أقام مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء اليوم الأحد، حفل تأبين الشاعر والأديب علي عبدالله خليفة رحمه الله، مؤسس المركز ورئيس مجلس إدارته، استذكارًا لمسيرته الثقافية والوطنية الحافلة بالعطاء، وإرثه الأدبي والإنساني الذي ترك أثرًا راسخًا في مملكة البحرين والخليج والوطن العربي، وذلك بحضور معالي السيد علي بن صالح الصالح رئيس مجلس الشورى، والأستاذة هالة محمد جابر الأنصاري مستشار جلالة الملك المعظم للشؤون الثقافية والعلمية، وعدد من كبار المسؤولين والمثقفين والأدباء.

واستعرض الحفل جوانب من مسيرة الراحل وإسهاماته في الأدب والشعر والتراث والعمل الثقافي المؤسسي، من خلال كلمات وشهادات قدمها عدد من المسؤولين والمثقفين والأدباء وأفراد عائلته وأصدقائه، إلى جانب عرض فيلم وثائقي تناول أبرز محطات حياته ومنجزه الثقافي، وفقرات استحضرت جانبًا من تجربته الشعرية والإبداعية.

وفي مستهل كلمات التأبين، أكدت الدكتورة معصومة المطاوعة، الأمين العام لمركز عبدالرحمن كانو الثقافي، أن الراحل لم يكن مجرد شاعر وأديب، بل كان مشروعًا ثقافيًا وطنيًا متكاملًا آمن بأن الثقافة مسؤولية والكلمة رسالة، مشيرةً إلى أن ما زرعه في المركز سيبقى حيًا في كل مشروع وإنسان ألهمه، وأن المركز سيواصل رسالته بوصفه بيتًا للمثقفين والمبدعين كما أراده مؤسسه. وأعلنت تسمية القاعة الرئيسة في المركز اعتبارًا من اليوم «قاعة علي عبدالله خليفة»، وفاءً لمؤسس هذا الصرح الثقافي وعرفانًا بعطائه.

ومن جانبها، استحضرت مؤسسة عبدالرحمن كانو للأعمال الخيرية، ممثلةً في الأستاذ طارق عبداللطيف كانو، في كلمة ألقاها نيابةً عنه الأستاذ محمد درويش، العلاقة التي جمعت الراحل بالسيد عبدالرحمن جاسم كانو، وما قامت عليه من ثقة وإيمان مشترك بأهمية الثقافة ودورها في خدمة الوطن، مؤكدةً أن علي عبدالله خليفة كرّس أكثر من ستة عقود لخدمة الأدب والثقافة والتراث، وحرص على أن يكون مركز عبدالرحمن كانو الثقافي بيتًا مفتوحًا للجميع ومنصة للحوار وملتقى للمبدعين، وأن تبقى إسهاماته وأشعاره وبحوثه ومبادراته شاهدًا على عطائه.

وفي السياق ذاته، أشادت الأستاذة هالة محمد جابر الأنصاري، مستشار جلالة الملك المعظم للشؤون الثقافية والعلمية، بالمسيرة الأدبية والفكرية للراحل، مؤكدةً أن أعماله الشعرية أسهمت في إثراء المشهد الثقافي الوطني والخليجي، وأنه كان من رواد نهضة الشعر الحديث وحارسًا أمينًا للثقافة الشعبية، كما أبرزت دوره رحمه الله في إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي وتحويله إلى فضاء لاحتضان الفكر والإبداع، مؤكدةً أن المملكة فقدت برحيله صوتًا ثقافيًا ظل وفيًا لوطنه ومؤمنًا بقدرة الكلمة على صناعة الأمل.

وتواصلت الشهادات باستذكار إسهاماته في حفظ التراث وتعزيز الهوية الوطنية، حيث أكدت هدى العلوي، مديرة إدارة الثقافة بهيئة البحرين للثقافة والآثار، أن الراحل كان أحد أعمدة الثقافة والأدب في البحرين، وأسهم في إثراء التراث الوطني ورفع اسم المملكة على الصعيدين العربي والدولي. وأشارت إلى توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بإصدار كتاب يوثق نتاجه الشعري والأدبي، إلى جانب الأمر الملكي السامي بتسمية أحد شوارع محافظة المحرق باسمه، تقديرًا لعطائه الأدبي والثقافي وإسهاماته الوطنية، مؤكدةً أن إرثه سيظل منارةً تلهم الأجيال.

وانتقلت كلمات التأبين إلى الجانب الإنساني والعائلي من مسيرة الراحل، حيث استذكر الأستاذ خالد عبدالله خليفة، شقيق الراحل، مسيرة شقيقه الممتدة لأكثر من ستة عقود، وما تميز به من عطاء في الشعر والثقافة والفنون وصون التراث والعمل المؤسسي، إلى جانب دوره الوطني ومساهماته في الأغنية الوطنية البحرينية.

ومن خارج مملكة البحرين، حملت الكلمات استذكارًا لإسهامات الراحل في المشهد الثقافي والتراثي الخليجي والعربي، حيث أشاد الدكتور عبدالعزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث، بالشاعر والأديب علي عبدالله خليفة بوصفه قامة من قامات الثقافة العربية ورمزًا من رموز التراث الإنساني، مستذكرًا دوره رحمه الله في تدريب جيل من الباحثين وتأسيس المشاريع والمؤسسات التراثية، ومنها مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية ومجلة «الثقافة الشعبية»، ومؤكدًا أنه ترك منهجًا في العمل وقناعةً بأن التراث ليس ماضيًا يُرثى وإنما مستقبل يُبنى.

وفي إطار استحضار أثره في الحركة الأدبية البحرينية، قدّم الدكتور راشد نجم، رئيس مجلس إدارة أسرة الأدباء والكتاب، قصيدة شعرية عن مسيرة الراحل وذكرياته معه، معبرًا عن مشاعر الوفاء والتقدير لما تركه من أثر في الأدب والثقافة البحرينية.

كما استعاد الدكتور رياض يوسف حمزة، رئيس الجامعة الملكية للبنات وعضو لجنة التحكيم في جائزة عيسى لخدمة الإنسانية سابقًا، بدايات تعرّفه على الراحل من خلال برامجه الإذاعية وديوانه الأول «أنين الصواري»، مشيدًا بعطائه الممتد ستة عقود في الأدب والثقافة والتراث، ودوره في تأسيس المجلات والمراكز والمشاريع الثقافية، إلى جانب إسهاماته في جائزة عيسى لخدمة الإنسانية، مؤكدًا أن علي عبدالله خليفة كان نموذجًا للمثقف البحريني صاحب البوصلة الوطنية التي لا تحيد.

ومن جانبه، استحضر الأستاذ إبراهيم الهاشمي، المدير التنفيذي لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، علاقة امتدت مع الراحل لأكثر من 45 عامًا، بدأت بأول مقابلة صحفية أجراها معه، مؤكدًا ما لمسه فيه من تواضع وإنسانية ووفاء للكلمة وللناس، ومشيرًا إلى أن رحيله يمثل فقدان شاعر كبير وأخ وصديق وإنسان نادر، معربًا باسم المؤسسة والكتاب والأدباء في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة عن خالص العزاء لمملكة البحرين وأسرة الفقيد والأسرة الثقافية العربية.

واختتم الأستاذ عبدالقادر عقيل، الصديق ورفيق الدرب الثقافي، كلمات التأبين، مستذكرًا علاقته بالراحل منذ عام 1974، ومؤكدًا أنه كان شاعر البحرين بامتياز، ومثقفًا جعل من الثقافة رسالة ومن خدمة الوطن أسلوب حياة، مشيرًا إلى إرثه الواسع من المؤسسات والمبادرات والمجلات الثقافية، ومؤكدًا أن أثره سيظل حاضرًا في قصائده ومشاريعه وتلامذته وذاكرة الوطن.

وعلى هامش الحفل، افتتح المركز معرضًا توثيقيًا وفنيًا يسلط الضوء على مسيرة الراحل، ويضم إصداراته الشعرية والفكرية والكتب والدراسات التي تناولت تجربته، إلى جانب لوحات فنية وبورتريهات وأعمال مستوحاة من دواوينه ومنجزه الثقافي، كما خصص المركز سجلًا للوفاء أتاح للحضور تدوين كلماتهم وشهاداتهم في حق الراحل، ليكون وثيقة إنسانية وثقافية تحفظ جانبًا من أثره في نفوس محبيه وتلامذته وأصدقائه.