أكد د. خالد العلوي أن بناء شخصية الطفل لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة، وإنما هو مشروع وطني ومجتمعي متكامل تتكامل فيه أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام، إلى جانب دور الطفل نفسه في بناء شخصيته، مشدداً على أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأوطان يبدأ من الاستثمار في الطفل، باعتباره اللبنة الأساسية للمجتمع وصانع المستقبل.
وجاء ذلك خلال محاضرة بعنوان «صقل شخصية الطفل.. مسؤولية من؟!» نظمها مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، وأدارتها الإعلامية سماح علام، ضمن برامجه الثقافية والفكرية، حيث تناول العلوي مفهوم بناء شخصية الطفل والعوامل المؤثرة فيها، مستعرضاً الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها مختلف المؤسسات الاجتماعية والتربوية لضمان تنشئة جيل متوازن وقادر على مواجهة تحديات العصر.
منصة الفكر والتنوير
وشهدت الندوة التأكيد على الدور الذي يضطلع به مركز عبدالرحمن كانو الثقافي منذ تأسيسه عام 1995، باعتباره أحد أبرز الصروح الثقافية الأهلية في مملكة البحرين، من خلال ما يقدمه من برامج وندوات تسهم في نشر الثقافة وتعزيز الحوار المجتمعي وترسيخ الوعي الفكري، كما شهدت الأمسية وقفة وفاء لذكرى الشاعر الراحل علي عبدالله خليفة، الذي ارتبط اسمه بالمركز الثقافي، حيث استذكر الحضور إسهاماته الأدبية والثقافية، وقرأوا الفاتحة على روحه تقديراً لمسيرته وإرثه الوطني.
شخصية الطفل... حجر الأساس
وأوضح العلوي أن شخصية الطفل ليست صفات عابرة أو ملامح مؤقتة، وإنما هي الأساس الذي تتشكل عليه شخصية الإنسان مستقبلاً، مؤكداً أن كل طفل يمثل مشروع إنسان، وكل إنسان يمثل مشروع وطن، الأمر الذي يجعل العناية بتكوين شخصيته مسؤولية وطنية قبل أن تكون مسؤولية أسرية.
وأشار إلى أن تشكيل شخصية الطفل يخضع لتأثير عاملين رئيسيين، هما العوامل الوراثية والعوامل البيئية، إلا أن البيئة المحيطة تظل صاحبة التأثير الأكبر في صقل الشخصية وتنمية المهارات وترسيخ القيم، وهو ما يتطلب تكامل الأدوار بين مختلف الجهات المحيطة بالطفل.
الأسرة.. المدرسة الأولى
وأكد أن الأسرة تمثل البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، فمن خلالها يكتسب الصدق والاحترام والتعاون وتحمل المسؤولية والرحمة والتسامح والوطنية والانفتاح على الآخرين، لافتاً إلى أن الطفل يتعلم بالملاحظة أكثر مما يتعلم بالتلقين، لذلك تبقى القدوة الحسنة الركيزة الأساسية في نجاح العملية التربوية.
وأضاف أن الطفل يحتاج بصورة دائمة إلى الحب والاحتواء والأمان والدعم النفسي والتشجيع، مبيناً أن هذه العناصر تسهم في بناء ثقته بنفسه وتعزز قدرته على التعبير عن مشاعره، بينما يؤدي الإهمال أو القسوة المفرطة إلى ظهور مشكلات نفسية وسلوكية، مثل الخوف والانطواء وضعف الشخصية والعدوانية.
المدرسة.. شريك بصناعة الشخصية
وأشار العلوي إلى أن دور المدرسة يتجاوز نقل المعرفة إلى المشاركة في بناء شخصية الطفل اجتماعياً وفكرياً وسلوكياً، من خلال تعزيز قيم التعاون والعمل الجماعي واحترام الأنظمة وتقبل الاختلاف وتكوين العلاقات الاجتماعية السليمة.وأوضح أن المدرسة تسهم كذلك في اكتشاف مواهب الأطفال وقدراتهم الفنية والرياضية والإبداعية والقيادية، بما يساعدهم على تنمية إمكاناتهم وصقل شخصياتهم بصورة متوازنة.
المجتمع شريك أساسي في التنشئة
وأكد أن المجتمع يمثل بيئة مؤثرة في تكوين شخصية الطفل، إذ تتشكل العديد من السلوكيات والقيم من خلال الأصدقاء والبيئة المحيطة والعادات واللغة وأنماط التفكير، لافتاً إلى أهمية المؤسسات الاجتماعية والثقافية ودور العبادة والأندية والأنشطة التطوعية في ترسيخ القيم الإيجابية وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية لدى الأطفال.
التكنولوجيا.. صناعة المعرفة المخاطر
وتناول العلوي تأثير وسائل الإعلام والتكنولوجيا، مبيناً أنها أصبحت من أكثر العوامل تأثيراً في تشكيل شخصية الطفل، لما توفره من فرص لتنمية المعرفة وتطوير المهارات وتعزيز الإبداع وتعلم اللغات، إلا أنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مصدر للعنف والعزلة الاجتماعية والتقليد السلبي وضعف التركيز إذا غابت الرقابة الأسرية والتوجيه السليم.
ودعا إلى تبني الاستخدام الواعي للتقنية، من خلال مرافقة الأبناء أثناء استخدام الوسائل الرقمية، وتحديد أوقات مناسبة لها، بما يحقق الاستفادة منها ويحمي الأطفال من آثارها السلبية.
الطفل شريك
وشدد العلوي على أن الطفل ليس متلقياً فقط، بل هو شريك في بناء شخصيته، من خلال التعلم من الأخطاء، وتنمية مهاراته، واختيار السلوك الصحيح، وتحمل المسؤولية، وممارسة التفكير النقدي، واتخاذ القرارات بثقة، بما يسهم في إعداد شخصية مستقلة ومتوازنة.
الحوار والتوازن
وأكد أن صقل شخصية الطفل يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها الحوار الجيد، والتشجيع والتحفيز، والتوازن في التربية، وتوفير بيئة آمنة، وتنمية المهارات، مشيراً إلى أن هذه العناصر تشكل الأساس في إعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.
كما استعرض خلال الندوة عدداً من النماذج والشخصيات الملهمة، مبيناً أن قصص النجاح تمثل وسيلة فعالة لتحفيز الأطفال وتعزيز طموحاتهم، وترسيخ قيم الاجتهاد والمثابرة والإبداع.
واختتم العلوي محاضرته بالتأكيد على أن شخصية الطفل هي نتاج منظومة متكاملة من المؤثرات تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام، وصولاً إلى الطفل نفسه، مشدداً على أن كل كلمة أو موقف أو تجربة يعيشها الطفل تترك أثراً في تكوين شخصيته، وأن الاستثمار في الطفل هو أعظم استثمار يمكن أن يقدمه المجتمع لمستقبله، لأن طفل اليوم هو قائد الغد، وما يُغرس فيه من قيم ومهارات سينعكس على مستقبل الوطن بأسره.
وشهدت الندوة عدداً من المحطات الثقافية والتكريمية، إذ استُهلت باستذكار الشاعر الكبير الراحل علي عبدالله خليفة، وفاءً لمسيرته الأدبية والثقافية وإسهاماته البارزة في إثراء الحركة الثقافية في مملكة البحرين، حيث استحضر الحضور سيرته وعطاءه تقديراً لإرثه الوطني والثقافي.كما أهدى د. خالد العلوي نسخة من أحد مؤلفاته إلى مكتبة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، وتسلمت الإهداء الأمين العام للمركز د. معصومة المطاوعة، في لفتة تعكس دعم المحتوى الثقافي والمعرفي وإثراء مكتبة المركز بالإصدارات الفكرية.
وفي ختام الندوة، كرّمت د. معصومة المطاوعة د. العلوي، تقديراً لما قدمه من طرح علمي وتربوي ثري، وسط إشادة الحضور بما تضمنته المحاضرة من رؤى وأفكار حول بناء شخصية الطفل وأهمية تكامل الأدوار في تنشئة جيل واعٍ ومتوازن.