حنان الخلفان

وصلت باقة الورد في موعدها. وضعها المندوب عند الباب، التقط صورة لإثبات التسليم، ثم غادر. بعد دقائق، وصلت رسالة قصيرة: «شكراً، الورد جميل». انتهت الحكاية كلها بين إشعارين، من دون أن يلتقي أحد بأحد، ومن دون أن يرى صاحب الهدية تلك الابتسامة التي كان يفترض أن تكون أجمل جزء فيها.

فالورد يصل اليوم بسهولة، والهدايا تُطلب في دقائق، ورسائل الاطمئنان تُرسل في أي وقت. لكن خلف هذه السهولة سؤال لا يمكن تجاهله: هل قرّبتنا التكنولوجيا فعلاً، أم أنها جعلت التواصل أسرع بينما أصبح الحضور أقل؟

في السابق، لم تكن المعايدة مجرد رسالة. كانت وقتاً يُمنح للناس، ووجهاً يبتسم أمامك، وفنجان قهوة يطول الحديث حوله أكثر مما كان مخططاً له. أما اليوم، فقد تحولت بعض المناسبات إلى قائمة أسماء نرسل إليها النص نفسه، ثم نطمئن لأننا لم ننسَ أحداً. ونفعل الشيء ذاته مع الورد والهدايا؛ نختارها من تطبيق، ونتابع إشعار وصولها، ثم نعتبر أن المشاعر وصلت معها. نعرف أن الرسالة وصلت، وأن الهدية سُلّمت، لكننا لا نعرف دائماً إن كان صاحبها بخير. فالهدية التي تصل عبر مندوب لا تقل قيمة، خصوصاً حين تفرض المسافات أو الظروف ذلك، لكنها تفقد جزءاً من حكايتها حين تصبح بديلاً دائماً عن مشوار قصير، ووقت نمنحه، ولحظة فرح نراها بأعيننا.

حتى الأطفال تغيّرت طريقة صداقاتهم، لا لأن الألعاب الإلكترونية ألغت الصداقة، بل لأنها قد تمنحهم شعوراً سريعاً بالقرب من دون أن تعلّمهم كل ما يحتاجه القرب الحقيقي. قد يضحكون معاً عبر السماعات، لكنهم لا يرون ملامح بعضهم حين يغضبون أو يحزنون، ولا يتعلمون كيف يعتذرون وجهاً لوجه، أو كيف يختلفون ثم يعودون إلى اللعب من جديد. فالصداقة لا تصنعها اللعبة وحدها، بل تصنعها التفاصيل الصغيرة التي لا تنقلها الشاشة.

ولم تتغير العلاقات وحدها، بل تغيّرت علاقتنا بالحركة أيضاً. في السابق، كان المشي جزءاً طبيعياً من تفاصيل اليوم؛ نذهب للزيارة، نخرج للعب، نمر على المحلات، ونقضي بعض حاجاتنا بأنفسنا. أما اليوم، فيمكن للإنسان أن ينجز كثيراً من يومه وهو في مكانه: يطلب الطعام والهدية، يرسل التهنئة، يتابع العمل، ثم يقضي ساعات أخرى أمام الشاشة. ليست كل المشكلات الصحية نتيجة مباشرة لهذه الحياة، لكن من الصعب تجاهل أن الحركة التي كانت تأتي تلقائياً مع تفاصيلنا اليومية أصبحت تحتاج إلى قرار ووقت وخطة.

المشكلة ليست في التطبيقات، ولا في التوصيل، ولا في الرسائل. هذه أدوات مفيدة، خصوصاً عندما تباعدنا الظروف أو المسافات. لكنها تصبح فقيرة حين نستخدمها لنختصر ما لا ينبغي اختصاره: الزيارة، والوقت، والسؤال الذي لا يكتفي بإجابة «الحمد لله»، واليد التي تمتد لتقول من دون كلمات: أنا هنا.

وبصراحة، ليست قيمة الورد في عدد ورداته ولا في سرعة وصوله، بل في الحكاية التي تأتي معه: في المشوار الذي قطعه أحدهم من أجلنا، وفي الوقت الذي اختاره ليكون قريباً، وفي لحظة فرح لا تختصرها صورة إثبات تسليم. التكنولوجيا قد تقرّب المسافات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الحضور. بعض الأبواب لا تفتحها الرسائل، وبعض الورد لا يكتمل معناه إلا حين يصل مع صاحبه.