• - صعوبات التعلم تُعد من أكثر القضايا التربوية حساسية وتأثيراً
  • - صعوبات التعلم ترتبط بـ«الإعاقة الخفية» التي لا تظهر بشكل واضح
  • - من أبرز الصعوبات عسر القراءة وعسر الكتابة وعسر الحساب
  • - التحدي الحقيقي يكمن في وجود فجوة بين قدرات الطالب الحقيقية ومستواه الأكاديمي
  • - الأمر يتطلب تشخيصاً مهنياً دقيقاً بعيداً عن التسرع أو إطلاق الأحكام العامة
  • - التكنولوجيا المساندة أصبحت جزءاً أساسياً من العملية التعليمية
  • - الأسرة شريك أساسي في رحلة الدعم من خلال توفير بيئة مستقرة وتشجيعية

أكد خبير واستشاري التربية الخاصة ومدير مركز «معاً» للتربية الخاصة د. أسامة مدبولي أن اليوم العالمي لصعوبات التعلم 2026، الذي يتزامن مع اليوم الخليجي لصعوبات التعلم، يحمل هذا العام رسالة تتجاوز حدود التوعية التقليدية، عبر شعار «من التشخيص إلى التمكين»، والذي يعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى الطلبة ذوي صعوبات التعلم، من التركيز على اكتشاف المشكلة فقط إلى بناء القدرات وتعزيز فرص النجاح والاستقلالية.

وأوضح د. مدبولي، في تصريح لـ«الوطن»، أن صعوبات التعلم تُعد من أكثر القضايا التربوية حساسية وتأثيراً، كونها ترتبط بما يسمى «الإعاقة الخفية»، التي لا تظهر بشكل واضح، لكنها تنعكس بصورة مباشرة على التحصيل الأكاديمي والحالة النفسية والاجتماعية للطالب، مشدداً على أن هذه الصعوبات لا تعني ضعف الذكاء، بل إن كثيراً من الطلبة يمتلكون قدرات عقلية طبيعية أو متميزة، إلا أنهم يواجهون تحديات محددة في مهارات القراءة أو الكتابة أو الحساب.

وبيّن أن من أبرز هذه الصعوبات عسر القراءة، الذي يؤثر على قدرة الطالب في فهم النصوص وفك الرموز اللغوية، إلى جانب عسر الكتابة المرتبط بالتعبير الكتابي وتنظيم الأفكار، وعسر الحساب المتعلق بفهم الأرقام والعمليات الرياضية، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في وجود فجوة بين قدرات الطالب الحقيقية ومستواه الأكاديمي، ما يتطلب تشخيصاً مهنياً دقيقاً بعيداً عن التسرع أو إطلاق الأحكام العامة.

وأشار إلى أن عام 2026 شهد توسعاً ملحوظاً في توظيف التقنيات الحديثة وأدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات التقييم الأولي، بهدف الوصول إلى تشخيص أكثر دقة وتقليل احتمالات الخلط بين صعوبات التعلم واضطرابات أخرى، موضحاً أن التشخيص وحده لا يكفي ما لم يتبعه برنامج متكامل للتمكين.

وأضاف أن مفهوم التمكين يتمثل في تزويد الطالب بالمهارات المناسبة، وتوفير الأدوات التعليمية التي تتوافق مع أسلوب تعلمه، إلى جانب تعزيز ثقته بنفسه وتشجيعه على الاستقلالية واتخاذ القرار، مؤكداً أن تطوير المناهج وأساليب التقييم بات ضرورة ملحة حتى تصبح أكثر مرونة ومراعاة للفروق الفردية بين الطلبة.

ولفت مدبولي إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تطوراً كبيراً في أساليب التدريس الموجهة لذوي صعوبات التعلم، ومن أبرزها التعلم متعدد الحواس، والتدريس المتمايز، والتصميم الشامل للتعلم، بالإضافة إلى الاعتماد على الوسائل البصرية كالخرائط الذهنية والرسوم التوضيحية لتبسيط المفاهيم وتعزيز الفهم.

وأوضح أن التكنولوجيا المساندة أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، عبر برامج تحويل النصوص إلى صوت، والتطبيقات المخصصة لتنظيم الوقت، والكتب التفاعلية التي تمنح الطالب قدرة أكبر على التحكم بطريقة عرض المحتوى بما يناسب احتياجاته.

وأكد أن الجانب النفسي يمثل أحد أهم محاور الدعم، خاصة أن الطالب الذي يواجه صعوبات متكررة في التعلم قد يعاني الإحباط وفقدان الثقة بالنفس إذا لم يجد بيئة داعمة ومتفهّمة، مشيراً إلى أهمية بناء مدارس خالية من التنمر، قائمة على تقبل الاختلاف وتعزيز المهارات الاجتماعية والذكاء العاطفي.

وشدد على أن الأسرة تُعد الشريك الأول في رحلة الدعم، من خلال توفير بيئة مستقرة وتشجيعية، والتركيز على الجهد المبذول بدلاً من النتائج فقط، إلى جانب التواصل المستمر مع المدرسة، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين مستوى الطفل وتعزيز دافعيته.

ودعا مدبولي إلى مواصلة تطوير السياسات التعليمية بما يضمن العدالة التعليمية لجميع الطلبة، عبر تدريب المعلمين على أحدث الاستراتيجيات التربوية، وتوفير التقنيات المساندة داخل الصفوف، وتطوير غرف المصادر، وتعزيز مفهوم الدمج التعليمي، بحيث تصبح المدرسة بيئة تستوعب الجميع دون استثناء.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن اليوم العالمي لصعوبات التعلم يمثل فرصة حقيقية لإعادة النظر في أساليب التعليم والتعامل مع الفروق الفردية، مشيراً إلى أن كثيراً من الطلبة الذين وُصفوا يوماً بأنهم ضعفاء دراسياً استطاعوا تحقيق نجاحات لافتة عندما وجدوا البيئة التعليمية المناسبة، مضيفاً أن «الانتقال الحقيقي من التشخيص إلى التمكين لا يغير مستقبل طالب واحد فقط، بل يسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وعدالة وقدرة على تحويل التحديات إلى قصص نجاح».