هالة الجودر

من خلال سنوات عملي في الميدان التربوي ومشاركتي في العديد من برامج التطوير والتحسين المدرسي، أدركت أن النجاح في قيادة التغيير لا يبدأ من نقطة الصفر بل يبدأ من الواقع الفعلي ومن حيث انتهى الآخرون فكل مدرسة تحمل إرثا من الخبرات والإنجازات والجهود التي تستحق أن تقرأ بعناية وأن يبنى عليها مستقبل أكثر تميزاً ولعل ما أعتز به في رحلتي المهنية أنني لم أكن يوما أؤمن بفرض التغيير أو القفز فوق الواقع بل كنت دائما أبدأ من حيثما هم ثم أقودهم إلى حيثما أريد.

أبدأ بفهم واقع المدرسة والاستماع إلى العاملين فيها واكتشاف ما يمتلكونه من خبرات وقدرات وإنجازات، ثم أبني على ذلك رؤية مشتركة وخطوات عملية تقودهم تدريجيا نحو المستوى الذي نطمح إليه. فلم يكن هدفي يوما أن أشعر الآخرين بأن ما قدموه سابقا لم يكن كافياً بل أن أجعلهم يدركون كيف يمكن لجهودهم أن تكون نقطة الانطلاق نحو نجاح أكبر وأثر أعمق.

لذلك تعد القيادة المدرسية اليوم أحد أهم العوامل المؤثرة في نجاح المؤسسات التعليمية وقدرتها على تحقيق أهدافها ومع تسارع التغيرات والتحديات التي تواجه التعليم لم يعد دور القائد مقتصرا على إدارة العمل اليومي بل أصبح مسؤولا عن قيادة التطوير وصناعة ثقافة مؤسسية قادرة على التعلم والنمو المستمر.

ومن أهم المبادئ التي ينبغي أن يستحضرها كل قائد تربوي عند قيادة التغيير أن يبدأ من الواقع القائم لا من الصورة التي يتمنى أن تكون عليها المدرسة. فلكل مدرسة ظروفها الخاصة وخبراتها المتراكمة وإنجازاتها التي تشكل أساسا يمكن البناء عليه وعندما ينطلق القائد من فهم هذا الواقع يصبح أكثر قدرة على وضع خطط واقعية وقابلة للتنفيذ وأكثر قدرة على كسب دعم الجميع وثقتهم.

إن التطوير الفاعل لا يعني إلغاء ما سبق أو التقليل من قيمة الجهود الماضية بل يعني استثمارها وتوجيهها نحو مستويات أعلى من الجودة والتميز. فكل مدرسة تمتلك نقاط قوة يمكن تعزيزها وكل فريق عمل يحمل خبرات وتجارب تستحق أن تستثمر في بناء المستقبل وعندما يشعر العاملون بأن ما أنجزوه محل تقدير واحترام فإنهم يصبحون أكثر استعدادا للمشاركة في مسيرة التطوير.

كما أن التغيير الناجح لا يتحقق بالقرارات وحدها بل بالشراكة والاقتناع فالقائد الذي يشرك فريقه في صناعة الرؤية، ويمنحهم الفرصة للمشاركة في اتخاذ القرار يخلق بيئة عمل إيجابية يشعر فيها الجميع بالمسؤولية تجاه النجاح وعندما تتحول الأهداف إلى قناعة مشتركة يصبح تحقيقها أكثر سهولة واستدامة.

ومن تجاربي مع المؤسسات التعليمية، فإن المؤسسات الأكثر نجاحا ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الإمكانات وإنما تلك التي تعرف كيف تستثمر إمكاناتها الحالية وتبني على ما لديها من خبرات وإنجازات فالتطوير الحقيقي هو عملية تراكمية تنمو خطوة بعد أخرى وتستند إلى فهم الواقع والاستفادة من دروس الماضي والتطلع إلى فرص المستقبل.

لذا فإن مبدأ (ابدأ من حيثما هم وقدهم حيثما تريد) باعتقادي تمثل فلسفة قيادية قادرة على إحداث التغيير الحقيقي والمستدام لأنه يجمع بين فهم الواقع واحترام الجهود السابقة والبناء على الخبرات المتراكمة والطموح نحو مستقبل أفضل، وعندما يتبنى القائد هذا النهج فإنه لا يقود التغيير فحسب، بل يصنع بيئة تعليمية مؤمنة بالتطوير، وقادرة على تحقيق التميز بصورة مستدامة، لتصبح المدرسة مجتمعا متعلما ينمو باستمرار، ويحقق أثراً إيجابياً يمتد إلى جميع منسوبيه ومستفيديه.