خلق الله الإنسان وله طبيعتان الخير والشر، وله إرادةٌ لفعل الخير ولارتكاب الشر، ووضع الخالق -سبحانه- للمسلم قوانين وضوابط تضبط أفعاله وأقواله، وجعل عليها الحساب من ثواب وعقاب، لينضبط المسلم على الأخلاق في الأقوال والأفعال، فيكون داعية بخلقه بين الناس، قال رسول الله ﷺ (إنَّ من أحبِّكم إليَّ، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنَكم أخلاقًا) وفي رواية (ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقاً).

فهذا الحديث الشريف يُعَدُّ من أعظم الأحاديث النبوية التي تحث على مكارم الأخلاق، ويبين منزلة صاحب الخلق الحسن العظيمة ومحبته عند النبي ﷺ. وقد جعل الإسلامُ التقوى هي معيار التفاضل بين الناس قال ﷺ (لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى، النَّاسُ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ)، وأمر الله المسلمين بالأخوة والمساندة والمشاركة في جميع أحوالهم، قال ﷺ (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)، وجعل الإسلام المؤمنين كالجسد الواحد، قال ﷺ (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)، فلا يصح بعد ذلك أن تطول الخصومة والعداوة والشحناء والبغضاء بين المسلم وأخيه المسلم، قال ﷺ (تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الإثنينِ ويومَ الخميسِ، فيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شَحْنَاءُ، فيقالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا) رواه مسلم.

فلا تسمحوا للشيطان أن ينزغ بينكم، ويجعل بين أحدكم العداوة والبغضاء، فليتنازل الواحد لأخيه عن طيب نفس منه (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ولا تجعلوا للشيطان حظا بينكم، قال ﷺ (إنَّ الشَّيطانَ قد أيِسَ أن يَعبُدَه المُصَلُّونَ في جَزيرةِ العَرَبِ، ولَكِن في التَّحريشِ بينَهم) ففي هذا الحديثِ بيانٌ أنَّ الشَّيطانَ قد أَيِسَ أنْ يَعبُدَه المصلُّونَ في جَزيرةِ العَربِ؛ فإنَّه لا يَجتمِعُ في العَبدِ الصَّلاةُ وعِبادةُ الشَّيطانِ، وقَد يَئِسَ الشَّيطانُ مِن أَهلِ الإيمانِ أن يَعبُدوه لَمَّا رَأى كَثرَتَهم وَانتشارَهُم في البِلادِ فأَيِسَ أنْ يَنْتَكِسَ الأَمْرُ، ويَعودَ كَما كان النَّاسُ مِنْ قَبلُ لِعِبادةِ الأَصنامِ، ويُستَبدَلُ دِينُ الإسلامِ، ويُهدَمُ منَ الأَساسِ، ويَستَمِرُّ الشِّركُ ويَظهَرُ، ولكِنْ في التَّحريشِ بَينَهم، أي: إنَّه لم يَيْأسْ منَ التَّحريشِ بَينهم، والمعنى أنَّه يُوقعُ بَينهُمُ الخُصوماتِ والشَّحناءَ، والحُروبَ والفِتَنَ ونَحوَها. نعوذ بالله من الشيطان وشركه وعمله.

ولنجعل الأنبياء -عليهم السلام- قدوة لنا، فهذا يوسف -عليه السلام- فعل به إخوته ما لا يفعله أخ لأخيه، فألقوه في الجب، وكانوا يريدون قتله، ثم لما صار عزيز مصر لم يعاقب إخوته، بل لم يعاتبهم وقال: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) معنى "نزغ الشيطان" النزغ هو الفساد والتحريش والوسوسة والدفع نحو الشر. والمقصود أن الشيطان أفسد ما بين يوسف وإخوته، وألقى بينهم الحسد والعداوة، ومن أدب يوسف -عليه السلام- أنه نسب الخلاف والشر للشيطان، ولم ينسبه لإخوته مباشرة، وهذا يدل على كمال أخلاقه، وكرم نفسه، وعفوه عنهم، وستر الخطأ.

وهذا رسولنا الكريم ذو الخلق القويم ﷺ حاصره قومه، وطردوه وحاربوه وقتلوا أصحابه وشجوا وجهه، وكسروا رباعيته ومنعوه من العمرة فلما فتح مكة، وتمكن منهم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء لا تثريب عليكم اليوم.

فأين نحن من أخلاق الأنبياء؟ يغضب الواحد منا على كلمة أو نظرة أو همسة، ويقدم الظن السيئ، ولا يجعل لأخيه المسلم العذر، ويصيح ويشتم ويرفع صوته بما لا يليق ويخاصم ويفجر في الخصومة، وكل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل حظ نفسه أو أن يظهر بمظهر القوي المتسلط الذي لا يقدر أحد على كسره أو تغيير رأيه، وهذا والله تكبر يحبط العمل فليتقِ المسلم ربه، ويخاف يوم لقائه أن يحاسبه على أقواله وأفعاله وتصرفاته مع إخوانه، وليتصف بصفات أهل الجنة الذين قال الله فيهم (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) صفوا نياتكم وتوبوا إلى بارئكم وتصالحوا مع إخوانكم واكسروا حظ النفس، ونزغ الشيطان وأكثروا ممن يدعو لكم بعد موتكم ويستغفر لكم، فالدنيا دار ابتلاء وممر والآخرة دار نعيم ومستقر لمن تاب وآمن، وعمل صالحاً ثم اهتدى.

الشيخ رائد فؤاد عبيد