كثيراً ما يتردد تحت قبة مجلس النواب، سواء أثناء مناقشة مشاريع القوانين أو عند ممارسة الدور الرقابي، مصطلح «شبهة عدم الدستورية». وما إن يُطرح هذا الوصف حتى تتجه الأذهان مباشرة إلى أن القانون أو المقترح التشريعي يشوبه خلل قانوني جسيم، أو أنه قد وُلد معيباً قبل أن يرى النور. لكن هل ندرك حقاً ما الذي يختبئ داخل هذا المكعب الدستوري؟ وهل يكفي مجرد وصف قانون ما بأنه «يشوبه شبهة عدم الدستورية» حتى يصبح في حكم العدم؟
أشبه شبهة عدم الدستورية برجلٍ وُضع في المكان غير المناسب، أو بمن يحمل شهادة في الهندسة الميكانيكية ويجلس على كرسي طبيب ليجري العمليات الجراحية. فقد يبدو كل شيء من الخارج طبيعياً، لكن جوهر الاختصاص مفقود، والنتيجة مهما بدت سليمة تظل معرضة للانهيار عند أول اختبار. فالمسألة لا تتعلق بالشكل، وإنما بالمشروعية التي يقوم عليها البناء بأكمله.
ولعل السؤال الأهم هو: على أي أساس يقوم مبدأ شبهة عدم الدستورية؟ وإلى أي مدى يؤثر في سلامة القرار السياسي الذي يصدر عن السلطة التشريعية؟
للإجابة عن ذلك، لا بد أولاً من العودة إلى الفلسفة التي قامت عليها الدولة الدستورية الحديثة. فمنذ أن بدأت الديمقراطيات الحديثة تتبلور، لم يعد البرلمان سلطة مطلقة الإرادة، بل أصبح يمارس اختصاصاته في إطار عقدٍ أعلى هو الدستور، ومن هنا نشأ أحد أهم المبادئ الدستورية، وهو مبدأ سمو الدستور، الذي يجعل الدستور في قمة الهرم القانوني، بحيث تستمد جميع القوانين واللوائح والقرارات مشروعيتها منه، لا من الأغلبية البرلمانية وحدها.
فالبرلمان، مهما بلغت شرعيته الشعبية، لا يملك أن يتجاوز الحدود التي رسمها الدستور؛ لأنه يعمل بموجب الدستور وليس فوق الدستور وبالتالي فإن الأغلبية البرلمانية لا تكفي وحدها لإضفاء المشروعية على أي قانون إذا تعارض مع نص أو مبدأ دستوري.
ومن المبادئ التي كثيراً ما يغفل عنها غير المختصين مبدأ المشروعية الدستورية، فالقانون لا يكون صحيحاً لمجرد استيفائه إجراءات التصويت أو موافقة الأغلبية عليه، بل يجب أن يكون سليماً من حيث الاختصاص والإجراءات والشكل والموضوع. فقد يولد القانون مكتمل الأركان من الناحية الإجرائية، لكنه يصطدم بحق دستوري أو بمبدأ دستوري أصيل، فتثور بشأنه شبهة عدم الدستورية.
وهنا يبرز تساؤل يطرحه البعض: أليس تدخل المحكمة الدستورية في إلغاء قانون أقره البرلمان تدخلاً في إرادة الشعب؟
والإجابة أن القضاء الدستوري لا ينافس البرلمان في وظيفته، ولا يصادر إرادة المشرع، وإنما يطبق مبدأً دستورياً راسخاً هو الفصل بين السلطات مع قيام التوازن والرقابة المتبادلة بينها. فالمحكمة الدستورية لا تشرّع، وإنما تحرس الحدود التي رسمها الدستور، تماماً كما يحرس الجنود حدود الدولة.
ولهذا لم تُنشأ الرقابة على دستورية القوانين لتكون عقبة أمام العمل التشريعي، بل لتكون ضمانة له. فوجود رقابة دستورية فعالة يدفع المشرع إلى تحسين جودة التشريع، ويعزز ثقة المجتمع بأن القوانين لا تُقاس بعدد الأصوات التي أُقرت بها، وإنما بمدى توافقها مع أحكام الدستور ومبادئه.
كما أن من المبادئ الدستورية الحديثة التي تكتسب أهمية متزايدة مبدأ الأمن القانوني، والذي يعني أن تكون القواعد القانونية واضحة ومستقرة ويمكن للأفراد توقع آثارها. لذلك فإن إصدار قوانين تحوم حولها شبهة عدم الدستورية يخلق حالة من عدم اليقين، ويضع الأفراد والإدارة أمام تساؤلات مستمرة حول مصير تلك النصوص، وهو ما يتعارض مع استقرار المراكز القانونية.
وفي المقابل، فإن كثيراً من شبهات عدم الدستورية لا تنشأ بسبب خطأ إجرائي، وإنما بسبب مساس التشريع بحقوق وحريات كفلها الدستور، كالمساواة، والحق في التقاضي، وحماية الملكية الخاصة، والحقوق والحريات العامة. فالدستور لم يورد هذه الحقوق على سبيل الترف التشريعي، وإنما جعلها قيوداً لا يجوز للمشرع تجاوزها مهما كانت دوافعه أو أهدافه.
ورغم كل ما سبق، فإن من الضروري تصحيح مفهوم شائع داخل الأوساط القانونية والسياسية، وهو الاعتقاد بأن مجرد إثارة شبهة عدم الدستورية تعني سقوط القانون أو انعدامه. والحقيقة أن القوانين تتمتع بما يسمى قرينة الدستورية؛ فهي تظل صحيحة ونافذة ومنتجة لجميع آثارها القانونية إلى أن تصدر المحكمة الدستورية حكماً يقضي بعدم دستوريتها. فالشبهة ليست حكماً، والجدل الدستوري ليس إلغاءً، وإنما هو طريق قانوني ينتهي بحكم قضائي ملزم.
أما إذا صدر الحكم بعدم الدستورية، فإن ذلك لا يمثل هزيمة للسلطة التشريعية، ولا انتصاراً للسلطة القضائية، بل هو إعادة للنظام القانوني إلى مساره الصحيح، وإزالة للنص الذي فقد سنده الدستوري. فالمحكمة الدستورية لا تعيد كتابة القانون، وإنما تعيد التأكيد على أن الدستور يظل المرجع الأعلى الذي تستمد منه جميع السلطات شرعيتها.
ولعل هذا هو السر الكامن داخل مكعب شبهة عدم الدستورية؛ فهو ليس مصطلحاً سياسياً يُستخدم في النقاشات البرلمانية، ولا سلاحاً لتعطيل التشريعات، بل هو منظومة متكاملة من المبادئ الدستورية التي تحافظ على التوازن بين الإرادة الشعبية وسيادة الدستور. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بكثرة القوانين التي يصدرها البرلمان، وإنما بقدر احترام تلك القوانين للدستور الذي منح البرلمان ذاته شرعية وجوده.
فالدستور ليس مجرد وثيقة تُفتتح بها الدول عهودها السياسية، وإنما هو البوصلة التي لا يجوز لأي سلطة أن تنحرف عنها، وهو الحارس الصامت الذي يظل فوق الجميع، ويذكر السلطات كافة بأن الشرعية تبدأ منه.. وتنتهي إليه.