بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

حين تفضّل سيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بإلقاء كلمته السامية لدى ترؤس جلالته اجتماع مجلس الوزراء، لم تكن الكلمة خطابًا يُتلى ثم يُطوى، ولا بيانًا يُسمع ثم يُنسى؛ بل كانت عهدًا ملكيًا يُحفظ، وسجلًا وطنيًا يُفتح عند اشتداد الخطوب، وميزانًا سياديًا تُوزن به المواقف عند اضطراب الدروب، وتزاحم الأصوات على أبواب الشعوب.

ففي كلمة جلالته اجتمع نور الحكمة بجلال الحكم، وسكون الأبوة بهيبة القيادة، ورقّة الوفاء بصلابة الإرادة؛ فإذا البيان مرفأٌ للقلوب إذا اضطربت، وحصنٌ للصفوف إذا اختُبرت، ورايةٌ للثبات إذا تزلزلت، وسراجٌ للبلاد إذا اكفهرّت، وميثاقٌ للوطن إذا عظمت، وعهدٌ للمقام الملكي إذا تكرّمت.

وقد جاءت الكلمة السامية على قدر المقام وأعلى، وعلى قدر الظرف وأسمى؛ لا اضطراب في لفظها، ولا غموض في مقصدها، ولا افتعال في بلاغتها. ابتدأت باسم الله، فكان البدء بركةً وسدادًا، ثم توجّه جلالته إلى أصحاب السمو والمعالي والسعادة، فإذا العبارة وقورة، والمعاني منثورة كالدُّر، والسيادة حاضرة في كل لفظ، والرحمة مقترنة بالحزم، والسلام موصول بالعزم، والحكمة ماضية لا تلين، والهيبة قائمة لا تميل.

وافتتح جلالته باب الكلمة بالشكر، والشكر إذا صدر من مقام الملوك لم يكن مجاملةً تمر، ولا تحيةً تعبر؛ بل هو وسام يُعلّق على صدر الوفاء، وشهادة تُثبت في سجلّ الولاء. فقد أعرب جلالته عن عميق الشكر ووافر التقدير لكل من عبّر، قولًا وفعلًا، عن مشاعر الحب الوطني لمملكة البحرين العزيزة، وساند الإجراءات الأخيرة التي اتخذت لتحصين الجبهة الداخلية، وصون وحدة الصف، وحماية مسيرة التنمية والازدهار.

وهنا صار الحب الوطني درعًا لا دعوى، والولاء عهدًا لا لفظًا، والتفاف الناس حول مليكهم برهانًا على أن مملكة البحرين إذا دعاها الواجب أجابت، وإذا ناداها ملكها حضرت، وإذا اختُبرت وحدتها ازدادت رسوخًا وبهاءً واعتزازًا.

وامتد الثناء الملكي إلى منتسبي مؤسسات الدولة، والفعاليات المجتمعية، والأدباء، والكتاب، والشعراء؛ فكان في ذلك إعلاء للكلمة الصادقة، وتكريم للقلم المستقيم، وتثبيت للموقف الشريف. فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده وإن كان عدّتها، ولا القانون وحده وإن كان ميزانها، بل يحرسها كذلك وعي لا يُخدع، ولسان لا يُباع، وقلم لا يزيغ، وضمير يعرف أن الوطن إذا سلم سلمت البيوت، وإذا عزّ عزّت النفوس، وإذا ثبت ثبتت الأجيال.

ثم تجلّى في الكلمة السامية مقام الأبوة الملكية حين ذكر جلالته المواطنين والعائلات البحرينية الكريمة، وما جسّدوه من تكاتف وولاء في أسمى صورة وأصدق سيرة. وما أرفع أن يقول الملك لشعبه إنه يبادله الوفاء، ويجدد معه عهد الذود عن الوطن الأبي؛ فذلك قول لا يقف عند ظاهر العبارة، بل ينفذ إلى صميم الرابطة بين المقام الملكي والوجدان الوطني، وبين القيادة وأهل الدار، وبين الأرض والقلوب. فالوطن في بيان جلالته ليس فقط ترابًا يُسكن، بل عهدًا يُصان؛ وليس رايةً تُرفع، بل كرامةً تُحمى؛ وليس حدودًا تُرسم، بل روحًا تُفدى.

وعندما تناول جلالته الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، جاء البيان قويًا بلا صخب، صارمًا وحاسماً بلا اضطراب. فقد أكد جلالته ما تعمدته تلك الاعتداءات من إضرار بجهود البناء والنماء، وتجاهل للمواثيق الأممية، وأحكام القانون الدولي، ومبادئ حسن الجوار. وجاء البيان الملكي عاليًا في مبناه، عادلًا في معناه، يثبت الحق بلا صخب، ويصون الحزم بلا غضب، ويجمع القوة والهيبة إلى الحكمة، والقرار إلى الوقار. وتلك هي عظمة الملك حين يجمع الحزم إلى العدل، والقوة إلى العقل، والرد إلى الرشد؛ فلا يظلم إذا قدر، ولا يبطش إذا حضر، ولا يجانب الحكمة إذا انتصر.

وفي شأن مضيق هرمز، اتسع أفق الكلمة من أمن الوطن إلى أمن العالم، فأكد جلالته ضرورة التعامل معه كممر بحري دولي، وعودة حرية الملاحة، وحماية المنطقة من مخاطر أسلحة الدمار الشامل. ثم رجّح، كعادته ونهج مملكته، كفة السلام والوئام، مؤكدًا أن الأمن الحقيقي لا يقوم إلا على دبلوماسية التفاهم، والتعايش المتحضر، وتنمية الإنسان، وتعميق الوعي بالتاريخ المشترك وروابط الجوار. وهذه حكمة الملوك الراسخين: سلام لا يلين، وحزم لا يعتدي، وقوة لا تفتن، وبصيرة لا تغفل.

ثم سمت الكلمة إلى أفقها الإيماني والتاريخي، حين أكد جلالته أن البحرين، عبر العصور والدهور، ثغر من ثغور الإسلام، وأن صونها صون لوحدة الأمة، وحمايتها حماية لبيضة الملة، وفي الذود عنها أجر عظيم، وشرف مقيم، وعهد لا يضيم. وهنا لا يكون الدفاع عن الوطن إجراءً عابرًا، بل أمانة باقية، ولا يكون حفظ الأرض شأنًا محدودًا، بل وفاءً ممدودًا، وواجبًا مشهودًا، وميثاقًا في الضمير معقودًا.

ومن ذلك المقام الرفيع، وجّه جلالته تحية فخر واعتزاز إلى قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية، قادةً وضباطًا وضباط صف وأفرادًا، لما أظهروه من رباطة جأش وكفاءة وتضحية. وما أرفع الجندي إذا أثنى عليه الملك، وما أعظم المرابط إذا ذكره جلالته؛ فذكر الملك وسام لا يصدأ، وشهادة لا تزول، ومجد لا يذبل. ثم رسم جلالته واجب المرحلة: استعدادًا دائمًا، وسيادةً مصونة، وجهدًا عربيًا منسقًا، ودولةً مدنية مستقلة القرار، راسخة الوحدة، قادرة على حماية مصلحتها العليا ومواجهة كل تدخل أو عدوان. وكان الحسم الملكي بيّنًا جليًا: من يخرج عن الصف الوطني فالقانون له بالمرصاد، ومن يتآمر على الوطن فمصيره الخسران المبين؛ فالوطن أمانة لها رجال، وحرمة لها قانون، وراية لها ملك وشعب وجند.

ولم يقف الوفاء الملكي عند حدود الكلمة السامية، بل ازداد بهاءً حين تفضّل سيدي صاحب الجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، بالتوقيع على وثيقة شكر ووفاء، بحضور أبنائه الكرام، فجاء التوقيع الملكي خاتم عهد لا أثر قلم، وسجل محبة لا صحيفة مناسبة. ثم كتب جلالته فيها بيتين من الشعر، فجمع بين هيبة الملك وجزالة الشاعر، وبين جلال الحكم وصفاء الوجدان:

زانت البحرين منكم وبكم

وتباهى عزها من عزكم

أنتم أهل الدار إخوة كلكم

للوطن درع وهذا عهدكم

وهذان البيتان ليسا شعرًا يُقال للزينة، ولا نظمًا يُستحسن للعبارة؛ بل عهدٌ يُعلّق على صدر الوطن، ووسامٌ يُوشّح به جبين الوفاء، وميثاقٌ بين المقام الملكي وأهل الدار، تُحفظ به المحبة، وتُصان به الرابطة، ويُروى به معنى الولاء في أبهى صورة وأصفى عبارة.

ففيهما بحرین تزدان بأهلها، وأهلٌ يزدانون ببحرينهم؛ عزٌّ من عزّهم، ومجدٌ من مجدهم، ودارٌ تجمعهم لا تفرّقهم، وأخوةٌ تؤلّفهم لا تبدّدهم، ودرعٌ للوطن لا يصدأ، وعهدٌ للوفاء لا يُنسى. ومن أبلغ من ملكٍ يقول لشعبه إنهم زينة البحرين وعزها، ودرع الوطن وسنده؟ ومن أكرم من حاكمٍ يجعل الوفاء نسبًا بين القلوب، والعهد رباطًا بين المقام الملكي وأهل الدار، والمحبة شاهدًا لا يغيب، وميثاقًا لا يزول؟

وهكذا جاءت الكلمة السامية، وجاءت معها وثيقة الشكر والوفاء، كأنهما جناحا معنى واحد: كلمةٌ تحصّن الوطن، ووثيقةٌ تكرّم أهله؛ بيانٌ يثبت السيادة، وشعرٌ يخلّد المحبة؛ حزمٌ في وجه العدوان، ووفاءٌ لأهل البحرين. فبقيت مملكة البحرين بملكها وشعبها ورجالها ثغرًا عزيزًا لا يُخترق، ودار سلام لا تضطرب، وراية مجد لا تنحني، ووطنًا أبيًّا لا يلين؛ وحين تفضّل ملكها بالبيان أشرق الزمان، وحين شكر شعبه ازدان الوجدان، وحين عاهد وطنه شهدت القلوب قبل اللسان، وبقي المقام الملكي موئل عهدٍ لا يُنقض، ومصدر مجدٍ لا ينقضي، وسراج دولةٍ لا ينكسر فخرها، ولا يضعف سورها، ولا يخبو نورها.