لم يكن الغدر يوماً مجرد هفوة سياسية في تاريخ طهران، بل هو نهج دائم للنظام الإيراني الذي يقتات على الصراعات والأزمات، وتتضح هذه الحقيقة بأبشع صورها في الموقف الإيراني تجاه دول الخليج العربي، فبينما تقف المنطقة اليوم على صفيح ساخن بفعل الحرب الدائرة، وتتحرك العواصم الخليجية بكل ثقلها الدبلوماسي والإنساني لإطفاء نيران الحرب وحماية الأبرياء، تواصل طهران العبث بأمن المنطقة، مبرهنةً -للمرة الألف- أنها لا تقيم وزناً لعهود، ولا تحترم ميثاقاً، ولا تفقه شيئاً عن مبدأ «حسن الجوار».
المتأمل في تاريخ السلوك الإيراني مع جيرانه في الخليج العربي يدرك سريعاً أننا لا نتعامل مع دولة مؤسسات تحكمها القوانين والمواثيق الدولية، بل مع «نظام مختل» يتخذ من الأكاذيب السياسية سلاحاً، ومن نكث العهود أسلوب حياة. فمنذ عقود طويلة لم تترك طهران اتفاقية إلا ونقضتها، ولا بادرة حسن نية خليجية إلا وقابلتها بالعداء والمؤامرات، حيث دأبت أجهزتها الاستخبارية والأيديولوجية على محاولات اختراق المجتمعات الخليجية الشقيقة وتجنيد الخلايا الإرهابية لزعزعة الاستقرار الداخلي من جهة، وممارسة الخداع الدبلوماسي من جهة أخرى، عبر توقيع اتفاقيات التهدئة نهاراً والتحضير لعمليات تخريبية في غسق الليل، وتواصل إيران تحريض أذرعها الإرهابية المنتشرة في اليمن والعراق ولبنان لزعزعة استقرار الممرات المائية الدولية، وتهديد أمن الخليج بشكل مباشر.
وفي خضم الحرب المشتعلة التي تشهدها المنطقة حالياً، وفي الوقت الذي يتطلب فيه الوضع الإقليمي أعلى درجات المسؤولية والتعقل لحقن الدماء، تُصر طهران على لعب دور «مُشعِل الحرائق» فالسياسة الإيرانية الراهنة تجسد بوضوح استغلال قضايا المنطقة العادلة كأوراق ضغط وأدوات للمساومة الإقليمية والدولية، دون أدنى مبالاة بالأثمان الباهظة التي تدفعها شعوب المنطقة من دمائها واستقرارها ومستقبل أجيالها، كما أن هذا السلوك يثبت بالدليل القاطع أن طهران تحاول تصدير أزماتها الاقتصادية والسياسية الخانقة هرباً من واقعها الداخلي المتآكل.
لقد أثبتت التجربة الطويلة والمؤلمة أن لغة الدبلوماسية الهادئة وسياسة احتواء الأزمات التي تنتهجها دول الخليج العربي لم تُقابل من الجانب الإيراني إلا بمزيد من التصعيد والمراوغة، مما يجعل من الاستمرار في تصديق الوعود الإيرانية المعسولة في المؤتمرات الدولية ضرباً من الوهم والسراب.
إن طبيعة النظام الإيراني القائمة على فكرة «تصدير الثورة» والتدخل السافر في شؤون الآخرين تجعله عاجزاً عن التعايش السلمي الحقيقي مع محيطه، حيث يظل مبدأ «حسن الجوار» بالنسبة له مجرد تكتيك مؤقت لامتصاص الصدمات عندما تشتد عليه الضغوط الدولية، وما إن يستعيد أنفاسه حتى يعود لممارسة هوايته المفضلة في الغدر والخيانة.
لذلك، لم يعد هناك متسع للمجاملات السياسية أو التغاضي عن الخروقات الإيرانية المستمرة، إذ يتطلب حفظ الأمن القومي الخليجي مواجهة هذا السلوك العدائي بكل حزم وقوة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية كافة. وعلى المجتمع الدولي أن يعي جيداً أن الخطر الإيراني ليس تهديداً محلياً عابراً، بل هو سرطان حقيقي يستهدف شريان الاقتصاد العالمي، واستقرار المنطقة بأكملها، وقد آن الأوان لتدرك طهران أن العبث بأمن الخليج العربي خط أحمر ستتحطم عليه كل أوهام الفوضى والإرهاب.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي