الخليج العربي، كثيراً ما توصف بأنها مشروع خليجي إستراتيجي، فكيف تقرؤون سياق تأسيسها في هذا الإطار؟

- بدايةً، يسرّني أن أعرب عن خالص الشكر والتقدير لصحيفة «الوطن» على دورها الإعلامي المسؤول، واهتمامها بتسليط الضوء على المؤسسات التعليمية الرائدة، وإبراز الدور الذي تضطلع به جامعة الخليج العربي في دعم مسارات التنمية، وبناء الإنسان في دول مجلس التعاون.

أما بخصوص سياق التأسيس، فيمكن النظر إلى نشأة الجامعة بوصفها مشروعاً وحدوياً بامتياز، وخياراً استراتيجياً نابعاً من رؤيةٍ قياديةٍ حكيمة آمنت بأن الاستثمار الحقيقي والمستدام يبدأ بالإنسان، باعتباره المحرك الأول للتنمية وغايتها الأسمى، حيث مثّلت فكرة إنشاء الجامعة تجسيداً لإرادة خليجية جماعية هدفت إلى الاستثمار في رأس المال البشري المؤهل، القادر على امتلاك الأدوات المعرفية اللازمة لمواجهة تحديات الحاضر، وصناعة فرص المستقبل.

فقد تشرفت الجامعة منذ نشأتها بأنْ جاءت ثمرةً لرؤية ستةٍ من قادة دول الخليج العربي -رحمهم الله-الذين آمنوا بأن بناء الإنسان هو الأساس الراسخ لأي مشروع نهضوي حقيقي، فأسسوا من خلال هذا الكيان الأكاديمي نموذجاً متقدماً للعمل الخليجي المشترك، يقوم على التكامل المعرفي والتعليمي، ويعكس عمق الرؤية الاستشرافية التي ميّزت تلك المرحلة.

كما حظيت الجامعة، على امتداد مسيرتها، بدعمٍ متواصلٍ من لدن قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وشكّل هذا الدعم نهجاً راسخاً أسهم في تعزيز استقرارها المؤسسي، وتطوير برامجها الأكاديمية والبحثية، وصولاً إلى العهد الميمون لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس -حفظهم الله- الذين يؤكدون في رؤاهم وتوجهاتهم أن الاستثمار في الإنسان يظل الخيار الإستراتيجي الأسمى، والضمانة الحقيقية لتعزيز القدرة التنافسية، وتحقيق التنمية المستدامة في دول الخليج.

وفي تقديري، فإن فكرة التأسيس، في جوهرها، كانت ترجمةً عمليةً لوحدة المصير الخليجي، وتجسيداً واعياً لانتقالٍ نوعي نحو تعاونٍ معرفي وتعليمي مستدام، يعزّز التكامل المؤسسي بين دولنا، ويدعم قدرتها الجماعية على مواجهة التحديات التنموية والاقتصادية وفق منظور علمي مشترك.

ما الذي يميز الجامعة عن غيرها من مؤسسات التعليم العالي في المنطقة؟

- ما يميّز جامعة الخليج العربي عن غيرها من مؤسسات التعليم العالي في المنطقة ليس عاملاً واحداً، بل اجتماع جملة من الخصائص المؤسِّسة التي صاغت هويتها ورسالتها منذ البداية.

ولعلّ أولى هذه الخصائص هي أنها نشأت خارج الإطار التقليدي للجامعات، بوصفها مؤسسة تعليمية ذات بعد خليجي مشترك، ما جعلها تحمل منذ تأسيسها منطق العمل الجماعي والتكامل الإقليمي، وهذا البعد تجلّى في فلسفة التخطيط، وطبيعة التخصصات، وأدوار الجامعة في خدمة قضايا تمس المنطقة ككل.

وهذه الميزةُ الأولى تقودنا لفهم الخاصّية الثانية، والتي تتمثّلُ في اعتمادِ الجامعة نموذج التخصص النوعي المدروس، لا التوسع الكمي، فالجامعة لم تتجه إلى تنويع البرامج بوصفه هدفاً بحد ذاته، وإنما ركّزت على مجالات بعينها ترى فيها قيمةً مضافة حقيقية للتنمية الخليجية، وبنت حولها منظومات تعليمية وبحثية متكاملة، تتقاطع فيها المعرفة الأكاديمية مع التطبيق العملي والبحث التطبيقي.

وتتميّز الجامعة، ثالثاً، بقدرتها على الربط الواعي بين التعليم والبحث والاحتياج المجتمعي، فبرامجها الأكاديمية، والاحترافية، والبحثية، لا تُصاغ بمعزل عن الواقع، وإنما في تفاعل مستمر مع التحديات الصحية، والبيئية، والتقنية، والإنسانية التي تواجه دول المنطقة، وهو ما منحها شخصية مؤسسية مميزة ومكانة خاصة في منظومة التعليم العالي الخليجي.

كيف تُجسّد كليات الجامعة رؤيتها الأكاديمية ورسالتها في إعداد الكفاءات وبناء المعرفة؟

- تُترجم كليات الجامعة فلسفتها الإستراتيجية إلى واقع أكاديمي من خلال نماذج تعليمية متطورة تدمج بين العمق المعرفي والتطبيق العملي، ويتجلى ذلك بوضوح في كلية الطب والعلوم الصحية، التي تُعد إحدى أعمدة التميّز في الجامعة؛ إذ تعتمد الكليّة نموذجاً متطوراً يقوم على الدمج المبكر بين العلوم الأساسية والتدريب السريري، مدعوماً ببنية تحتية متقدمة تشمل مركز محاكاة حديث يُهيّئ الطلبة للتعامل بكفاءة مع الواقع الطبي المعقد، وقد أثمر هذا النهج في رفد المنطقة بالأطباء الخليجيين الذين يمتلكون الكفاءة المهنية العالية، والفهم العميق لأخلاقيات الممارسة الصحية وجودة الرعاية الطبية، حيث تفتخرُ الجامعة بخريجي كلّية الطب والعلوم الصحية الذين يشغل كثيرٌ منهم اليومَ مناصب قيادية رفيعة في المنظومات الصحية لدولهم.

وفي مسارٍ موازٍ، تقدم كلية التربية والعلوم الإدارية والتقنية نموذجاً متكاملاً في برامج الدراسات العليا، يرتكز على المواءمة بين التحولات التقنية واحتياجات سوق العمل، إذ تجمع الكلية بين التخصصات التربوية التي تُعنى ببناء الإنسان، والبرامج الإدارية والبيئية التي تستجيب لمتطلبات الابتكار والتحول الرقمي والاستدامة، ويبرز في نهجها الأكاديمي التركيز على البحوث التطبيقية والخبرات النوعية، بهدف إعداد كوادر قيادية قادرة على الإسهام الفاعل في القطاعات الحيوية الأكثر ارتباطاً بمتطلّبات التنمية الشاملة المستدامة في دول الخليج العربية.

وهنا لا يفوتني الإشادة بجهود أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، الذين أثمرت جهودهم، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، في رفع جودة البرامج الأكاديمية، والارتقاء بمستوى المخرجات التعليمية، حيث كان لهم دور محوري في بناء بيئة علمية محفزة، وتعزيز مكانة الجامعة كمؤسسة تعليمية رائدة.

كيف تنظرون إلى دور طلبة وخريجي الجامعة في صناعة مستقبل التنمية الخليجية، وما الرهانات التي تضعها الجامعة في إعدادهم للمستقبل؟

- تَنظُرُ الجامعةُ إلى طلبتها وخريجيها بوصفهم امتداداً حيّاً لرسالتها، وحمَلةً لقيمها، وشركاء في مسؤولية صناعة مستقبل التنمية في دول الخليج، فهؤلاء الشباب والشابات الخليجيون يمثّلون طاقات واعدة تُعوَّل عليها أوطانهم، وتنتظر منهم أن يسهموا في بناء اقتصادها، وتطوير مؤسساتها، وتحقيق تطلعات قيادتها الرشيدة نحو مزيدٍ من التقدّم والازدهار.

وإذا كانت الجامعة تعتزّ بما حقّقه خريجوها من حضورٍ مؤثّر في مواقع العمل والمسؤولية في مختلف دول المجلس، فإنها ترى في الأجيال القادمة رصيداً استراتيجياً لمستقبل المنطقة، ورهاناً حقيقياً على بناء الإنسان الخليجي القادر على التكيّف مع تحوّلات العصر، لاسيما في ظل ما يشهده العالم من تغيّرات متسارعة.

ومن هنا، فإن الجامعة لا تكتفي بتزويد طلبتها بالمعرفة الأكاديمية، بل تحرص على إعدادهم إعداداً متكاملاً، يجمع بين العلم والمهارة، وبين التفكير النقدي والقدرة على الابتكار، مع ترسيخ منظومةٍ من القيم المهنية والإنسانية التي تجعل منهم مواطنين مؤثرين في مجتمعاتهم، كما تعمل على ربط مسيرتهم التعليمية بالاحتياجات الفعلية لخطط التنمية، بما يضمن المواءمة الحقيقية بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وبما يعزّز قدرتهم على تحويل المعرفة إلى أثرٍ ملموس في الواقع.

والرهان في ذلك كلّه هو الإنسان الخليجيّ، إذ تؤمن الجامعة بأن الاستثمار في العقول الشابة هو الركيزة الأهم لبناء مستقبلٍ خليجي أكثر تماسكًا وتكاملًا، وأن ما يُغرس في نفوس الطلبة اليوم من وعيٍ ومسؤولية والتزام، هو ما سيتحوّل غداً إلى إنجازاتٍ تسهم في رفعة أوطاننا وتعزيز مكانتها بين الأمم.

ما موقع البحث العلمي في هوية الجامعة، وما علاقته برسالتها التعليمية؟

- يحتلّ البحثُ العلميّ موقعاً محورياً في هوية جامعة الخليج العربيّ، ويُشكّل أحد الأعمدة الرئيسة لرسالتها الأكاديمية، وقد أكّدت الخطةُ الإستراتيجيةُ طويلةُ المدى للجامعة 2030 هذه القناعة بوضوح، إذ خُصِّص هدفٌ مستقلّ للبحث العلمي، مرتبط ارتباطاً مباشراً بالابتكار وريادة الأعمال، فكان الهدف الثاني من أصل ستة أهداف استراتيجية تضمّنتها الخطّة هو «تعزيز أثر البحث والابتكار وريادة الأعمال» بما يجسّد رؤية الجامعة للبحث بوصفه رافعةً للتعليم والتنمية معاً.

فالتعليم العالي المؤثّر لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل يقوم أساساً على إنتاجها وتطويرها، ولذلك صُمّمت برامجُ الجامعة لتكون بيئاتٍ حاضنةً للبحث والابتكار، تتيح للطلبة وأعضاء هيئة التدريس التفاعل مع قضايا علمية وتنموية حقيقية ذات بُعد مجتمعي.

وقد تُرجم هذا التوجّه بحمد الله إلى إنتاجٍ علميٍّ ومعرفيٍّ ملموس، فخلال عام 2025، أسهم أعضاء هيئة التدريس بأكثر من 230 بحثاً علمياً، نُشر معظمها في مجلاتٍ محكّمة ذات تصنيفٍ مرتفع، وكان نحو 75% منها ضمن مجلات الربع الأول «Q1»، وهو ما يُظهر التزام الجامعة بمعايير الجودة والتميّز والتنافسية العالمية.

وفي الوقت نفسه، تولي الجامعةُ اهتماماً خاصاً ببناء القدرات البحثية لدى طلبتها، حيث شاركوا مع أساتذتهم بما نسبته 13% تقريبًا من الأبحاث المنشورة، في ظلّ سياساتٍ تحفيزيةٍ واضحة تشمل الدعمَ والمنحَ البحثية، وتحمّلَ رسوم النشر في قواعد البيانات العالمية المعتمدة.

ما طبيعة دور الجامعة في سد الفجوات في المخرجات المرتبطة باحتياجات التنمية وسوق العمل في دول الخليج العربي؟

- تضع الجامعة، دائمًا، من ضمن أولوياتها الأكاديمية والبحثية، سدّ الفجوات المرتبطة باحتياجات سوق العمل وأولويات التنمية في دول الخليج، حيث تسعى إلى بناء قدرات بشرية نوعية، وتطوير برامج أكاديمية تحاكي المتطلبات المهنية والاحتياجات الفعلية المتسارعة في المنطقة وتبرز تجربة الجامعة في إعداد الأطباء كنموذج ريادي لهذا التوجه؛ إذ نجحت عبر عقود في رفد منظومات الرعاية الصحية الخليجية بكوادر طبية متميزة، يتولى الكثير منهم اليوم مواقع قيادية ومسؤوليات مهنية مؤثرة. ولا تقتصر قيمة هذا العطاء على الجانب الكمي للمخرجات، بل تتعداه إلى نوعية التأهيل التي تمزج بتوازن دقيق بين التأسيس العلمي المتطور، والتدريب السريري المكثف، والالتزام بالبعد الإنساني في الممارسة الطبية.

واتساقاً مع هذا النهج، تواصل الجامعة تحديث خارطتها الأكاديمية استجابةً للتحولات الديموغرافية والمهنية؛ ومن أبرز الشواهد على ذلك استشعارها للحاجة الملحة إلى كفاءات تمريضية خليجية، مما أثمر عن إطلاق برنامج بكالوريوس العلوم في التمريض قبل عامين.

ويمثل هذا البرنامج خياراً استراتيجياً يستهدف معالجة النقص الهيكلي في القطاع الصحي عبر إعداد جيل من الممرضين والممرضات من أبناء دول مجلس التعاون بمؤهلات عالمية.

أما على مستوى الدراسات العليا، والدبلومات الاحترافية، فتعتمد الجامعة على نهجٍ مؤسّسي في تصميم برامجها، يقوم على تشخيص الفجوات الفعلية في سوق العمل، واستهداف المجالات ذات الأولوية التنموية، بما يضمن تخريج كوادر متخصصة قادرة على الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية.

الجامعة تضمّ أيضاً كراسي علمية بأسماء عددٍ من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي، كيف يخدم ذلك البعد الاستراتيجي؟

- تنظر جامعة الخليج العربي إلى الكراسي العلمية التي تحمل أسماء أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي بعين الفخر والاعتزاز، باعتبارها تجسيداً رفيعاً للدعم والرعاية القيادية للعلم والمعرفة، وعنواناً لثقة القيادة الخليجية بدور الجامعة العلمي والتنموي، إلى جانب ما تمثّله هذه الكراسي من أطر مؤسسية فاعلة لتعزيز البحث العلمي المتخصص.

وقد صُمِّمت هذه الكراسي لتقوم بدور معرفي واستشاري متقدم، يركّز على القضايا الاستراتيجية ذات الأولوية لدول مجلس التعاون، من خلال دراسات معمّقة وبحوث تطبيقية تسهم في إثراء النقاش العلمي، ودعم مسارات التنمية، وتوفير رؤى تحليلية قائمة على أسس علمية رصينة.

علاوة على ذلك، تُشكّل هذه الكراسي منصات حيوية لربط البحث الأكاديمي بالاحتياجات التنموية الواقعية؛ مما يسهم في بناء «مراكز تميز» خليجية داخل الجامعة، قادرة على التفاعل الاستباقي مع التحديات الصحية والبيئية والتقنية، وغيرها من الملفات الحيوية.

تحظى الجامعة بدعم نوعي من قادة دول الخليج العربي، كيف أثّر ذلك على مسيرتها؟

- حظيت جامعة الخليج العربي منذ تأسيسها بدعمٍ سخيّ ومتواصل من أصحاب الجلالة والسموّ قادة دول مجلس التعاون الخليجي حفظهم الله، وهو دعمٌ تجاوز أبعاده المؤسسية والمالية ليجسّد رؤيةً خليجيةً تدرك أن الاستثمار في الإنسان والمعرفة يُشكّل الركيزة الأهم للتنمية المستدامة وتعزيز الجاهزية المستقبلية، وقد منح هذا الدعمُ الجامعةَ القدرة على العمل ضمن أفقٍ استراتيجيّ، وتطوير نموذجٍ أكاديمي وبحثي متميّز.وفي هذا المقام، أتشرّف، باسمي واسم أسرة الجامعة، برفع أسمى عبارات الشكر والتقدير إلى مقام أصحاب الجلالة والسموّ قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة -حفظهم الله- على ما يولونه الجامعة من دعمٍ كريم واهتمامٍ متواصل.

كما أُثمّنُ الدعم الذي تحظى به الجامعة من لدن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، وما يقدّمه جلالته من رعايةٍ مستمرة تعزّز مسيرتها وتمكّنها من أداء دورها الخليجي المشترك، وأُشيد كذلك بدعم صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وما يمثّله ذلك من امتدادٍ للرعاية الرسمية التي تدفع بمسيرة الجامعة نحو مزيدٍ من التميّز والريادة؛ إذ وفّرت البحرين، بوصفها الدولة التي تحتضن مقرّ الجامعة، بيئةً مؤسسية وعلمية محفّزة، أسهمت في ترسيخ استقرارها وتوسّعها في مشاريعها الأكاديمية والبحثية.

وقد أثمرت هذه الرؤية الخليجية الداعمة حضوراً متقدماً للجامعة على المستويين الإقليمي والدولي، تُوِّج بحصولها على جوائز مرموقة في التعليم الطبي، ودخولها تصنيف مؤسسة التايمز للتعليم العالي ضمن الفئة (401–500) عالميًا من بين قرابة 2200 جامعة، بما يؤكّدُ نجاح هذه التجربة الخليجية الرائدة.

تمثّل هذه الجوائز والإنجازات مؤشّراً على جودة التعليم الذي تقدّمه الجامعة، ولاسيّما دخولها تصنيف مؤسسة التايمز للتعليم العالي، الذي يُعدّ واحداً من أبرز التصنيفات العالمية، فكيف تقرؤون دلالات هذا الإنجاز؟

- يمكن النظر إلى دخول الجامعة تصنيف مؤسسة التايمز للتعليم العالي بوصفه ثمرةً لمسارٍ مؤسسيٍّ تراكمي، تأسس على دعمٍ قيادي راسخ، ورؤية استراتيجية واضحة آمنت بأهمية جودة التعليم والبحث العلمي، والالتزام بالمعايير الدولية في الأداء الأكاديمي والمؤسسي.

وفي هذا السياق، فإنني أثمّن الأدوار التي ينهض بها أصحاب المعالي والسعادة أعضاء المؤتمر العام للجامعة، بوصفه الإطار الذي يرسم التوجهات العليا، كما أُشيد بدور مجلس أمناء الجامعة، باعتباره الجهة المعنية بترجمة تلك التوجهات إلى سياسات تنفيذية، بما مكّن الجامعة من العمل والتخطيط بعيد المدى، في إطارٍ مؤسسي يعزز فاعلية الحوكمة ويرتبط بتطلعات العمل الخليجي المشترك في التعليم العالي.

كما جاء هذا الإنجاز ثمرةً للجهود الكبيرة التي بذلها منتسبو الجامعة من الهيئتين الأكاديمية والإدارية، الذين عملوا بروح الفريق الواحد على تطوير البرامج، وتعزيز منظومة البحث العلمي، والارتقاء بجودة التعليم والخدمات الأكاديمية، في بيئة مؤسسية منظمة تقوم على الحوكمة، والعمل التشاركي، والمسؤولية المهنية.

ومن المهمّ التأكيد أن دخول التصنيف لم يكن هدفًا بحدّ ذاته، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسارٍ مؤسسيٍّ متكامل، ومؤشراً على سلامة النهج الذي تنتهجه الجامعة، ودافعاً لمواصلة البناء على ما تحقق وتعزيز حضورها الأكاديمي والبحثي على المستويين الإقليمي والدولي.

ما أهمية مدينة الملك عبدالله الطبية في الرؤية الاستراتيجية للجامعة؟

- تأتي مدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الطبية في سياقٍ يجسّد عمق العلاقة الأخوية الراسخة بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، وهي علاقة تقوم على أسس تاريخية متينة وروابط دم ومصير مشترك، حيث حرصت قيادتا البلدين، حفظها الله، عبر عقود طويلة على تعزيز هذا التكامل داخل إطار العمل الخليجي المشترك، ترجمةً لقيم التعاون والتضامن بين شعوب المنطقة.

وفي هذا الإطار، تُشكّل المدينة ركيزةً محورية في الرؤية الإستراتيجية للجامعة، إذ تمثل امتداداً عملياً لرسالتها الأكاديمية بوصفها مشروعا طبياً وأكاديمياً متكاملاً يربط بين التعليم، والتدريب السريري المتقدم، والبحث العلمي التطبيقي.

وسيسهم المشروع بإذن الله في توطين التخصصات الطبية الدقيقة، والحد من الحاجة للعلاج خارج المنطقة، إلى جانب دعم الأبحاث المرتبطة بالأمراض ذات الأولوية الخليجية، مثل أمراض القلب والسكري والأورام، بما يستجيب للاحتياجات الصحية الفعلية للمجتمعات الخليجية.

كما يُعد المشروع إضافة تنموية واقتصادية مهمة، حيث يُتوقع أن يوفر أكثر من 1000 فرصة عمل مباشرة، فضلاً عن فرص غير مباشرة، بما يعزّز دور الجامعة كعاملٍ رئيس في دعم التنمية الصحية المستدامة، ويجسّد في الوقت ذاته نموذجاً عملياً لكيف تتحول العلاقات الأخوية بين الدول إلى مشروعات تنموية ذات أثر ملموس.

واليوم، تمضي الجامعة، بحمد الله، بخطى واثقة نحو إنجاز هذا الصرح الطبّي المتكاملِ وفق أعلى مستويات الجودة، مدفوعةً بالدعم الكبير الذي حظي به المشروع من حكومة المملكة العربية السعودية، بقيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- وسمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حيث قدّمت المملكة دعماً سخياً بمبلغ مليار ريال سعودي لإنشاء المدينة.

كما حظي المشروع بدعمٍ كريم من صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة -حفظه الله- من خلال تبرّعه السخيّ بقطعة أرضٍ مساحتها مليون متر مربع، إلى جانب المتابعة الحثيثة والدعم المستمر من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- وهو ما يجسّد مستوى العناية والاهتمام الذي توليه قيادات البلدين لهذا المشروع الإستراتيجي، ويؤكّدُ عمق الشراكة والتكامل بينهما.

كلمة أخيرة في ختام هذا اللقاء؟

- في ختام هذا اللقاء، أتقدّم بخالص الشكر والتقدير لصحيفتكم الغرّاء على اهتمامها بإبراز المبادرات الأكاديمية والعلمية التي تخدم مجتمعاتنا الخليجية، وتعزّز حضور المعرفة في إعلامنا العربي.

كما أؤكد أن الجامعة ستبقى شاهداً على عمق الروابط الأخوية بين دول مجلس التعاون، وتجسيداً لفكرة العمل الخليجي المشترك القائم على التكامل والثقة، والإيمان بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان والعلم والمعرفة.

لقد تأسست الجامعة بإرادةٍ خليجيةٍ جماعية، وحملت على مدى أكثر من أربعة عقود رسالةً أكاديميةً وبحثية أسهمت في إعداد الكفاءات، ودعم مسارات البحث والابتكار، وتعزيز حضور المعرفة في خدمة مجتمعات الخليج وقضاياها التنموية، فيما تنظر اليوم إلى المستقبلِ بثقة، مستندةً إلى إرثها الراسخ، وما تملكه من خبرات علمية وشراكات أكاديمية وقدرة على مواكبة التحولات العلمية والتقنية المتسارعة.

وأخيرًا، أسألُ الله العليّ القدير أن يحفظ دول الخليج العربية وقياداتها وشعوبها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، وأن يوفّق جامعة الخليج العربي لمواصلة رسالتها، لتبقى منارةً أكاديمية لتنمية الإنسان وصناعة المستقبل.