بقلم: د. عائشة هلال صايان كويتاك

لقد مضت عشرة أعوام على محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو 2016، وهي لحظة مفصلية تركت أثراً عميقاً في مسار التاريخ التركي الحديث.

فما تصوّره منفذو المحاولة انهياراً للنظام الدستوري في تركيا، تحوّل إلى أحد أبرز النماذج على صمود الديمقراطية.

ففي تلك الليلة، وقف الشعب التركي موحّداً في مواجهة منظمة إرهابية مسلّحة سعت إلى الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً. وقد ضمن الإصرار الذي أبداه ملايين المواطنين انتصار الديمقراطية على استخدام القوة.

على مدى سنوات طويلة، أخفت منظمة فتح الله الإرهابية (FETO) أجندتها الحقيقية خلف المدارس والمؤسسات التعليمية والمنظمات الخيرية.

فمن خلال مؤسساتها التعليمية (كالمدارس والجامعات وغيرها)، كانت المنظمة في الواقع تستقطب الشباب، وتُنشّئهم لخدمة بنيتها السرية.

ومع مرور الوقت، جرى زرع العديد من أعضائها في مواقع حساسة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطة القضائية، والشرطة، والأهم من ذلك القوات المسلحة التركية. وبدلاً من خدمة الدولة التركية، ظل هؤلاء يدينون بالولاء لقيادة المنظمة، ويتصرفون وفقاً لتعليماتها.

وفي الوقت ذاته، أنشأت منظمة فتح الله الإرهابية شبكة مالية واسعة من خلال الشركات والمؤسسات والجمعيات التجارية العاملة داخل تركيا وخارجها.

وقد استُخدمت هذه الموارد في تمويل أنشطة المنظمة وتوسيع نطاق نفوذها. ولمنع كشف اتصالاتها، اعتمدت المنظمة على تطبيقات مراسلة مشفّرة وغيرها من الوسائل السرية، مما أتاح لأعضائها داخل مؤسسات الدولة التواصل فيما بينهم بصورة خفية.

وقبل سنوات من محاولة الانقلاب، كانت المنظمة قد بدأت بالفعل باستهداف الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطياً عبر الحصول بصورة غير قانونية على معلومات سرية والتلاعب بها، وفبركة الأدلة، ونشر المعلومات المضللة، في محاولة لتقويض ثقة الرأي العام وإحداث حالة من عدم الاستقرار السياسي.

كما وسّعت منظمة فتح الله الإرهابية أنشطتها على الصعيد الدولي من خلال تشغيل المدارس والمؤسسات التعليمية والمنظمات غير الحكومية في العديد من الدول.

ومن خلال هذه الهياكل التي بدت مشروعة ظاهرياً، سعت إلى بناء نفوذها وإقامة شبكات داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والعامة.

واستجابةً لذلك، عملت تركيا بشكل وثيق مع الدول الصديقة لكشف الطبيعة الحقيقية لهذه المنظمة ومنعها من مواصلة أنشطتها في الخارج.

وقد انكشف الوجه الحقيقي لمنظمة فتح الله الإرهابية في ليلة 15 يوليو. إذ حاولت العناصر الموالية لها السيطرة على البلاد باستخدام القوة العسكرية.

فقامت الطائرات المقاتلة بقصف مقر الجمعية الوطنية الكبرى التركية، بينما واصل أعضاء البرلمان جلساتهم متحدّين الهجمات.

كما استُهدف المجمع الرئاسي ومقر جهاز الاستخبارات الوطنية.

وجابت الدبابات الشوارع، وتمت السيطرة على الجسور والمطارات.

واستشهد مئات المدنيين الأبرياء لمجرد أنهم اختاروا الدفاع عن ديمقراطيتهم، فيما أُصيب آلاف آخرون بجروح.

وتحت القيادة الحازمة لفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، لبّى ملايين المواطنين من مختلف شرائح المجتمع النداء للدفاع عن الجمهورية.

ودون تردد، احتشدوا في الشوارع والساحات والمطارات والمؤسسات العامة، واضعين أنفسهم بين الدبابات ومستقبل الأمة الديمقراطي.

وقد برهنت شجاعتهم الاستثنائية مرة أخرى أن السيادة ملك للشعب دون قيد أو شرط.

إن النصر الذي تحقق في تلك الليلة يجسد انتصار الديمقراطية على الإكراه، والوحدة الوطنية على الانقسام، والشرعية الدستورية على العنف غير المشروع.

وستظل تضحيات شهدائنا الـ251 وأكثر من ألفي من محاربينا القدامى محفورة إلى الأبد في ذاكرتنا الوطنية. وتشكل شجاعتهم تذكيراً دائماً بأن الحريات التي ننعم بها اليوم قد حُفظت بفضل تضحيات استثنائية.

وعقب فشل محاولة الانقلاب، شرعت تركيا في واحدة من أشمل عمليات الإصلاح المؤسسي في تاريخها الحديث.

وتحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، تم تنفيذ إصلاحات قانونية وإدارية وأمنية واسعة النطاق للقضاء على نفوذ منظمة فتح الله الإرهابية داخل مؤسسات الدولة وتعزيز قدرة الدولة على الصمود في مواجهة تهديدات مماثلة.

كما دفعت الدروس المستفادة من أحداث 15 يوليو تركيا إلى تسريع مساعيها نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. فقد استثمرت تركيا بشكل مكثف في التقنيات المحلية، والإنتاج الوطني، والابتكار العلمي.

وعلى مدى العقد الماضي، وسّعت تركيا كذلك قدراتها في مجال الصناعات الدفاعية المحلية بصورة ملحوظة، مما خفّض من اعتمادها على الخارج، مع تعزيز التعاون في الوقت ذاته مع حلفائها.

وقد أسهمت هذه التطورات بطبيعة الحال في تعزيز المكانة الدولية لتركيا. فاليوم، تساهم تركيا بفاعلية في تشكيل جهود الأمن الإقليمي والمساعي الدبلوماسية.

وتعكس سياستها الخارجية التزاماً بالحوار والانخراط البنّاء، بما يتيح لها الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الدولية حتى في فترات التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

وتحمل تجربة 15 يوليو كذلك رسالة دولية بالغة الأهمية. فالمنظمات الإرهابية التي تستغل التعليم، والتجارة، والإعلام، والمجتمع المدني كأدوات لتحقيق أهدافها، تمثل تهديداً يتجاوز الحدود الوطنية.

وقد أثبتت منظمة فتح الله الإرهابية كيف يمكن للشبكات السرية أن تتسلل إلى المؤسسات الديمقراطية على مدى سنوات طويلة، بينما تخفي أهدافها الحقيقية وراء أنشطة تبدو مشروعة.

ومن ثم، فإن مكافحة مثل هذه التنظيمات لا تتطلب عزماً وطنياً فحسب، بل تستوجب أيضاً تعاوناً دولياً مستداماً، ومساعدة قانونية متبادلة بين الدول المسؤولة.

ونتيجة للجهود الصادقة والدبلوماسية النشطة التي بذلتها تركيا خلال العام الماضي، أعلنت عدة دول ومنظمات دولية منظمة فتح الله الإرهابية منظمةً إرهابية.

وفي هذا السياق، أُدرجت المنظمة على قائمة المنظمات الإرهابية خلال الدورة الثالثة والأربعين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي التي عُقدت في العام نفسه.

كما تأكد ذلك بقرار اتخذته الجمعية البرلمانية الآسيوية في الأول من كانون الأول - ديسمبر 2016، وصادقت عليه الدورة الثانية عشرة لمؤتمر اتحاد برلمانات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي في 27 كانون الثاني - يناير 2017.

وإلى جانب جمهورية شمال قبرص التركية، أصدرت المحكمة العليا في باكستان أيضاً قراراً بتاريخ 28 كانون الأول - ديسمبر 2018 يقضي باعتبار منظمة فتح الله الإرهابية منظمةً إرهابية.

وسيستمر تصميمنا على مكافحة منظمة فتح الله الإرهابية دون تردد إلى أن يتم إحباط الأهداف الخبيثة والخطيرة لهذه المنظمة الخائنة بشكل كامل.

ومن بين أهم مسؤولياتنا في هذا النضال، بلا شك، شرح مشروعية معركتنا للعالم.

فما تزال منظمة فتح الله الإرهابية قادرة على التسلل إلى المجتمعات في الخارج بوسائل وأساليب مختلفة، ولا سيما من خلال تسميم عقول الشباب بروايات مشوّهة تقوم على ادعاءات زائفة بالمظلومية.

ومن جهة أخرى، فإن التضامن الذي أبدته الدول الصديقة خلال أصعب اللحظات التي مرت بها تركيا لن يُنسى أبداً. وتحتل مملكة البحرين مكانة خاصة في هذا السياق.

فقد اكتسبت زيارة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم إلى تركيا بعد فترة وجيزة من أحداث 15 يوليو أهمية خاصة، إذ كان أول زعيم عربي يزور بلادنا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.

وقد حملت هذه المبادرة التاريخية دلالات عميقة، إذ جسدت عمق الصداقة الراسخة بين بلدينا الشقيقين. وسيظل الدعم والتضامن الثابتان اللذان أبداهما أشقاؤنا في البحرين في مواجهة هذه المحاولة الانقلابية الغادرة محفورين في وجداننا، بوصفهما أحد أجمل روابط الأخوة.

وبينما نحيي الذكرى العاشرة لأحداث 15 يوليو، فإن استذكار الماضي يقترن بثقة راسخة بالمستقبل.

وبقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان الحكيمة، واستلهاماً من شجاعة مواطنيها، تواصل تركيا العمل من أجل السلام والاستقرار والازدهار داخل حدودها وخارجها.

وفي هذه الذكرى المهيبة، نستذكر جميع شهدائنا بالرحمة والامتنان والاحترام، ونتوجه بخالص التقدير إلى محاربينا القدامى، ونجدد التزامنا الراسخ بالديمقراطية، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون.

وسيظلّ روح الخامس عشر من يوليو حياً بوصفه مصدر إلهام دائم للأجيال التي ستصنع مستقبل تركيا.

* سفيرة جمهورية تركيا لدى مملكة البحرين