انطلاقًا من علوم الرياضيات بوصفها نموذجًا للمعرفة المعقدة، نظم قسم التطوير المهني، بالتعاون مع كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأهلية، ورشة علمية قدمتها د. مريم الحواج، هدفت إلى الارتقاء بجودة التعليم وتطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس وفق أحدث الممارسات العالمية.

وكانت الورشة قد شهدت حضور الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية البروفيسور عبدالله الحواج والقائم بأعمال رئيس الجامعة البروفيسور مختار الهاشمي، وتم تقديمها تحت عنوان مجازي لافت حول إمكانية بناء "دونات" من شجرة، في إشارة إلى الشكل الهندسي المعروف في الرياضيات والطوبولوجيا، وإلى الرسم البياني الرياضي (Tree Graph)، وكيفية الانتقال من بنية رياضية (شجرة) إلى سطح طوبولوجي يشبه "الدونات"، مع توظيف هذا النموذج لتوضيح كيفية تبسيط الأفكار المعقدة للطلبة.

ومن خلال دراسة حالة مستمدة من أبحاثها في الرياضيات المتقدمة حول بناء خرائط شبه أنوسوف المعممة (Generalized Pseudo-Anosov Maps) انطلاقًا من أشجار هوبارد (Hubbard Trees)، قدمت د. الحواج نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل المحتوى العلمي المتخصص إلى تجربة تعليمية تفاعلية يسهل استيعابها من قبل جمهور يمتلك مستويات مختلفة من المعرفة والخبرة، مؤكدة أن أكثر المفاهيم الرياضية تعقيدًا يمكن تقديمها بأسلوب مبسط وجذاب دون الإخلال بالدقة العلمية.

وأكدت الحواج أن التحدي الحقيقي في التعليم الجامعي لا يكمن في امتلاك المعرفة فحسب، وإنما في القدرة على توصيلها بأساليب مبتكرة تراعي احتياجات المتعلمين واختلاف خلفياتهم العلمية، موضحة أن الباحث والأكاديمي مطالب اليوم بإيصال أفكاره إلى زملائه المتخصصين، وطلبته، وأفراد المجتمع، مع الحفاظ على الرصانة الأكاديمية ووضوح الرسالة في الوقت ذاته.

وركزت الورشة على مفهوم "بحث واحد.. جماهير متعددة"، موضحة أن المخرجات البحثية يمكن إعادة تقديمها بطرق مختلفة بحسب طبيعة الجمهور المستهدف، سواء في المؤتمرات العلمية، أو المحاضرات الجامعية، أو الفعاليات المجتمعية، أو مسابقات العروض البحثية المختصرة. واستعرضت مجموعة من التطبيقات العملية التي أبرزت أهمية اختيار الأسلوب المناسب لكل فئة، بما يحقق أعلى درجات الفهم والتفاعل.

كما استعرضت الورشة عددًا من الاستراتيجيات التعليمية الحديثة التي أثبتت فاعليتها في رفع مستوى التفاعل داخل القاعات الدراسية، من بينها توظيف السرد القصصي في عرض المفاهيم العلمية، والاعتماد على التفكير البصري والرسوم التوضيحية، واستخدام الأسئلة الاستكشافية، والتدرج في الانتقال من الأفكار البسيطة إلى المفاهيم المجردة.

وتسهم هذه الممارسات في تعزيز التفكير النقدي وترسيخ الفهم العميق لدى الطلبة، ولا سيما طلبة الجيل "زد"، الذين تتطلب طبيعة تعلمهم بيئات تعليمية أكثر ديناميكية وتفاعلية.

وشهدت الورشة تفاعلًا ملحوظًا من المشاركين عبر سلسلة من الأنشطة التطبيقية والتمارين الجماعية التي اعتمدت على تحليل الرسوم الرياضية، والتنبؤ بالنتائج، وحل المشكلات، إلى جانب جلسات حوارية ناقش خلالها المشاركون سبل توظيف هذه الأساليب في تخصصاتهم المختلفة، مؤكدين أن مهارات التواصل العلمي لم تعد حكرًا على العلوم البحتة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في نجاح العملية التعليمية بمختلف المجالات الأكاديمية.

وتناولت الورشة أيضًا عددًا من الممارسات التدريسية المعاصرة، من بينها التعلم القائم على الاستقصاء، والتعلم البصري، والمشاركة الفاعلة، والتدرج في بناء المعرفة، والممارسة التأملية، باعتبارها أدوات تسهم في بناء بيئات تعليمية محفزة على الإبداع والاكتشاف، وتعزز قدرة أعضاء هيئة التدريس على تقديم المحتوى الأكاديمي بصورة أكثر تأثيرًا واستدامة.