يموت المرء مرتين. مرةً عندما يرحل مَن يحبه، والمرة الأخرى عندما ترحل الروح إلى خالقها. لكنني -عندما زرت جدتي- اكتشفت نوعاً آخر من الموت الذي لا يأتي دفعة واحدة، ولكنه يحوم طويلاً حول قلوبنا، فنعيش معه جنازة متجددة لا نملك معها رفاهية الحزن دفعة واحدة!
زرتها بعد إصابتها بالزهايمر مؤخراً. جلست أمامها، حَدَقّت في وجهي وكأنها تبحث عن قصاصة صغيرة بين كومة أوراق، ثم سألتني بابتسامة المتوترة: مَن أنتِ؟ في تلك اللحظة شعرت أن طفولتي سُلبت مني، وأن ذكرياتي معها ذَرَتها الريح!
حاولت أن أعيد عليها القصص التي كانت ترويها، والأطباق التي كانت تعدها لنا، والذكريات التي عشناها، دون جدوى. كانت تكتفي بالابتسام وهز الرأس. أدركت على مضض أنني لا أحاول أن أعيد ذاكرتها فحسب، بل أحاول استعادتها بقوة من أيدي النسيان.
منذ ذلك الحين، عرفت مدى هشاشة الإنسان، وكيف يمكن لخلية صغيرة معطلّة في الدماغ أن تغير مصير عائلة بأكملها، وأن سؤالاً مثل: مَن أنتم؟ قادر على نسف فصولاً من طفولتك وتاريخك، ويجعلك في مواجهة مؤلمة مع أبعاد هذا السؤال (مَن أنت)، لأنه يعني أنك لم تعد موجوداً في ذاكرة من تحب.
الزهايمر لص خبيث، يسرق الذكريات ويُبقي الجسد شاهداً على هذه السرقة. وما أقسى أن تشتاق إلى شخص يجلس أمامك ولا تستطيع في الوقت نفسه الوصول إليه.
ومع ذلك، ترك المرض شيئاً لم يستطع سرقته. فبالرغم من نسيانها مَن أكون، كانت لا تنسى أن تبتسم لي وتربت على كتفي وتطعمني من طعامها، وكأن الزهايمر عصّي على قلبها! وهذا ما منحني الطمأنينة بأن لقلبها ذاكرة لا تنسى.
في المقابل، هناك زهايمر اختياري، يختاره الإنسان طواعية عندما يقرر أن يمحوا أشخاصاً كانوا في حياته، ويُنهي عمراً من الذكريات المشتركة. فالصور والهدايا، والرسائل كلها موجودة، ولكنها أصبحت -كما أحب أن أسميها- «منزوعة القيمة».
ولعل أقسى ما في الحكاية أن النسيان حين يأتي بسبب المرض يثير فينا الرحمة والشفقة، أما حين يأتي طواعية من قبل البشر، فإنه يترك في القلب سؤالاً لا يشيخ أبداً: كيف يستطيع إنسان أن يدفن ذاكرةً كاملة، ثم يمضي وكأن أحداً لم يعش في قلبه يوماً؟
ولذلك، لم أعد أخشى فقدان ذاكرتي أنا أيضاً، فهاجسي الأكبر هو أن أصبح ذكرى من السهل على الآخرين إسقاطها من ذاكرتهم، وكأنني لم أكن موجودة في يوم ما.