وليد صبري
قال الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي سماحة العلامة د. السيد محمد علي الحسيني إن «مملكة البحرين تقدم نموذجاً رائداً في إحياء ذكرى عاشوراء، يجمع بين حفظ الشعائر الدينية واحترام النظام العام، ويعزز الوحدة الوطنية والمحبة والتسامح»، مؤكداً أن «المناسبة تسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعايش والمواطنة، وتعكس ما توفره المملكة من تسهيلات لإحياء الشعائر بما يجسد احترام الحريات الدينية والخصوصيات المذهبية، ويبرهن أن التنوع في البحرين يمثل مصدر قوة ووحدة بصيانة الحقوق واحترام الخصوصيات».
وأضاف في حوار خص به «الوطن» بمناسبة ذكرى عاشوراء أن «استثمار هذه المناسبة في نشر المعرفة وترسيخ الاعتدال والتسامح يعزز استقرار المجتمع، مشيراً إلى أن البحرين تقدم تجربة فريدة في إدارة التنوع الديني والثقافي خلال موسم عاشوراء، وأن المجالس والفعاليات العاشورائية تشكل منصات لنشر الوعي وبناء الشخصية المتوازنة وتعزيز المسؤولية»، لافتاً إلى أن «عاشوراء رسالة متجددة لترسيخ العدالة والكرامة الإنسانية والإصلاح المجتمعي».
وأشار إلى أن «الرعاية الرسمية والتعاون الوثيق بين الجهات المعنية والمآتم يضمنان إحياء عاشوراء في أجواء منظمة وآمنة»، مبيناً أن «انفتاح المآتم على مختلف الطوائف والمذاهب والقوميات يجسد روح المحبة والاحترام المتبادل، وأن الالتزام بالقوانين والتعليمات يحافظ على روح المناسبة، ويمنع استغلالها أو إخراجها عن مقاصدها».
وأكد سماحة العلامة د. السيد الحسيني أن «عاشوراء تمثل فرصة لترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والإصلاح ونبذ التطرف واحترام الإنسان، وأن مراسمها ينبغي أن تعزز السلم الأهلي والتراحم والتكافل بعيداً عن التحريض وإثارة النعرات، مع رفض استغلالها لتحقيق أجندات سياسية أو حزبية أو فئوية خارجية مشبوهة».
وشدد على أن «إثارة النعرات المذهبية والطائفية لا تخدم إلا أعداء الأمة والمتربصين بأمنها واستقرارها، وأن احترام الأنظمة والقوانين ونبذ الفتن والشائعات وخطابات الكراهية يجسد الوفاء الحقيقي لنهج الإمام الحسين، وأن قوة المجتمعات تنبع من رصيدها القيمي وقدرتها على مواجهة التحديات بروح المسؤولية والوعي». وإلى نص الحوار:
كيف تنظرون إلى ذكرى عاشوراء في العصر الحاضر؟
- عاشوراء ليست مجرد مناسبة تاريخية تُستذكر كل عام، بل هي محطة روحية وثقافية متجددة تتيح للإنسان استعادة القيم والمعاني الإنسانية التي يحتاجها في حياته اليومية، خاصة في ظل التحديات الثقافية والنزعات المادية المتزايدة.
لماذا تعد القيم الإنسانية ضرورة للمجتمعات المعاصرة؟
- لأن المجتمعات لا تُبنى بالإنجازات المادية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة أخلاقية توجه السلوك وتحدد الأولويات. فالقيم تمنح الإنسان التوازن والاستقرار، وتعزز روح المسؤولية والالتزام والإصلاح.
ما العلاقة بين الإيمان والقيم في حياة الإنسان؟
- الإيمان الحقيقي لا يقتصر على الشعائر والعبادات، بل ينعكس في السلوك العملي من خلال احترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والوفاء بالواجبات، والعمل من أجل الخير والصالح العام.
ما أهمية القدوات الصالحة في بناء الأجيال؟
- القدوات تقدم نماذج عملية للقيم النبيلة، وتمنح الأجيال معايير واضحة للاقتداء، الأمر الذي يساعد على ترسيخ المبادئ الأخلاقية وتحويلها إلى سلوك وممارسة يومية.
ما أبرز التحديات التي تواجه المنظومة القيمية اليوم؟
- من أبرزها تسارع التغيرات الثقافية، وانتشار النزعات الفردية والمادية، وما يترتب على ذلك من ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية وتراجع الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع.
ما الرسالة التي تحملها عاشوراء للأجيال المعاصرة؟
- تحمل عاشوراء رسالة مستمرة تؤكد معاني العدالة والكرامة الإنسانية والثبات على المبادئ والإصلاح المجتمعي، وهي قيم لا ترتبط بزمن معين بل تبقى صالحة لكل عصر.
كيف يمكن استثمار موسم عاشوراء بصورة إيجابية؟
- من خلال تحويله إلى فرصة لتعزيز الوعي ونشر المعرفة وترسيخ ثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش، إضافة إلى إحياء قيم التضحية والإيثار وخدمة المجتمع.
ما الهدف الأهم الذي ينبغي التركيز عليه خلال هذه المناسبة؟
- بناء الإنسان وتطوير الذات وترسيخ القيم الأخلاقية، لأن قوة المجتمعات الحقيقية تنبع من رصيدها القيمي وقدرتها على مواجهة الأزمات والتحديات بروح المسؤولية والوعي.
ما الذي تمثله ذكرى عاشوراء للمسلمين؟
- تمثل ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) مناسبة إسلامية ذات مكانة خاصة، لما تحمله من معانٍ إنسانية وأخلاقية ترتبط بالعدالة والكرامة والثبات على المبادئ.
ما الذي يميز إحياء عاشوراء في مملكة البحرين؟
- تتميز البحرين بتجربة فريدة في إدارة التنوع الديني والثقافي، حيث تحظى المناسبة برعاية واهتمام رسمي وتعاون وثيق بين الجهات المعنية والمآتم والهيئات الدينية بما يضمن إحياء الشعائر في أجواء منظمة وآمنة.
كيف تنعكس رعاية الدولة لهذه المناسبة؟
- من خلال توفير التسهيلات والخدمات اللازمة، ودعم مختلف الأنشطة المرتبطة بالمناسبة، بما يعكس احترام الحريات الدينية والخصوصيات الثقافية والمذهبية لمكونات المجتمع البحريني.
هل يقتصر إحياء عاشوراء في البحرين على الجانب الشعائري؟
- لا، فالمناسبة تشكل فرصة لاستحضار القيم التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي مقدمتها الاعتدال والوسطية والإصلاح ونبذ التطرف واحترام الإنسان.
ما أثر عاشوراء على السلم الأهلي والتعايش الوطني؟
- تسهم المناسبة في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح وترسيخ قيم التعايش بين مختلف مكونات المجتمع، بما يدعم الاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية.
ما أبرز المشاهد التي تميز موسم عاشوراء في البحرين؟
- من أبرزها انفتاح المآتم على مختلف فئات المجتمع واستقبال الزوار من مختلف الطوائف والمذاهب والقوميات، بما يعكس روح المحبة والاحترام المتبادل بين أبناء المجتمع البحريني.
كيف يتم الحفاظ على روح المناسبة وأهدافها؟
- من خلال الالتزام بالقوانين والأنظمة والتعليمات المنظمة للفعاليات، والحرص على عدم استغلال المناسبة أو إخراجها عن مقاصدها الدينية والأخلاقية.
ماذا تؤكد تجربة البحرين في إحياء عاشوراء؟
- تؤكد أن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة ووحدة عندما تُصان الحقوق، وتُحترم الخصوصيات وتُعزز قيم المواطنة والتعايش.
كيف يمكن توصيف النموذج البحريني في إحياء عاشوراء؟
- هو نموذج يجمع بين المحافظة على الشعائر الدينية واحترام النظام العام وتعزيز الوحدة الوطنية، ويجسد قيم المحبة والسلام والتسامح التي تحملها رسالة الإمام الحسين (عليه السلام).
عاشوراء تكشف عند قراءتها بوعي ومسؤولية، عن مجموعة من المبادئ الإنسانية التي تبقى صالحة لكل زمان ومكان.. ما رأيكم في ذلك؟
- تمثل عاشوراء واحدة من أبرز المحطات التي تستوقف وجدان المسلمين كل عام، ليس بوصفها ذكرى تاريخية فحسب، بل باعتبارها مناسبة متجددة للتأمل في المعاني الكبرى التي صنعتها أحداثها ورسختها في الوعي الإنساني. فقراءة عاشوراء بوعي تتجاوز حدود استحضار الوقائع والأحداث إلى فهم الرسائل العميقة التي تحملها للأفراد والمجتمعات في مختلف الأزمنة.
إن القيمة الحقيقية لعاشوراء لا تكمن في استذكار الماضي فقط، وإنما في القدرة على استلهام الدروس التي تساعد الإنسان على مواجهة تحديات الحاضر وبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً. فالأمم التي تحافظ على ذاكرتها التاريخية، وتستخلص منها العبر تمتلك قدرة أكبر على تصحيح مساراتها وتعزيز وحدتها وترسيخ منظومة القيم التي تحميها من الانحراف والتفكك.
وتكشف عاشوراء، عند قراءتها بوعي ومسؤولية، عن مجموعة من المبادئ الإنسانية التي تبقى صالحة لكل زمان ومكان، وفي مقدمتها قيمة الثبات على المبدأ، والالتزام بالحق، ورفض الظلم، وتحمل المسؤولية مهما كانت التحديات.
كما تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه، من خلال بناء الوعي وتعزيز الأخلاق وترسيخ روح المسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع والوطن.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وصراعات فكرية وثقافية متزايدة، تبرز الحاجة إلى قراءة متوازنة لعاشوراء تركز على أبعادها الحضارية والإنسانية.
فالمجتمعات لا تحتاج إلى استحضار الخلافات والانقسامات بقدر حاجتها إلى استلهام القيم المشتركة التي تعزز التماسك الاجتماعي، وتدعم ثقافة الحوار والتعايش والاحترام المتبادل. ومن هنا تصبح عاشوراء فرصة لتجديد الالتزام بالقيم التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.
إن الوعي الحقيقي بعاشوراء يدفع الإنسان إلى مراجعة سلوكه ومواقفه وأولوياته، ويجعله أكثر إدراكاً لأهمية الصدق والأمانة والإخلاص والعمل من أجل الخير العام. كما يرسخ مفهوم التضحية الواعية التي لا تقوم على الانفعال المؤقت، بل على الالتزام المستمر بخدمة المجتمع والمساهمة في نهضته واستقراره.
ومن المهم أن تتحول برامج عاشوراء ومجالسها وفعالياتها إلى منصات لنشر المعرفة وتعزيز الوعي وبناء الشخصية المتوازنة، بحيث تسهم في تنمية التفكير المسؤول وتحصين الأجيال من الأفكار المتطرفة أو النزعات السلبية التي تهدد استقرار المجتمعات. فكل مناسبة دينية أو ثقافية تكتسب قيمتها الحقيقية بقدر ما تنتج من أثر إيجابي في سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين.
إن قراءة عاشوراء بوعي تعني الانتقال من مجرد استحضار الحدث إلى استيعاب رسالته، ومن التفاعل العاطفي المؤقت إلى البناء الفكري والأخلاقي المستدام. وعندما تتحول هذه الذكرى إلى مشروع متجدد لتعزيز القيم وترسيخ الوعي وتنمية المسؤولية، فإنها تؤدي دورها الحقيقي في بناء الإنسان القادر على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر عدلاً وكرامة واستقراراً.
عاشوراء.. محطة سنوية لتجديد القيم وبناء الإنسان.. كيف ترون ذلك؟
- تأتي ذكرى عاشوراء كل عام لتشكل محطة روحية وثقافية تتجاوز حدود المناسبة التاريخية، لتتحول إلى فرصة متجددة لاستحضار المعاني الإنسانية الكبرى التي يحتاجها الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية. ففي زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية، وتتزايد فيه النزعات المادية، تبرز الحاجة إلى منظومة قيمية راسخة تحفظ للإنسان توازنه الأخلاقي، وتمنحه القدرة على مواجهة التحديات المختلفة.
إن المجتمعات لا تبنى بالإنجازات المادية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة من المبادئ والقيم التي توجه السلوك وتحدد الأولويات.
فالإيمان الحقيقي لا يقتصر على الممارسات والشعائر، بل ينعكس في تحمل المسؤولية واحترام الآخر والالتزام بالواجبات والسعي إلى الخير والإصلاح. ومن هنا تبرز أهمية القدوات الصالحة التي تقدم نماذج عملية للقيم النبيلة، وتمنح الأجيال معايير واضحة للاقتداء والاهتداء.
وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة، باتت الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية أمام مسؤولية كبيرة في حماية المنظومة الأخلاقية من التراجع أو التآكل.
فضعف القيم ينعكس بصورة مباشرة على تماسك الأسرة واستقرار المجتمع، ويؤدي إلى انتشار مظاهر الأنانية والتفكك الاجتماعي وفقدان الشعور بالمسؤولية العامة. ولذلك فإن تعزيز ثقافة القيم ليس مهمة موسمية أو ظرفية، بل هو مشروع دائم يحتاج إلى جهد متواصل ومشاركة جماعية.
وتحمل عاشوراء في هذا السياق رسالة متجددة تتجاوز حدود الحزن واستذكار الأحداث التاريخية، لتؤكد معاني العدالة والكرامة الإنسانية والثبات على المبادئ والإصلاح المجتمعي.
فالقضية التي مثلها الإمام الحسين بن علي -عليه السلام- لم تكن قضية ظرفية مرتبطة بزمن معين، بل كانت دعوة مستمرة إلى مواجهة الظلم والانحراف والتمسك بالحق مهما بلغت التحديات.
ومن هنا يمكن النظر إلى موسم عاشوراء باعتباره مدرسة تربوية وثقافية متكاملة، تسهم في تنمية الوعي وتعزيز روح المسؤولية وإحياء قيم التضحية والإيثار وخدمة المجتمع.
كما تشكل المجالس والبرامج والأنشطة المصاحبة للمناسبة فرصة مهمة لنشر المعرفة وتعميق الفهم الصحيح للدين وترسيخ ثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش.
إن استثمار هذه المناسبة في بناء الإنسان وتطوير الذات يعد من أهم الأهداف التي ينبغي التركيز عليها، لأن المجتمعات القوية هي تلك التي تمتلك رصيداً أخلاقياً وقيمياً يحصن أبناءها، ويمنحهم القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات.
وعاشوراء بما تحمله من دروس وعبر تبقى مناسبة حية ومتجددة لاستعادة روح القيم الإنسانية وترسيخها في الواقع والسلوك، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً وقدرة على صناعة مستقبل أفضل.
ما أبرز المعاني العظيمة والسامية التي نستحضرها في ذكرى عاشوراء؟
- في ذكرى عاشوراء نستحضر معاني التسامح والثبات على نهج الوسطية والاعتدال، ونستذكر مدرسة أخلاقية وإنسانية عظيمة أرادها الإمام الحسين منارة للإصلاح والسلام وصون كرامة الإنسان.
ومن أهم الدروس التي ينبغي استلهامها في هذه المناسبة تعزيز قيم الوحدة الوطنية والتعايش بين أبناء المجتمع الواحد وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والتعاون لما فيه خير الأوطان واستقرارها.
فالأوطان أمانة في أعناق أبنائها وحمايتها والمحافظة على أمنها واستقرارها واجب شرعي ووطني وأخلاقي لا يقبل التهاون كما تقتضي المسؤولية الدينية والوطنية أن تكون مراسم إحياء عاشوراء مناسبة لتعزيز السلم الأهلي والتراحم والتكافل الاجتماعي بعيداً عن كل أشكال التحريض والانقسام وإثارة النعرات المذهبية والطائفية التي لا تخدم إلا أعداء الأمة والمتربصين بأمنها واستقرارها.
ومن الضروري التأكيد على رفض استغلال هذه المناسبة العظيمة لتحقيق أجندات سياسية أو حزبية أو فئوية خارجية مشبوهة أو توظيف المشاعر الدينية في صراعات لا تمت إلى أهداف الإمام الحسين وقيمه بصلة.
فالحسين -عليه السلام- كان رمزاً للإصلاح وجمع الكلمة والدفاع عن الحق وصون كرامة الإنسان، ولم يكن مشروعه سبباً للفرقة أو الاحتراب بين أبناء الأمة.
إن الوفاء الحقيقي لنهج الإمام الحسين يكون بالتمسك بالأخلاق والقيم والمبادئ التي ضحى من أجلها والعمل على بناء مجتمعات قوية ومتماسكة والدفاع عن الأوطان واحترام الأنظمة والقوانين وتعزيز روح المواطن الصالحة ونبذ الفتن والشائعات وخطابات الكراهية.
نسأل الله تعالى أن يجعل ذكرى عاشوراء مناسبة لترسيخ المحبة والوئام والتآخي بين أبناء الأمة، وأن يحفظ أوطاننا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفق ولاة أمرنا والجميع لما فيه الخير والأمن والاستقرار.