حسن الستري

يأتي اليوم الدولي لمهارات الشباب لعام 2026 تحت شعار «مهارات من أجل مستقبل مشترك» ليؤكد أهمية الاستثمار في قدرات الشباب باعتبارهم القوة المحركة للتنمية وصنّاع التحولات المستقبلية في مختلف المجتمعات.

وفي ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة بفعل التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي والتحول نحو الاقتصادات الخضراء وتغير طبيعة سوق العمل، باتت مهارات الشباب تمثل أحد أهم المحاور التي تحدد قدرة الدول على المنافسة وتحقيق التنمية المستدامة.

ويجسد هذا اليوم، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2014 ليكون مناسبة عالمية في 15 يوليو من كل عام، إدراك المجتمع الدولي للحاجة إلى تزويد الشباب بالمهارات التي تمكنهم من الحصول على فرص العمل اللائق، وتعزيز ريادة الأعمال، والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمعات.

ولم يعد مفهوم المهارة مقتصراً على المعرفة التقنية أو التدريب المهني فقط، بل أصبح يشمل منظومة متكاملة من القدرات الرقمية، ومهارات الذكاء الاصطناعي، والمهارات الخضراء، والقدرات الاجتماعية والعاطفية، والمهارات القيادية والمدنية التي تعزز قدرة الشباب على التكيف وصناعة المستقبل.

وتأتي هذه الرؤية الدولية متوافقة مع النهج الذي انتهجته مملكة البحرين خلال السنوات الماضية، والذي وضع الشباب في صميم خطط التنمية الوطنية، انطلاقاً من الإيمان بأن الاستثمار في الإنسان يمثل الركيزة الأساسية لبناء المستقبل، وأن الشباب ليسوا مجرد فئة مستفيدة من برامج التنمية، بل شركاء أساسيون في صياغة مساراتها وتحقيق أهدافها.

تولي مملكة البحرين اهتماماً كبيراً بتمكين الشباب وتطوير مهاراتهم، مستندة إلى رؤية وطنية تؤكد أن الشباب يمثلون الثروة الحقيقية للوطن والطاقة المتجددة القادرة على قيادة مسيرة التنمية. وقد انعكس هذا الاهتمام من خلال العديد من المبادرات والبرامج التي هدفت إلى تعزيز قدرات الشباب، وتهيئتهم للتعامل مع متطلبات الاقتصاد الحديث، وتوفير بيئة محفزة للإبداع والابتكار والقيادة.

ويجسد يوم الشباب البحريني الذي يوافق 25 مارس من كل عام، تقديراً وطنياً لدور الشباب وإسهاماتهم في مختلف المجالات، كما يعكس الاهتمام المستمر بفتح آفاق جديدة أمامهم وتمكينهم من الوصول إلى مواقع المسؤولية والمشاركة في صناعة القرار.

وقد شكلت توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم أساساً مهماً في ترسيخ نهج وطني يجعل الإنسان محور التنمية، ويؤمن بأن الشباب يمثلون إحدى أهم ركائز مستقبل المملكة.

كما عززت توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء مسار العمل الحكومي في مجال تمكين الشباب، من خلال دعم البرامج والمبادرات التي ترفع جاهزيتهم، وتوفر لهم فرص التطور والتقدم.

وفي هذا السياق، برز الدور المحوري الذي يضطلع به سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، في قيادة مسيرة تمكين الشباب البحريني، عبر إطلاق ودعم العديد من المبادرات التي تهدف إلى اكتشاف الطاقات الشبابية وصقل مهاراتها وتحويل الأفكار والطموحات إلى مشاريع وإنجازات ملموسة.

يتزامن الاحتفاء باليوم الدولي لمهارات الشباب مع مرحلة عالمية تتغير فيها طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة.

فالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أصبحا عنصرين أساسيين في مختلف القطاعات، فيما تزداد الحاجة إلى كوادر تمتلك القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات.

ومن هذا المنطلق، ركزت البحرين على توفير برامج تدريبية وتنموية تساعد الشباب على اكتساب مهارات المستقبل، سواء في مجالات التكنولوجيا والابتكار، أو ريادة الأعمال، أو القيادة، أو المجالات الإبداعية والثقافية والإعلامية.

ويعد مشروع «مدينة شباب 2030» أحد أبرز النماذج الوطنية التي تجسد هذا التوجه، إذ تحول خلال خمسة عشر عاماً من مبادرة شبابية إلى منصة وطنية متكاملة لصناعة القدرات وتأهيل الشباب.

فلم تعد المدينة مجرد برنامج تدريبي صيفي، بل أصبحت مساحة لاكتشاف المواهب، وبناء الخبرات، وربط الشباب بمتطلبات المستقبل.

تمثل «مدينة شباب 2030» إحدى العلامات البارزة في مسيرة تمكين الشباب البحريني، كونها نجحت في توفير بيئة تجمع بين التدريب والتجربة العملية واكتشاف الذات. وعلى مدى سنواتها الماضية، ساهمت في إعداد أجيال من الشباب الذين انتقلوا من مقاعد التدريب إلى مواقع العمل والإنجاز في مختلف القطاعات.

وتكتسب المدينة أهمية خاصة باعتبارها نموذجاً للاستثمار المبكر في الشباب، حيث تمنح المشاركين فرصة لاكتشاف قدراتهم، وتجربة مجالات جديدة، وبناء الثقة بالنفس، وتطوير مهارات يحتاجها سوق العمل الحديث.

كما يعكس استمرار نجاح المدينة الشراكة الوطنية بين وزارة شؤون الشباب وصندوق العمل (تمكين)، والتي تهدف إلى دعم المبادرات التي تسهم في رفع جاهزية الشباب البحريني وتعزيز تنافسيتهم في سوق العمل.

ارتبط اسم سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة بمسيرة متقدمة في مجال دعم وتمكين الشباب، حيث ركز سموه على أهمية منح الشباب الفرصة والثقة والمساحة اللازمة لإظهار قدراتهم وتحويل أفكارهم إلى مبادرات ذات أثر.

وأكد سموه في مناسبات عدة أن الشباب يمتلكون القدرة على قيادة التحولات وصناعة الإنجازات، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير الفرص، بل في تعزيز الطموح والإرادة والعمل لدى الشباب للاستفادة منها.

ومن هذا المنطلق، جاءت العديد من المبادرات التي عززت حضور الشباب البحريني محلياً ودولياً، ومن بينها جائزة الملك حمد لتمكين الشباب لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي أصبحت منصة عالمية تبرز المبادرات الشبابية المؤثرة، إضافة إلى مبادرة «سفراء الشباب البحريني» التي تهدف إلى تعزيز التواصل بين شباب البحرين ونظرائهم حول العالم.

كما شكلت «شبكة الأمل» منصة دولية للحوار تجمع القيادات الشبابية وصناع القرار والخبراء، بهدف تبادل الخبرات وتعزيز دور الشباب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وتعكس هذه المبادرات رؤية بحرينية تتجاوز مفهوم تمكين الشباب داخل الحدود الوطنية، إلى تقديم نموذج يساهم في تعزيز التعاون الدولي وتبادل التجارب في مجال تطوير السياسات الشبابية.

التعليم والتدريب.. الطريق نحو العمل اللائق وريادة الأعمال

يركز اليوم الدولي لمهارات الشباب 2026 على أهمية التعليم والتدريب التقني والمهني باعتباره أحد الأدوات الرئيسية لمواجهة تحديات سوق العمل. فالمهارات أصبحت اليوم عاملاً حاسماً في قدرة الشباب على الحصول على فرص عمل مستدامة، أو تأسيس مشاريعهم الخاصة، أو الانتقال إلى قطاعات جديدة.

وتدرك البحرين أهمية هذا الجانب، ولذلك حرصت على توفير برامج تدريبية متنوعة تواكب احتياجات الشباب ومتطلبات الاقتصاد، سواء عبر المؤسسات الحكومية أو المبادرات الوطنية أو الشراكات مع القطاع الخاص.

إن الاحتفاء باليوم الدولي لمهارات الشباب يمثل فرصة للتأكيد على أهمية بناء جيل يمتلك الأدوات اللازمة للتعامل مع تحديات المستقبل.

وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن حلول لتعزيز جاهزية الشباب، تقدم مملكة البحرين تجربة تقوم على رؤية واضحة مفادها أن تمكين الشباب ليس برنامجاً مؤقتاً، بل مسار وطني مستدام.

فمن خلال المبادرات والبرامج المختلفة، أثبت الشباب البحريني قدرتهم على الإنجاز والإبداع والمنافسة، وأصبحوا شركاء حقيقيين في مسيرة التنمية الوطنية.

قال عضو مجلس إدارة جمعية المستقبل الشبابية علي العلوي: «يُعتبر اليوم الدولي لمهارات الشباب فرصة للتأكيد على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن الشباب عندما يجدون البيئة الداعمة تتحول طموحاتهم إلى إنجازات تترك أثراً في المجتمع.

وفي البحرين، حظي الشباب باهتمام كبير من خلال مبادرات وبرامج نوعية ركزت على تنمية المهارات، واكتشاف المواهب، وتمكينهم من المشاركة في مختلف المجالات.

فقد أسهمت البرامج التدريبية، والمراكز الشبابية، والجمعيات الأهلية، والمبادرات الوطنية في صقل قدرات الشباب، ومنحهم مساحات للإبداع والابتكار والعمل التطوعي وريادة الأعمال، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويؤهلهم للمستقبل».

وأضاف: «ما يميز التجربة البحرينية أنها لا تكتفي بتوفير الفرص، بل تشجع الشباب على صناعة الفرصة بأنفسهم، وتحويل أفكارهم إلى مشاريع ومبادرات تخدم الوطن.

إن بناء جيل يمتلك المعرفة والمهارة والوعي هو استثمار طويل الأمد، والشباب البحريني أثبت في كل مناسبة أنه قادر على تحمل المسؤولية وصنع التغيير الإيجابي متى ما وجد الدعم والثقة.

وكل مهارة يكتسبها شاب اليوم، هي خطوة جديدة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً للبحرين».

وقال رئيس فريق مايكروشباب يوسف الصائغ: «تولي مملكة البحرين اهتماماً كبيراً بتمكين الشباب، باعتبارهم الركيزة الأساسية في مسيرة التنمية وصناعة المستقبل، وقد انعكس هذا الاهتمام في تعدد المبادرات والبرامج التي تستهدف تنمية قدراتهم، وصقل مهاراتهم، واكتشاف مواهبهم في مختلف المجالات، إلى جانب توفير المساحات التي تتيح لهم التعبير عن أفكارهم وتحويل طموحاتهم إلى مشاريع ومبادرات واقعية».

وبين أن الاستثمار في الشباب لا يقتصر على التدريب والتأهيل فقط، بل يمتد إلى بناء الثقة، وتعزيز روح المبادرة، وترسيخ ثقافة الابتكار والعمل الجماعي والمسؤولية المجتمعية.

ومن خلال تجربتنا في مبادرة «مايكرو شباب» التابعة لجمعية المستقبل الشبابية، لمسنا حجم الطاقات التي يمتلكها الشباب البحريني، وقدرته على التعلم والتطور متى ما وجد التوجيه المناسب والفرصة الحقيقية للمشاركة.

أما رئيس لجنة التخطيط والمبادرات بمركز تمكين شباب السهلة أحمد شبيب، فقد أشار إلى أن مملكة البحرين تواصل ترسيخ مكانتها كنموذج رائد في تمكين الشباب، انطلاقاً من إيمانها بأن الشباب يمثلون الركيزة الأساسية للتنمية وصناعة المستقبل.

وأكد أن البحرين أولت القطاع الشبابي اهتماماً كبيراً من خلال دعم المبادرات الوطنية، وتوفير البرامج التدريبية والتأهيلية، وتعزيز فرص المشاركة المجتمعية والتطوعية، إلى جانب الاستثمار في الابتكار وريادة الأعمال والتحول الرقمي، بما يسهم في صقل مهارات الشباب واكتشاف مواهبهم وإعدادهم لمواكبة متطلبات المستقبل.

وأوضح أن الاهتمام المستمر بالشباب أسهم في توفير بيئة محفزة للإبداع والتميز، وأتاح لهم فرصا حقيقية للمشاركة في مختلف المجالات، الأمر الذي انعكس على حضور الشباب البحريني وتميزه في المحافل المحلية والإقليمية والدولية.

وأكد أن الاستثمار في الشباب يمثل استثماراً في مستقبل الوطن، وأن مواصلة تطوير البرامج والمبادرات الهادفة إلى بناء قدرات الشباب وتعزيز دورهم في التنمية الوطنية يعكس الرؤية الطموحة لمملكة البحرين في إعداد جيل مؤهل، قادر على الابتكار والمنافسة والمساهمة الفاعلة في مسيرة التنمية الشاملة.

وهكذا يأتي اليوم الدولي لمهارات الشباب 2026 ليؤكد رسالة مشتركة مفادها أن مستقبل الأوطان يبدأ من قدرات شبابها، وأن تمكينهم بالمهارات والمعرفة هو الاستثمار الأكثر تأثيراً في حاضر المجتمعات ومستقبلها.