ليست قيمة الخطاب السياسي في ارتفاع نبرته، بل في قدرته على كشف الهوة بين الشعار وخبث الأفعال. ومن هذا المنظور، جاءت كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى
آل خليفة ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، خلال التمرين الخليجي المشترك «درع البحرين»، لتتجاوز سياق المناسبة العسكرية إلى مساءلة أخلاقية وسياسية مباشرة للخطاب الإيراني. فكيف ينسجم التشدّق بفضائل الإسلام مع ممارسات تُبقي الجوار الإقليمي رهينة القلق والريبة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تستدعي، في خطابها الرسمي، مفردات مثل وحدة الأمة، نصرة المستضعفين، مقاومة الظلم، الدفاع عن الكرامة الإسلامية. وهي قيم سامية في أصلها، لا يختلف على نبلها مسلم ولا إنسان منصف. إلا أنها بأفعالها من تسليع قبيح لهوية مشروعها الاثني الطائفي تعبر عن ازدراء لكل ما يعنيه الإسلام من مكارم خُلق الدولة.
إن تسليع هوية النظام «إسلامياً» عبر تجزئه القيم وفق مقتضيات مصالحه؛ فيرفع شعار العدالة حين يخدم الخطاب، ويُهمل حين يتصل بحقوق الجار. وتُستحضر وحدة المسلمين في المنابر، ثم تُوغل في دم جوارها. وتتحدث عن نصرة المستضعفين، فيما تتحول دول المنطقة إلى ساحات صراع، تدفع شعوبها من أمنها وازدهارها ومستقبل أجيالها ثمن حسابات استدامة نفوذها.
فكيف يستقيم الحديث عن الأخوّة الإسلامية إذا صار الانتماء المذهبي وسيلةً للتأثير العابر للحدود؟ وكيف تُستدعى فضائل الدين لتبرير خطاب سياسي، ثم تُغفل عندما يتعلق الأمر بحُرم الجوار. إن الدين الذي يأمر بالإصلاح لا يبرر الفتنة، والذي يدعو إلى العدل لا يشرّع التعدي، والذي جعل للجار حقاً لا يقبل أن يتحول الجوار إلى مصدر تهديد دائم.
وتزداد المفارقة وضوحاً أمام التاريخ الإسلامي المشترك؛ فقد أسهم الفرس، بعد دخولهم الإسلام، إسهاماً عظيماً في علومه وحضارته وفكره. وكان الأجدر بهذا الإرث أن يرسخ مسؤولية حضارية ممتدة تجاه ما تدعيه أمة، لا أن يُستبدل به نموذج يكرس قداسة عرش طائفي مقيت.
البحرين لا تغلق باب الحوار، ولا ترفض علاقات تقوم على الاحترام المتبادل، لكنها لا تقبل أن يتحول حرصها على السلام إلى صمت عن المساس بسيادتها أو أمن مواطنيها. ومن هنا جاء تذكير جلالة الملك حفظه الله ورعاه، للقيادة السياسية الإيرانية واضحاً في معناه؛ لا يكفي ادعاء فضائل الإسلام والعرب من أدخلكم الإسلام، بل الواجب أن يرى من جواركم حسنه، أو اختبار فعل جوهرنا الأبلغ عند اصطكاك الحديد.
وظهور جلالته في حلته العسكرية دلالة مكثفة، فيد الوائلي الممدودة للسلام، هي أبلغ معاني القوة، وقد اختبرت طهران ذلك. وحسن الجوار سيُفرض إن استمرأت طهران سوء تقدير قراءة الموقف العربي الخليجي. فلا حسن جوار بلا احترام، ولا حسن خُلق بلا صدق، ولا هوية إسلامية صادقة تُبنى على تسليع الدين أو مناقضة فضائله.