أكد أخصائي تعزيز الصحة والتغذية محمود الشواي أن بعض العبارات التربوية المتوارثة داخل الأسرة، والتي يعتقد كثير من الآباء والأمهات أنها تعزز الامتنان للطعام، وتحد من الإسراف، قد تحمل آثاراً سلبية تمتد إلى مستقبل الطفل الصحي والنفسي. ويشير إلى أن إجبار الطفل على إنهاء كل ما في طبقه، رغم شعوره بالشبع، قد يؤدي مع مرور الوقت إلى فقدانه القدرة على الاستجابة الطبيعية لإشارات الجوع والشبع، الأمر الذي يزيد احتمالية إصابته بعلاقة غير صحية مع الطعام، مثل الأكل العاطفي أو الإفراط في تناول الطعام والشعور بالذنب تجاه الأكل.
وأوضح الشواي أن العبارة الشهيرة التي تتردد في كثير من المنازل، وهي: «لا تقوم من السفرة إلا لما تخلص صحنك»، أصبحت جزءاً من الثقافة التربوية لدى أجيال متعاقبة، إلا أن الدراسات الحديثة في مجال التغذية السلوكية تشير إلى ضرورة إعادة النظر في هذا الأسلوب، لما قد يترتب عليه من آثار طويلة المدى على سلوك الطفل الغذائي.
وقال إن الطفل يولد وهو يمتلك قدرة فطرية دقيقة على التعرف إلى احتياجات جسمه من الطعام، حيث يشعر بالجوع عندما يحتاج إلى الغذاء، ويتوقف عن الأكل عندما يصل إلى مرحلة الشبع، مبيناً أن هذه الآلية الطبيعية تعد من أهم وسائل تنظيم الشهية والمحافظة على وزن صحي مستقبلاً. وأضاف أن المشكلة تبدأ عندما يتعرض الطفل بشكل متكرر للضغط أو الإجبار على تناول الطعام بعد شعوره بالشبع، إذ يتعلم تدريجياً تجاهل الرسائل التي يرسلها له جسمه، ويصبح اعتماده في تحديد كمية الطعام على عوامل خارجية، مثل ضرورة إفراغ الطبق أو إرضاء الوالدين، بدلاً من الاعتماد على إحساسه الداخلي.
وأشار إلى أن هذا السلوك قد يبدو بسيطاً في الطفولة، لكنه قد يتحول مع مرور السنوات إلى أحد الأسباب التي تمهد لظهور اضطرابات في العلاقة مع الطعام، مثل تناول الطعام استجابة للمشاعر وليس للجوع الحقيقي، أو الإفراط في الأكل، أو الشعور بالذنب عند ترك جزء من الوجبة، وهي أنماط سلوكية قد تستمر حتى مرحلة البلوغ.
وبيّن الشواي أن حرص الوالدين على تعليم أبنائهم عدم الإسراف والمحافظة على النعمة يعد هدفاً تربوياً مهماً، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب الصحة الغذائية والنفسية للطفل، مؤكداً أن بالإمكان تحقيق الهدفين معاً من خلال اتباع أساليب أكثر وعياً.
وأوضح أن من أفضل الممارسات تشجيع الطفل على وضع كمية مناسبة من الطعام في طبقه تتناسب مع احتياجه، مع إمكانية طلب المزيد إذا شعر بالجوع، بدلاً من تقديم كميات كبيرة وإجباره على إنهائها. كما دعا إلى إشراك الطفل في تقييم شعوره أثناء تناول الطعام، من خلال طرح أسئلة بسيطة مثل: “هل ما زلت تشعر بالجوع؟” أو “هل أصبحت شبعاناً؟”، بما يساعده على تنمية وعيه بإشارات جسده.
وأكد أن السماح للطفل بالتوقف عن تناول الطعام عند الشعور بالشبع لا يعني تشجيعه على الإسراف أو التقليل من قيمة النعمة، وإنما يعزز ثقته بجسده ويؤسس لعلاقة متوازنة وصحية مع الطعام، بعيداً عن الضغوط أو المشاعر السلبية.
وأضاف أن التربية الغذائية لا تعتمد على الأوامر أو العقاب، وإنما على بناء عادات صحية تدريجية داخل المنزل، تبدأ من احترام احتياجات الطفل الغذائية، وتقديم القدوة الحسنة في التعامل مع الطعام، وتنظيم الوجبات، والابتعاد عن استخدام الطعام كوسيلة للمكافأة أو العقاب.
وشدد الشواي على أن تغيير هذه المفاهيم يحتاج إلى وقت وصبر، خاصة لدى الأسر التي اعتادت هذا الأسلوب التربوي لسنوات طويلة، لافتاً إلى أن الأهم هو البدء في تصحيح الممارسات تدريجياً وعدم الشعور بالذنب تجاه الأخطاء السابقة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الأسرة هي الأساس في تشكيل العلاقة الصحية مع الطعام منذ السنوات الأولى من عمر الطفل، داعياً الآباء والأمهات الذين يواجهون صعوبة في التعامل مع سلوكيات أبنائهم الغذائية أو لديهم مخاوف بشأن عاداتهم الغذائية إلى استشارة أخصائي في التغذية أو تعزيز الصحة، لوضع خطة مناسبة تساعد الطفل على بناء علاقة سليمة مع الطعام تستمر معه طوال حياته.