قال الخبير واستشاري التربية الخاصة ومدير مركز «معاً» للتربية الخاصة د. أسامة أحمد مدبولي إن كثيراً من أولياء الأمور يظنون مع بداية الإجازة الصيفية أن أبناءهم يستحقون التوقف الكامل عن التعلم بعد عام دراسي طويل، إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على الأطفال من ذوي الإعاقة، وبصفة خاصة الأطفال من ذوي متلازمة داون واضطراب طيف التوحد، موضحاً أن الصيف بالنسبة لهم لا يمثل فترة للانقطاع، بل فرصة ذهبية لتعزيز المهارات والمحافظة على المكتسبات وتنمية جوانب جديدة من الشخصية والقدرات بعيداً عن ضغوط الدراسة التقليدية.
وأضاف في تصريحات لـ«الوطن» أن العملية التعليمية في التربية الخاصة لا تقتصر على القراءة والكتابة والحساب، وإنما تشمل بناء اللغة، وتنمية التواصل، وتعزيز الاستقلالية، وتحسين المهارات الحركية، وتطوير السلوك، واكتساب المهارات الاجتماعية والحياتية، مؤكداً أن جميع هذه المهارات تحتاج إلى الاستمرارية، لأن الانقطاع الطويل قد يؤدي إلى تراجع واضح في مستوى الطفل، وهو ما يعرف تربوياً بـ«فقدان المكتسبات»، حيث يحتاج الطفل بعد انتهاء الإجازة إلى أسابيع وربما أشهر لاستعادة ما تعلمه سابقًا.
وأشار إلى أن أهمية البرامج الصيفية التي تقدمها المراكز المتخصصة تنبع من أنها لا تعتمد على المناهج الدراسية التقليدية، بل تقدم التعلم في صورة أنشطة ممتعة، وألعاب هادفة، وتجارب حياتية واقعية تجعل الطفل يتعلم وهو يستمتع، ويكتسب الخبرة دون أن يشعر بأنه داخل فصل دراسي.
وتابع أن بعض المراكز المتخصصة، مثل مركز «معاً» للتربية الخاصة، تقدم برامج صيفية متكاملة تجمع بين التدريب والتأهيل والترفيه، من خلال خطط فردية تراعي احتياجات كل طفل، وتستثمر فترة الصيف في تطوير قدراته اللغوية والإدراكية والحركية والاجتماعية، مع توفير بيئة آمنة ومحفزة تساعد الطفل على مواصلة النمو والتقدم.
وأكد أن أخطر ما يهدد أطفال اليوم خلال الإجازة الصيفية هو الإفراط في استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ووسائل التواصل الاجتماعي، مبيناً أن الطفل الذي يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة يتحول تدريجياً من متعلم نشط يكتشف العالم ويتفاعل معه إلى متلقٍ سلبي يستهلك المحتوى دون مشاركة حقيقية.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور مصطلح «التوحد الرقمي»، وهو مصطلح يستخدم لوصف مجموعة من المشكلات السلوكية والتواصلية التي قد تظهر لدى بعض الأطفال نتيجة التعرض المفرط للشاشات في سنوات النمو المبكرة، وليس باعتباره تشخيصاً طبياً مستقلاً، وتشمل هذه المشكلات ضعف التواصل البصري، وتأخر اللغة، وقلة التفاعل الاجتماعي، وزيادة السلوكيات النمطية، وضعف الانتباه والتركيز.
وأضاف أن حماية الطفل من الإدمان الرقمي لا تتحقق بمجرد منع الأجهزة الإلكترونية، وإنما بتوفير بدائل حقيقية تشبع حاجاته للحركة واللعب والتفاعل والاكتشاف، وهو ما توفره البرامج الصيفية المنظمة داخل مراكز التربية الخاصة.
وأشار إلى أن البرامج الصيفية الناجحة لا تعتمد على الترفيه فقط، وإنما تبني المهارات بطريقة عملية ومدروسة.
ولفت إلى أنه في جانب المهارات الحركية الكبرى يمكن تنفيذ أنشطة المشي اليومي، والجري، وركوب الدراجات، والسباحة، وألعاب الحواجز، حيث تساعد هذه الأنشطة على تحسين التوازن، وتقوية العضلات، وتنمية التخطيط الحركي، وهو أمر بالغ الأهمية للأطفال من ذوي متلازمة داون الذين قد يعانون من ارتخاء العضلات، وكذلك لأطفال التوحد الذين يحتاجون إلى تنظيم الحركة والطاقة. وأضاف أن المهارات الحركية الدقيقة تشمل التدريب على القص واللصق، والتلوين، والرسم، والعجين والصلصال، وتركيب المكعبات، واستخدام الملقاط لنقل الخرز أو الكرات الصغيرة، وربط الأزرار والسحابات، وجميعها أنشطة تنمي قوة الأصابع، وتساعد على تحسين الكتابة مستقبلاً، وتزيد من استقلالية الطفل في حياته اليومية.
وأشار إلى أن من أهم البرامج التي ينبغي التركيز عليها أيضاً أنشطة التآزر البصري الحركي، والتي تعتمد على الربط بين ما تراه العين وما تنفذه اليد، مثل التقاط الكرة، والرمي نحو هدف محدد، وألعاب المطابقة، والبازل، والخيط والخرز، والألعاب التعليمية التي تتطلب التنسيق بين العين واليد، مؤكداً أن هذه المهارات تمثل أساساً مهماً للقراءة والكتابة واستخدام الأدوات المدرسية. وتابع أن الصيف هو الوقت الأمثل لتعليم الطفل مهارات الحياة اليومية، لأنها تمارس في مواقف حقيقية بعيدًا عن ضغوط الحصة الدراسية. وأوضح أنه يمكن تدريب الطفل على ارتداء الملابس، وترتيب غرفته، وإعداد وجبة خفيفة، وغسل اليدين، وتنظيف الأسنان، وترتيب حقيبته، والتسوق البسيط، واستخدام النقود، والالتزام بالطابور، وطلب المساعدة بطريقة مناسبة، واحترام الدور، مبيناً أن هذه مهارات قد تبدو بسيطة لكنها تمثل حجر الأساس للاستقلالية والاعتماد على النفس.
وأضاف أن الرحلات الميدانية إلى الحدائق والمتاحف والأسواق والمكتبات وأماكن الترفيه تمثل فرصاً تعليمية حقيقية، حيث يتعلم الطفل قواعد السلامة، وآداب التعامل، والانتظار، والتواصل مع الآخرين، واستخدام اللغة في مواقف حياتية واقعية.
وأشار إلى أن الإجازة الصيفية تمثل فرصة ثمينة لتوسيع دائرة العلاقات الاجتماعية للأطفال من ذوي الإعاقة، خاصة أولئك الذين يعانون من العزلة أو صعوبات التواصل.
وقال د. مدبولي إن الأنشطة الجماعية، والألعاب التعاونية، والمسرح، والتمثيل، والقصص، والمسابقات، والأعمال التطوعية البسيطة، تساعد الطفل على تعلم المشاركة، واحترام الآخرين، والعمل ضمن فريق، والتعبير عن المشاعر، وحل المشكلات، وبناء الثقة بالنفس.
وأضاف أن وجود الطفل وسط أقرانه في بيئة تدريبية منظمة يقلل من السلوكيات غير المرغوبة، ويزيد من فرص التعلم بالملاحظة والتقليد، وهما من أهم أساليب التعلم لدى الأطفال.
وأكد أن نجاح البرامج الصيفية، مهما بلغت جودتها، يعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الأسرة مع المركز، موضحاً أن المطلوب من الوالدين ليس مجرد تسجيل الطفل في البرنامج، وإنما متابعة تنفيذ الأنشطة داخل المنزل، وتقليل وقت استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتشجيع الطفل على الحركة والقراءة واللعب والتفاعل الاجتماعي، وتعزيز كل تقدم يحققه مهما كان بسيطاً.
وأشار إلى أنه ينبغي أيضاً أن يكون هناك تواصل مستمر بين الأسرة والأخصائيين لتبادل الملاحظات وتوحيد أساليب التدريب، حتى يشعر الطفل بالاستقرار، ويحقق أفضل النتائج.
واختتم بالتأكيد على أن الصيف ليس فترة فراغ، بل موسم استثماري حقيقي في حياة الأطفال من ذوي الإعاقة، وأن كل يوم يقضيه الطفل في نشاط هادف يضيف إلى شخصيته مهارة جديدة، ويقربه خطوة من الاستقلالية والاندماج في المجتمع، مبيناً أن الاستثمار في البرامج الصيفية المتخصصة هو استثمار في مستقبل الطفل، وحماية له من العزلة والإدمان الرقمي، وفرصة لبناء جيل أكثر قدرة على التعلم والإنتاج والتفاعل، مؤكداً أن الأطفال من ذوي متلازمة داون واضطراب طيف التوحد لا يحتاجون إلى إجازة من التعلم، بل يحتاجون إلى تعليم مختلف، ممتع، وواقعي، يجعل من كل يوم في الصيف خطوة جديدة نحو مستقبل أكثر إشراقاً، ويؤكد أن التربية الخاصة ليست تعليماً موسمياً، وإنما رحلة مستمرة لصناعة الإنسان وتمكينه من الوصول إلى أقصى ما تسمح به قدراته وإمكاناته.