ليست كل زيجة ناجحة بدأت بقصة حب، وليست كل علاقة انتهت بالفشل كانت تفتقر إلى المشاعر. فالحياة الزوجية لا تُبنى على العاطفة وحدها، وإنما على حسن الاختيار، والتوافق في القيم، والقدرة على تحمل مسؤولية الشراكة. لذلك جعل الإسلام اختيار الكفء الخطوة الأولى في بناء الأسرة، لأن البداية الصحيحة كثيراً ما تقود إلى نهاية مستقرة.
لقد نظر الإسلام إلى الزواج بوصفه ميثاقاً غليظاً ورسالة إنسانية، غايتها تحقيق السكن والمودة والرحمة، لا مجرد ارتباط بين شخصين. ومن هنا جاءت معايير الاختيار واضحة؛ فالكفاءة الحقيقية لا تُقاس بالمال أو الجاه أو المظهر، وإنما بالدين، وحسن الخلق، ورجاحة العقل، والقدرة على تحمّل المسؤولية. فهذه الصفات هي التي تمنح الأسرة مناعتها أمام تقلبات الحياة، وتُبقي الاحترام قائماً حتى عند الاختلاف.
ويقدّم التاريخ الإسلامي أرقى نموذج لهذه الكفاءة في زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث اجتمع الإيمان والعلم والطهر والخلق الكريم، فكان بيتهما منارةً في المحبة والتعاون والتضحية.
وقد روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لولا أن الله خلق أمير المؤمنين لفاطمة، ما كان لها كفؤ على وجه الأرض»، في إشارة إلى أن الكفاءة الحقيقية تنبع من التكامل الروحي والأخلاقي، لا من الاعتبارات المادية الزائلة.
وفي واقعنا المعاصر، تؤكد الدراسات الاجتماعية أن كثيراً من حالات الانفصال لا تعود إلى حادثة واحدة، بل إلى غياب التوافق الفكري والقيمي منذ البداية. فحين يختلف الزوجان في المبادئ، أو في أسلوب الحوار، أو في فهم مسؤوليات الأسرة وتربية الأبناء، تتسع فجوة الخلاف مع مرور الوقت، حتى يصبح استمرار العلاقة أكثر صعوبة.
وتكشف الإحصاءات الرسمية من المحاكم الشرعية في مملكة البحرين أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق وقعت بين زوجين بحرينيين، كما سجلت الزيجات التي تجاوزت خمسة عشر عاماً معدلات مرتفعة من الانفصال، وهي أرقام تدعو إلى إعادة النظر في ثقافة الاختيار والاستعداد للزواج، وعدم الاكتفاء بالمظاهر أو الاعتبارات المؤقتة عند اتخاذ هذا القرار المصيري.
إن بناء الأسرة يبدأ قبل عقد الزواج، ويبدأ تحديداً من اختيار الشريك الذي يشاركك القيم قبل الطموحات، والأخلاق قبل المصالح، والاحترام قبل المشاعر العابرة. فالكفاءة ليست لقباً اجتماعياً، ولا ثراءً مالياً أو وساماً علمياً، بل انسجام في المبادئ، ونضج في التفكير، واستعداد صادق لتحمل مسؤولية الحياة.
وحين يكون الاختيار قائماً على هذه الأُسس، يصبح الزواج مشروع بناء لا تجربة قابلة للفشل، وتصبح الأسرة أكثر قدرة على تربية جيل متوازن، لأن المجتمع المستقر لا يُبنى إلا بأسر مستقرة، والأسرة المستقرة تبدأ دائماً... باختيار الشخص الكفء.