سند جمال سند

لو سألت مجموعة من الأطفال أو المراهقين اليوم عن الشخص الذي يتمنون أن يصبحوا مثله في المستقبل، فربما ستفاجأ بأن كثيراً منهم سيذكر اسم أحد مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يذكر عالماً أو طبيباً أو معلماً أو حتى رياضياً حقق إنجازات حقيقية لوطنه.

هذه ليست مشكلة أفراد، بل ظاهرة تستحق التوقف عندها. فخلال السنوات الأخيرة تغيّرت معايير النجاح في نظر الكثيرين، وأصبح عدد المتابعين لدى البعض أكثر أهمية من حجم الإنجاز، وأصبحت الشهرة في بعض الأحيان هدفاً بحد ذاتها، لا نتيجة طبيعية للعمل والاجتهاد والتميز.

لا أحد ينكر أهمية منصات التواصل الاجتماعي ودورها في فتح آفاق جديدة للإبداع والتأثير والتواصل، لكنها في الوقت نفسه خلقت واقعاً جديداً جعل البعض يعتقد أن الظهور المستمر هو النجاح، وأن الانتشار السريع هو الإنجاز، بينما الحقيقة أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهدات، بل بحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.

المجتمعات لا تُبنى بالمشاهير وحدهم، بل تُبنى بالقدوات. فالقدوة هي من تلهم الآخرين بالعلم والعمل والالتزام والعطاء، وهي من تترك بصمة تبقى حتى بعد سنوات طويلة. أما الشهرة فقد تأتي بسرعة، لكنها قد ترحل بالسرعة نفسها إذا لم تستند إلى قيمة حقيقية أو رسالة هادفة.

وفي البحرين، كما في كثير من الدول، نمتلك نماذج مشرّفة تستحق أن تكون في دائرة الضوء. لدينا علماء وباحثون ومبتكرون ورياضيون ومتطوعون وأصحاب مبادرات إنسانية يحققون إنجازات تستحق التقدير والاحتفاء. هؤلاء لا يصنعون ضجيجاً على الشاشات بقدر ما يصنعون فرقاً حقيقياً على أرض الواقع.

وهنا يأتي دور الإعلام، ليس فقط في نقل الخبر، بل في صناعة الوعي. فالإعلام المسؤول لا يكتفي بملاحقة «الترندات»، بل يسلط الضوء على النماذج التي تستحق أن يقتدي بها المجتمع، ويمنحها المساحة التي تليق بما تقدمه من عطاء وإنجاز.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في كثرة المشاهير، بل في قلة القدوات الظاهرة أمام الأجيال الجديدة. لذلك نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح، وأن نُعلّم أبناءنا أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بما يقدمه لوطنه ومجتمعه، وبما يتركه من أثر إيجابي في حياة الآخرين.

فالمشاهير قد يجذبون الانتباه، أما القدوات فهم من يصنعون المستقبل. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا باستمرار: من يقود أبناءنا اليوم؟ ومن نريد؟.