عبدالله صويلح

منذ ولادتي وأنا أنتمي إلى هذه الأرض الطيبة التي لا أرى لها مثيلاً في الأمن والاستقرار والمحبة، على ترابها نشأت، وبين ربوعها عشت طفولتي التي ستظل راسخة في ذاكرتي ما حييت، فهي الأرض التي لا يساوي ترابها كنوز الدنيا، ولا تقارن بأي أرض أخرى مهما بلغت مكانتها، إنها الوطن الذي أفديه بروحي حفاظاً عليه، والأرض التي احتضنت الجميع تحت مظلة التسامح والتعايش، دون تفرقة بين دين أو عرق، يجمعهم الاحترام والمحبة ووحدة المصير، وقد جسدت البحرين هذا النهج الإنساني الرفيع في صورة حضارية مشرقة، مصداقاً لقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

ولا أرغب في مقارنة بلادي بأي بلد آخر، غير أن يقيني راسخ بأن البحرين تحمل خصوصية لا تشبه سواها، ففيها ترعرعت، وتعلمت، وعملت، وما زلت أشعر أنني لم أوفها حقها مهما قدمت، هذا الوطن لم يكن مجرد اسم في وثيقة أو هوية نحملها، بل هو الكيان الذي نستمد منه القوة والعزة والانتماء، وما أشعر به لا يقتصر علي وحدي، بل هو إحساس مشترك بين أبناء البحرين جميعاً، الذين يتساوون في حب وطنهم والحرص على رفعته، ويكفي أن نستحضر ما شهدته البحرين من تلاحم وطني في مختلف المناسبات الوطنية، أو ما أظهره أبناء الوطن من تكاتف خلال جائحة كورونا، حين وقف الجميع صفاً واحداً خلف قيادتهم، مؤكدين أن وحدة الشعب البحريني هي سر قوته واستقراره.

ومنذ التحاقي بمقاعد الدراسة في مراحل التعليم الأولى وحتى إتمام دراساتي العليا، أدركت حجم العناية التي توليها البحرين للعلم والمعرفة، فقد سخرت الدولة إمكاناتها لبناء الإنسان البحريني، إيماناً منها بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في العقول والكفاءات الوطنية، وشهدت البحرين على مدى عقود تطوراً تعليمياً كبيراً، بدءاً من المدارس النظامية العريقة، ووصولاً إلى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة التي خرجت أجيالاً من الأطباء والمهندسين والمعلمين والقادة في مختلف المجالات، كما أن برامج الابتعاث والتدريب والتأهيل المستمر، تمثل شواهد واقعية على حرص الوطن على تمكين أبنائه ومنحهم الفرصة للوصول إلى أعلى المراتب العلمية والمهنية.

وعندما التحقت بعملي، أقسمت بيني وبين نفسي أن أرد جزءاً من جميل هذا الوطن، وأن أكون مخلصاً في أداء واجبي، فالإخلاص للوطن ليس شعاراً يرفع، بل سلوك يترجم إلى عمل وعطاء، وهذا أقل ما يقدمه المواطن المخلص لبلده الذي لم يدخر جهداً في توفير الأمن والعيش الكريم لأبنائه، وقد رأينا في العديد من المواقف كيف كانت القيادة الحكيمة حريصة على صون حقوق المواطنين ورعاية مصالحهم، ومن الأمثلة الواقعية ما تقدمه الدولة من دعم للخدمات الإسكانية والصحية والتعليمية، بما يعكس حرصها المستمر على كرامة المواطن واستقراره، انطلاقاً من إيمانها بأن الإنسان البحريني هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن.

إنني ابن البحرين التي ما زالت تعتز بأبنائها، وتفتح أمامهم أبواب الأمل والعطاء، ابن الوطن الذي نفديه بأرواحنا مهما كانت الظروف، ومهما قدمنا له فإننا نظل مقصرين أمام ما منحنا إياه من خير وأمان واستقرار، ففي هذا الوطن ولدنا، وعلى أرضه تعلمنا، ومن خيراته عملنا، وفيه أسسنا أسرنا وربينا أبناءنا، وهي نعم لا يمكن أن ترد أو تقدر بثمن. ولذلك، فإن استذكار ما قدمه لنا وطننا واجب أخلاقي ووطني لا ينقطع، وإنني أؤمن بأن حبري سيبقى عاجزاً عن وصف ما يختلج في صدري تجاه البحرين، لأنني أحتاج إلى عمر فوق عمري، وكلمات تفوق ما أملك، لأعبر عن مقدار الحب والوفاء والانتماء لهذا الوطن العزيز.