سماهر سيف اليزل

لم يعد الذكاء الاصطناعي في البحرين مجرد تقنية ناشئة أو تخصص أكاديمي محدود، بل تحول إلى أحد أبرز محركات التنمية وبناء الاقتصاد المعرفي القائم على الابتكار.

وخلال سنوات قليلة، رسخت المملكة مكانتها إقليمياً في تعليم تقنيات الذكاء الاصطناعي، عبر إطلاق أول أكاديمية متخصصة في هذا المجال منذ عام 2019، وتوسيع البرامج الأكاديمية والتخصصات النوعية، وصولاً إلى طرح برامج ماجستير متقدمة تستهدف إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة التحول الرقمي.

وتمضي البحرين نحو تحقيق هدف طموح يتمثل في تأهيل 50 ألف بحريني في تقنيات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، بالتوازي مع دمج تطبيقاته في المناهج الدراسية والتقييم الأكاديمي بمؤسسات التعليم العالي، وتعزيز ارتباط الطلبة بالواقع العملي من خلال برامج وطنية مثل «مواهب الذكاء الاصطناعي» الذي يتيح لهم العمل على مشاريع تقنية حقيقية.

وخلال السنوات الأخيرة، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه مجالاً تقنياً متخصصاً إلى محور رئيسي في الخطط التعليمية والتدريبية، سواء على مستوى المدارس أو الجامعات أو برامج إعداد الكفاءات الوطنية.

وشكّل إطلاق أول أكاديمية متخصصة للذكاء الاصطناعي في البحرين عام 2019 محطة مفصلية في مسيرة تطوير التعليم التقني بالمملكة، حيث أطلق «تمكين» بالتعاون مع «بوليتكنك البحرين» وشركة مايكروسوفت أكاديمية الذكاء الاصطناعي، بهدف إعداد جيل من الطلبة والمعلمين يمتلك المهارات اللازمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات وتعلم الآلة.

واستهدفت الأكاديمية في مراحلها الأولى تدريب طلبة المدارس والجامعات إلى جانب المعلمين، من خلال برامج عملية متخصصة ومشاريع تطبيقية واقعية، الأمر الذي أسهم في نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي بين الشباب البحريني وإعداد كوادر قادرة على مواكبة التحولات الرقمية العالمية.

وقال رئيس المجموعة العالمية للذكاء الاصطناعي د. جاسم حاجي إن ما تشهده مملكة البحرين من تطور في مجال تعليم الذكاء الاصطناعي يعكس فهماً متقدماً لطبيعة التحول الذي يشهده العالم اليوم، فالمنافسة العالمية لم تعد تعتمد فقط على البنية التحتية أو الموارد التقليدية، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القدرة على إنتاج المعرفة وتطوير الكفاءات القادرة على التعامل مع التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن التركيز على تعليم الذكاء الاصطناعي يُعد استثماراً طويل الأمد، لأنه لا يقتصر على استخدام الأدوات الذكية، بل يشمل فهم البيانات والخوارزميات وتعلم الآلة والنماذج اللغوية الكبيرة وآليات تصميم وتقييم الأنظمة الذكية.

كما أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) أحدث نقلة نوعية في إنتاج المحتوى وتحليل المعلومات ودعم اتخاذ القرار، ما جعل مهارات صياغة الأوامر وفهم قدرات النماذج وحدودها وتوظيفها بشكل مسؤول من المهارات الأساسية في بيئات العمل الحديثة.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة آل محمود العالمية للاستشارات نبيل آل محمود إن «تجربة مملكة البحرين في مجال الذكاء الاصطناعي شكّلت نموذجاً متقدماً للتحول نحو الاقتصاد المعرفي بما يتناسب مع احتياجاتها المرحلية والمستقبلية، حيث نجحت المملكة في خلق بيئة داعمة للابتكار تقوم على الاستثمار في رأس المال البشري والتقنيات الحديثة والبنى الرقمية المتطورة.

ولم يعد الذكاء الاصطناعي في البحرين ترفاً أو مجرد توجه تقني، بل غدا جزءاً من رؤية وطنية تستهدف تعزيز التنافسية ورفع كفاءة القطاعات الاقتصادية المختلفة».

وأضاف: «في قطاع التعليم والتدريب، تشهد البحرين تحولاً ملموساً في دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج والبرامج الأكاديمية والتدريبية والإرشادية، بما يسهم في إعداد أجيال قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل وسوق العمل الرقمي.

كما أسهمت المبادرات الوطنية والشراكات مع المؤسسات الأكاديمية والتقنية في ترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي لتعليم الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات الرقمية المتقدمة».

وأكد أن هذا التوجّه يُثبت أن البحرين لا تكتفي بتبنّي التقنيات الحديثة، بل تعمل على توظيفها بشكل استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الابتكار والإنتاجية.

ومن خلال هذا النهج المتكامل، تواصل المملكة تعزيز موقعها بين الدول الرائدة إقليمياً في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة التعليم والاقتصاد والمجتمع.