- الولاء للدولة يجب أن ينعكس على هويتنا.. أنا بحريني قبل كل شيء
- اشتراطات المواكب في إيران أشد من البحرين.. وازدواجية المحرّضين مكشوفة
- موافقات مسبقة ومسارات وأوقات محددة للمواكب بإيران.. فلماذا يُرفض التنظيم في البحرين؟
- المحرّضون لا يستهدفون إجراءً حكومياً بعينه بل يضربون مفهوم الدولة
- العمارات المختلطة "بحرين مصغرة" تجمع المواطنين بمختلف أصولهم وتوجهاتهم
- مدينة عيسى والمحرق نموذجان ناجحان للتعايش داخل الأحياء المختلطة
- الفصل السكني يرسم حدوداً داخل المجتمع.. والمدن المختلطة تهدمها
أكد الكاتب جعفر سلمان أن ما يعدّه المحرّضون «تنظيماً راقياً» في إيران يصورونه «تدخلاً» في المملكة، موضحاً أنهم يلتزمون بشروط المواكب في إيران، فيما يحرّضون على تجاوزها في البحرين.
وقال سلمان في حوار مع «الوطن» إن اشتراطات المواكب في إيران أشد من نظيرتها في البحرين، وتشمل الحصول على موافقات مسبقة والالتزام بمسارات وأوقات محددة، متسائلاً عن أسباب رفض المحرّضين إجراءات التنظيم في المملكة.
وأضاف أن المحرّضين لا يستهدفون إجراءً حكومياً بعينه، بل يسعون إلى ضرب مفهوم الدولة، مؤكداً أن إجراءات الدولة أضعفت قدرة المؤثرين الخارجيين على التحريض في البحرين، مشيراً إلى أن امتدادات القرى كانت فخاً لعزل البحرينيين وتسهيل السيطرة عليهم فكرياً، مشدداً على أن المدن المختلطة ضرورة لتعزيز التلاحم وكسر العزلة المجتمعية، وأن النموذج السنغافوري يمثل أحد الحلول لبناء مجتمعات سكنية متنوعة ومتماسكة.
ولفت إلى أن العمارات المختلطة تمثل «بحرين مصغرة» تجمع المواطنين بمختلف أصولهم وتوجهاتهم، مشدداً على أن الهوية البحرينية تأتي أولاً، وأن الولاء للدولة فوق الخلافات السياسية.
وإلى نص الحوار:
- كيف ترى الإجراءات الرسمية الحكومية المطبقة في مواجهة فكر ولاية الفقيه بعد ما تفضلت به من طرح في الإعلام في البدايات؟
في الواقع الشعور كان عبارة عن ارتياح من باب الاطمئنان بوجود سلطة في البلد واعية لما يجري، سلطة ليست فقط على قدر المسؤولية، بل تعدت ذلك، السلطة تجاوزت واستطاعت أن تتجاوز كل الحساسيات اللي ممكن تكون، وفي الوقت الذي كان مطلوباً منها أن تتخذ قراراً، اتخذت القرار بلا تردد لصالح البلد، لصالح الوطن، لصالح البحرينيين بالكامل، أزيد لصالح الشيعة خصوصاً.
في هذه الأيام، في ناس ممكن مو فاهمين، وأتكلم عن الشارع الشيعي تحديداً، يمكن مو فاهمين الإجراءات، يمكن بعضهم بسبب التأثير الخارجي، بأنها محاربة للمذهب، ومحاربة لخط آل البيت وما إلى ذلك، ولكن أتوقع بعد سنة أو سنتين، أو ثلاث، أتوقع راح يصطفون عشان يبوسون رأس معالي وزير الداخلية على الإجراءات التي طبقها.
الإجراءات اللي طبقها جداً مهمة، والإجراءات اللي أخذتها الدولة في فصل بعض المؤثرين بشكل سلبي عن الشارع الشيعي جداً مهمة، بل وأتت بأكلها، يعني إحنا مثلاً، من متى كنا نتصور مثلاً أن يجي تحريض كبير على إجراءات الدولة في تنظيم المسيرات الدينية، تنظيم الفعاليات الدينية، ومع وجود تحريض كبير، ومع ذلك لا يستجيب للتحريض إلا قلة قليلة جداً، هذا يعطينا إشارة أن المؤثرين في التحريض لم يعودوا متمكنين من الوصول إلى هذا الشارع.
وعموماً أيضاً، هناك تفهم عند الناس، لأننا نتكلم عن حشود كبيرة، عشرات الآلاف، ربما يعني في بعض الفعاليات 100 ألف في أزقة صغيرة، في أماكن صغيرة، في هناك تكدسات، لا بد من تنظيم، لكن مهما عملت الحكومة ومهما عملت السلطات، هناك دائماً من يحرض.
أضرب مثالاً بسيطاً على هؤلاء المحرضين، مثلاً إذا تروح تطالع كيفية خروج المواكب الحسينية في إيران، هناك جهة حكومية، لا بد أنت إذا تريد تطلع موكب، لا بد أن تقدم طلباً للجهة الحكومية عن طريق موقع رسمي، تقرأ الشروط، توافق عليها وتنتظر الموافقة، فإذا حصلت على الموافقة فمسموح لك بالخروج، وفي حال لم تحصل عليها، فليس بإمكانك الخروج.
في إيران كثيراً من ضمن الشروط أن الموكب لا يتجاوز الثانية عشرة ليلاً، إنه ملزم بالسير في شوارع معينة، كذلك ممنوع تسوي مضائف يمين ويسار الموكب، والمضائف، كذلك أي شعار سياسي مخالف لسياسة الدولة، فإن جميع المشاركين في الموكب "ورا الشمس".
هذا موجود في إيران، لكن هؤلاء المحرضين يصفون هذه الإجراءات في إيران باعتبارها تنظيماً راقياً لإدارة الحشود، بينما في البحرين والقيود أقل من إيران يعتبرونها تدخل في الشؤون الدينية ومحاربة للإمام الحسين -عليه السلام- ولخط آل البيت.
الهدف لم يكن دينياً، الهدف هو دائماً تحريض على مفهوم الدولة، ليس تحريضاً على المسؤول الفلاني، بل على مفهوم الدولة، هناك دائماً ضرب في مفهوم الدولة.
-إذا كانت هذه الإجراءات تنظيمية وموجودة في إيران وغيرها من الدول، فمن أين يأتي إخفاء حقيقة عملية التنظيم التي تتم في مختلف الدول؟
هناك مجموعات تشتغل، ولا يجوز التهاون بها، في عملية منظمة جداً، أضرب لك مثالاً شخصياً.
قبل أسبوع تقريباً في "سكاي نيوز" في أبوظبي، جالساً في جلسة نقاشية حوارية على الهواء مباشرة، خلصت، وخرجت من الاستديو، وذهبت إلى المكان الذي يسمونه "الجرين روم"، الذي نجلس فيه كضيوف قبل أن نذهب إلى الاستديو، ونزلت وأخذت سيارة تنتظرني، وأوصلتني إلى الفندق.
المشوار أخذ حوالي 11 إلى 12 دقيقة، وفتحت الهاتف، وإذا بالحلقة التي كنت قبل دقائق أتكلم فيها نزلت بالفعل في "إكس" مقطعة إلى مقاطع، ومعها التعليقات.
هذا يعطينا فكرة عن الذي يحدث "هذا شغل مجموعات" وعمل منظم وما نراه مو شغل فردي، وهو شغل دائماً يأتي من أوروبا. نعم، يأتي من العراق، ويأتي من إيران، لكن الشغل المنظم دائماً من ناس موجودين في أوروبا.
وطبعاً، هذه مثل ما قلت، مجموعات منظمة، مجموعات لها ميزانيات بالتأكيد، وتعمل بشكل منظم ضد دولتنا.
- إذا رجعنا إلى الطرح الذي طرحته قبل أربعة أشهر، ماذا تغير في حياتك شخصياً؟ وهل تغيرت طبيعة التواصل معك؟
هناك قفزة في عدد الذين يتواصلون، وعدد الذين يقولون "شكراً"، وعدد الذين يقولون "أنت تتكلم باسمنا"، وعدد الذين يقولون "شكراً لأنك تقول ما لا نستطيع قوله".
هذه قبل أربعة شهور كانت موجودة، لكن بشكل قليل، واليوم الكثير من أبناء الشارع الشيعي يرغبون في الحديث، ويعبرون عن وطنيتهم.
بدأت بعض الأصوات تخرج حالياً، لكن تأثير 47 سنة من الخوف سيبقى لفترة معينة.
الكل يعرف أن جلالة الملك، الله يحفظه، ما فعله في عام 2000 فتح المدنية على مصراعيها، وانطلق بالانفتاح الديمقراطي الذي حصل في البحرين لمسافات لم يستطع بعض من يدّعون السياسة اللحاق بها.
وأنا لا أؤمن بأن لدينا سياسيين، أو ربما لدينا قلة، في البحرين لدينا ممارسو سياسة، وممارسو السياسة في البحرين لم يستطيعوا اللحاق بالمشروع الإصلاحي.
فجأة هناك برلمان، فجأة هناك ديمقراطية، فجأة هناك حرية تكوين أحزاب، ولو تحت عنوان الجمعيات السياسية، فجأة هناك عقد اجتماعي اسمه الميثاق، فجأة هناك دستور، فجأة هناك كل شيء.
هل هذا الرجل يحكم بطريقة عسكرية؟ طبعاً لا، هذا أب الانفتاح لكن للأسف، من لم يستطع استيعاب الديمقراطية الموجودة في البحرين ساهم في تخريب الديمقراطية.
- ذكرت الشباب الذين كانوا يحملون فكراً معارضاً، وأنت نفسك كنت تحمل فكراً معارضاً، ومررت بتحول فكري كبير، وأصبحت من الشخصيات الوطنية المدافعة عن البحرين وعن دول الخليج، خصوصاً خلال فترة الاعتداءات الإيرانية، وتوجّت بعد ذلك لاستقبال جلالة الملك، حدثني عن هذا التحول، وعن تتويج هذه الرحلة بهذا الاستقبال؟
أبدأ من حيث انتهيت، من استقبال جلالة الملك، كان شيئاً خارج توقعاتي، وخارج حتى أحلامي إذا أردت أن نتكلم عن رأس الهرم في البحرين، نتكلم عن رمز البحرين، فمن هو جعفر سلمان الذي يستقبله الملك؟ للأمانة، كان الاستقبال صدمة إيجابية، أنا لم أكن مصدقاً أنني سأقابل جلالة الملك.
وقلبي يرجف أمانة، لكن أستطيع القول بهذه الكلمات وبضرس قاطع وبصدق، أتمنى بالفعل لو أن هذه الفرصة التي أتيحت لي تتاح للكثير من مثقفينا، ومن ممارسي سياستنا، ومن الناس، حتى يروا من هو قائدهم.
الرجل الذي جلست معه ليس مجرد رمز، أنا جلست مع عقل جبار، وللأمانة أنا من أقل من أن أحاول تقييم جلالة الملك، لكنني جلست مع عقل جبار، وأتمنى بالفعل أن تتاح لهم الفرصة التي أتيحت لي حتى يتعرفوا على من هو قائد هذا البلد، وعندما يفهمون من هو قائد هذا البلد، وعندما يجلسون معه، ويرون من هو قائد هذا البلد، أنا متأكد أن نظرتهم ستتغير، ومهما قلت، لا أستطيع أن أعبر عن الذي رأيته في ذلك اللقاء.
نحن عندنا في الشارع الشيعي، وكأن فكر المعارضة يُرضع للأطفال منذ الصغر، فنخرج بعقلية أننا أمام نظام، وكأن هناك حالة ثورية تكاد تكون مزمنة موجودة عندنا في الشارع الشيعي، أو في القرى الشيعية.
وجعفر سلمان ليس استثناءً من ذلك، فأنا ربيت وكبرت بوجود محيط معارض، وهذا المحيط المعارض كان له صبغة دينية.
مثلاً في السبعينات، كان عادياً أن ترى نساء كثيرات غير محجبات، أو امرأة تلبس تنورة، ولم يكن أحد يعتبر ذلك مشكلة، وكانت هناك بساطة في القرية، وكان الناس يفهمون احترام حريات الآخرين وخصوصياتهم وخياراتهم.
فمثلاً في بداية الثمانينات، كان أي شخص يتزوج عندنا في القرية، تأتي فرقة موسيقية، وفي بعض المراحل كانت تأتي فرقة غربية فيها درام وغيتار، ويغنون لبوب مارلي وأغاني عصرية.
استمر ذلك سنتين أو ثلاثاً، ثم قضى عليه التيار الديني بدعوى الحرام، حتى أتذكر أن آخر شخص، أو ربما الشخص قبل الأخير، في قرية الدير، أحضر فرقة ووضعها فوق سطح منزله، وأعتقد أن تم رميه بالحجارة.
بالتالي كان هناك فرض للتغيير، وهذا الفرض للتغيير أدى إلى تشكيل الوعي في القرية الشيعية، أو في الفرد الشيعي داخل القرية.
فهو محاط بالمنابر الدينية، ومحاط بحلقات التدريس، وبالتالي الذي يشكل وعيه هو التيار الديني السياسي، ونكبر، ومن الطبيعي أن يكون لدينا الكثير مما نعتبره مسلمات.
ومقتنعين أننا نعيش مظلومية كبيرة.
لماذا؟ يقولون لك: انظر إلى فلان، لم يحصل على وظيفة في الحكومة، وانظر إلى فلان، لم يحصل على وظيفة في الحكومة في سنة لم يحصلوا أيضاً، وبهائين، وملحدين أيضاً لم يحصل على وظيفة.
كان المقياس لبعض الأمور أو الأخطاء التي تحدث هو أن أي شيء يحصل، يقال: انظر، الحكومة تستهدف الشيعة.
الحكومة ليست ملائكية، وأنا لا أقول إن كل قرار اتخذته حكومة البحرين من السبعينات إلى اليوم كان صحيحاً، بالطبع لا، ولا توجد حكومة لا تخطئ.
لكن السؤال هو: كيف تنظر إلى هذه الأخطاء؟ هل هو خطأ حكومي، أم خطأ موظف، أم حالة متعمدة ضد الشيعة؟
في 2011 كنت في الدوار، وهذا الموضوع قلته مليون مرة، أنا كنت معارضاً، وهذا شيء لا أخجل من قوله، قبل خمس أو ست سنوات، كنت في رمضان، وكنت آخذ إجازة، وعادتي في رمضان أن آخذ إجازة بسبب طبيعة مهنتي.
طبيعة مهنتي أنني أتكلم وأحاضر ثمان ساعات في اليوم، ولا أستطيع في رمضان،
وكنت أستغل أيضاً إجازة رمضان لكتابة رواية، فكل رمضان أخرج برواية، وأجلس شهراً كاملاً للكتابة.
الذي حصل أنني كنت أتصفح الإنترنت، ووقعت عيني على ميثاق العمل الوطني في إحدى الصفحات، وكان الميثاق موجوداً وفيه رابط، فجاءتني فكرة خطيرة في بالي.
قلت لنفسي: يا جعفر، أنت مثقف ولم تقرأ الميثاق حتى الآن؟ معقولة؟ فضغطت على الرابط، وفتحت الميثاق وقرأت، وكانت هذه أول صدمة بالنسبة لي، لأن هناك تغذية في عقلي مخالفة للواقع.
من ضمن الأمور التي كانت المعارضة تحشو عقولنا بها أن الأمور كانت تسير بشكل جيد في عام 2000 مع الانفتاح السياسي وما إلى ذلك، إلى أن قام جلالة الملك بالانقلاب على الميثاق.
كيف انقلب على الميثاق؟ كانوا يقولون: جعل مجلس الشورى، ونحن متفقون على أنه لا يوجد مجلس شورى، والميثاق لا يوجد فيه مجلس شورى.
هكذا كانوا يقولون، والذين يقرأون عددهم قليلاً، وهذه القلة التي تقرأ لن تتجرأ على فتح الموضوع، لكن عندما قرأت الميثاق وجدت أن كل شيء موجود.
حتى أتذكر أنني بعد هذه الحادثة بسنة أو سنتين، جلست مع رجل معروف في البحرين، ومشهور في العالم أيضاً، ومدافع عن حقوق الإنسان، وقلت له إن الموضوع موجود في الميثاق، فلم يصدقني.
قلت له: لنفتح الميثاق
فتحنا الميثاق، وأريته بنفسه طريقة صياغة مسألة مجلس الشورى، وأنها جزء من الغرفة التشريعية، وقلت له: تفضل وكانت مفاجأة له.
والشيء الثاني الذي كانوا يحشون عقولنا به، أو عقول الناس به خلافاً للحقيقة، هو الدستور، كانوا يقولون إن الملك أصدر دستور 2002 بشكل منفرد، ويسمونه إلى اليوم "دستور الإرادة المنفردة".
ويقولون: لماذا دستور 2002؟ نحن نقول دستور 1973، هل لنا علاقة بهذا الدستور؟ صدر بإرادة منفردة، وهذا انقلاب على الشعب وانقلاب على الميثاق.
فجئت أقرأ الميثاق، فوجدت في آخر فقرة من الميثاق ما معناه أن هذا الميثاق يعدل الدستور.
أي دستور؟ ما هو الدستور الذي كان موجوداً حتى يعدل هذا الميثاق؟ كان دستور 1973، ولم يكن هناك دستور آخر، إذن الميثاق يعدل دستور 1973، وهذا يعني أننا كشعب، وبنسبة أكثر من 98%، وافقنا على تعديل الدستور، وعندما قرأت أكثر وجدت أن نظام المجلسين ليس بدعة في العالم، والبحرين لم تبتدعه، وبريطانيا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية كان لديها النظام نفسه تقريباً، ثم خففت قيود مجلس اللوردات، ولا يزال مجلس اللوردات يستطيع أن يقيد بعض التشريعات، وفي آخر سنة من الحياة البرلمانية في بريطانيا، إلى اليوم، يستطيع مجلس اللوردات تعطيل بعض التشريعات.
وخلال هذه السنوات، كتبت وتعرضت للتنمر والشتائم، وتعرضت أسرتي كذلك
عندما جاءت الحرب، أول شيء كنت أترقبه هو ردود الفعل، لأنني كنت أنتقد علاقتهم بإيران، وكانوا دائماً يجيبون: لو هاجمت إيران البحرين، نحن وطنيون ونفتح صدورنا دفاعاً عن البحرين.
فهل كانوا يتوقعون في يوم من الأيام أن إيران ستأتي إلى البحرين في خيالهم؟ جاءت الحرب، وإيران هاجمت البحرين، فأين صدوركم التي قلتم إنكم ستفتحونها؟
بعضهم، وللأمانة واحد أو اثنان فقط انتقدوا إيران، لكن الكثير منهم بدأوا يبررون الهجمات على البحرين، واستعملوا التبريرات الإيرانية نفسها، مثل وجود قواعد أمريكية.
أما الناس العاديين أصيبوا بالصدمة نفسها التي أصابت جعفر سلمان مثلاً أهالي سترة، كانوا مصدومين، لماذا يهاجم الإيرانيون؟ لماذا يهاجمون خزان الأمونيا؟ لو كان ممتلئاً، لقتلهم، الناس كانت مستغربة من هذا الموضوع.
لكن هؤلاء المحرضين، الذين يخرجون ويتحدثون إلى الناس، سواء عن طريق وسائل التواصل أو عن طريق المنبر وما إلى ذلك، بدأوا بحملة تبرير.
في بداية الحرب، أطلب من أحدهم موقفاً، فيعطيني موقفاً رمادياً، حسناً، كلنا ضد الحرب في المنطقة، الحكومة ضد الحرب في المنطقة، إيران ضد الحرب في المنطقة، وأمريكا ضد الحرب في المنطقة؟
ما رأيك في الهجوم على البحرين؟ يخاف حتى إن يعطي موقفاً، فقلت: هؤلاء لا يؤتمنون على البحرين.
- في هذا السياق، وفي ظل الحديث عن فكر ولاية الفقيه، هل المشكلة اليوم فقط في فكر ولاية الفقيه، أم في مسألة الولاءات العابرة للحدود بشكل عام؟ لأننا إذا قضينا على هذا الفكر، وجرّمناه بشكل واضح، قد يأتي فكر آخر، ومن دولة أخرى، وتتكرر القصة مرة أخرى؟
ج: طبعاً، تاريخ البحرين مع ممارسي السياسة هؤلاء ومع الولاءات العابرة للحدود موجود قبل ولاية الفقيه، كان هناك الشيوعيون والولاء للاتحاد السوفيتي، والشيوعيون كانوا أخف من غيرهم، ويجب أن نعطي الناس حقها، فكثير من الشيوعيين كانوا وطنيين، وكان عندك القوميون، سواء كانوا ناصريين أو بعثيين تابعين للعراق أو بعثيين تابعين لسوريا أو مجرد قوميين، وولاءاتهم كانت عابرة للحدود.
كانوا مثلاً يؤمنون بالوحدة العربية وإزالة الحدود بين الدول، دون اعتبار لأي شيء آخر، طيب، نحن نتكلم العربية كلنا، لكن ما الذي يربطني بالجزائر مثلاً؟
أنا من الناحية الثقافية أقرب إلى إيران من الجزائري، إذا أردنا أن نكون صريحين، الأكل أقرب، والتراث أقرب، والموسيقى أقرب، رغم أن هناك لغة تربطني بالجزائري، ولا تربطني باللغة الإيرانية.
فإذا كانوا يريدون الوحدة العربية، ويوالون الدول التي تنادي بالوحدة، جمال عبد الناصر كان رئيس مصر، وكان لديه مواقف وطنية، لكن علاقاته مع الدول العربية كانت كلها مشاكل، في اليمن وفي السعودية، وفي كل مكان.
فمسألة الولاءات العابرة للحدود كانت موجودة، لكن هذه المرة هي موجودة بشكل أسوأ، لماذا؟ لأنها مغلفة بالدين، عندما يأتي الولاء العابر للحدود على شكل موقف سياسي، تستطيع التعامل معه باعتباره موقفاً سياسياً، لكن عندما يكون مبنياً على عقيدة، هنا المشكلة كبيرة جداً.
ولاية الفقيه، هي الولاء للفقيه الموجود في إيران، للولي الفقيه، والذي يعتبر نفسه ولي أمر، ليس الإيرانيون فقط، بل يعتبر نفسه ولي أمر المسلمين جميعاً، سنة وشيعة.
لماذا تشكل ولاية الفقيه خطورة؟ قد يقول البعض إنها مجرد قناعة فكرية، وأن شخصاً مقتنعاً بنظام ولاية الفقيه، لكنه يعيش في دولة أخرى، فما علاقتنا به؟
لا، ولي الفقيه، فقيه وولي، يصدر فتاوى، فتاوى في الطهارة، وفتاوى في هلال رمضان، وصحة الرؤية، أو لم تصح، وما إلى ذلك، باعتباره فقيهاً، هنا لا توجد مشكلة، ولا الحكومة ستتدخل، في البحرين عندنا عيدان، ويصير رمضانان، هل تدخلت الدولة، وقالت للناس يجب أن تصوموا غداً؟ لا، الناس أحرار في معتقداتهم.
لكن هناك صفة اسمها "ولي".
هذا الولي، باعتباره ولياً، يصدر فتاوى يسمونها "الفتاوى الولائية"، وهي ملزمة. لجميع المؤمنين والمسلمين داخل إيران وخارج إيران.
أضرب لك مثالاً على إحدى هذه الفتاوى، الفتوى التي أصدرها الخميني بقتل سلمان رشدي، اتفقنا أو اختلفنا مع سلمان رشدي، هذا موضوع آخر، لكن هناك فتوى بقتله، وهذه الفتوى ما زالت مستمرة، آخر ظهور لسلمان رشدي في أمريكا، أعتقد قبل سنة وشوي، تعرض لهجوم بسكين ومحاولة لتنفيذ هذه الفتوى.
تخيل أن تأتيك فتوى ولائية ضد بلدك، أو ضد عروبتك، وترى نفسك ملزماً بتنفيذها، هذه خطورة الولي الفقيه
عندما بدأ حزب الله كحركة مقاومة كانت لديه رؤية سياسية أو وثيقة سياسية، وكان يؤمن بأن كل لبنان يجب أن يكون تحت مظلة ولاية الفقيه، أي أن لبنان يصبح دولة تابعة للولي الفقيه.
ثم في عام 2005 أو 2006، عندما جدد الوثيقة السياسية، أزال هذه العبارة، لكنه قال إن حزب الله تابع لنظام ولاية الفقيه، وإذا فهمنا معنى الأحكام الولائية، نعرف ماذا يعني أن يوجد حزب في دولة تابع لنظام ولاية الفقيه.
يعني أن ولاء هذا الحزب ليس لدولته، وشاهدنا ذلك على نحو علني، حزب الله ورّط البيئة اللبنانية الشيعية، خصوصاً الجنوبية، وشردهم بسبب قراراته التي جاءت خدمة لإيران.
وفي الحرب الأخيرة على إيران، رأينا أيضاً بعض الفصائل في العراق، وكيف اتبعت إيران، لدرجة أنها تكاد الآن تورط العراق في حرب خليجية عراقية أو حرب عربية عراقية من خلال إطلاق المسيرات وشن الهجمات على دول الخليج خدمة لإيران، ويقولونها في العلن ولا يخجلون.
- ما الفرق بين فصائل مثل زينبيون وفاطميون، وبين التنظيمات الإرهابية الأخرى مثل داعش والقاعدة؟
ج: الفكرة أن داعش وولاية الفقيه هما وجهان لعملة واحدة، وربما واحد شكله ألطف من الآخر، داعش دائماً يخرج بشعر كبير ولحية كبيرة وشكله ذلك، بينما يمكن أن يأتي الآخر يرتدي بدلة، لكن في الجهتين، أو النظرتين، هما نظرتان لإدارة الدولة من خلال الفتاوى، ونظرتان مستعدتين لممارسة العنف ضد كل من يقف في وجههما.
وفي العراق، هناك مسألة تجدر الإشارة إليها دائماً، هناك ربط بين الحشد الشعبي وبين الفصائل الموالية لإيران، وهذا ربط خاطئ، الحشد الشعبي يختلف عن الكتائب التي توالي إيران.
الحشد الشعبي جاء رداً على داعش، وفيه أشخاص كانوا أفرعاً لأحزاب سياسية، مثل جيش المهدي وهو ليس موالياً لإيران، بل حارب الأمريكيين في العراق، اختلفنا أو اتفقنا معه، لكنه ليس إيرانياً.
أما كتائب حزب الله العراق فهي إيرانية تقريباً وولاؤها لإيران، الاثنان موجودان في الحشد الشعبي، ومعهما جزء من الشعب العراقي، وهؤلاء الآن تقريباً كلهم داخل الجيش العراقي بشكل رسمي.
وهنا الخطورة، لأن بعض هذه الكتائب، مثل كتائب حزب الله العراق، أنتجت كتائب مثل كتائب أولياء الدم وزينبيين وفاطميين وما إلى ذلك، هذه الكتائب الصغيرة كلها موالية لإيران.
وشاهدنا طبعاً عندما قصفت المملكة العربية السعودية مصادر إطلاق النار من هذه الكتائب، أن بعض القتلى كانوا إيرانيين موجودين بينهم.
- هل يمكن القول إن الآلية أو الطريقة هي استنساخ لطريقة الحرس الثوري، بحيث يكون هناك جيش موازٍ للجيش الرسمي من خلال هذه الكتائب؟
ج: طبعاً، هذه هي طريقة عمل الإيرانيين في اختراق الدول، وهي خلق كيانات موازية داخل الدولة.
في لبنان عندنا حزب الله، هل تستطيع الدولة إزالة حزب الله بالقوة؟ صعب جداً،
ممكن الآن ضعف حزب الله، لكنه لا يزال قوياً إلى درجة يصعب معها على الحكومة اللبنانية إزالته بالقوة.
كتائب حزب الله العراق، هل من السهولة على الحكومة العراقية إزالتها؟ لا، الحوثيون، هل تستطيع الحكومة اليمنية إزالتهم؟ لا، حماس قبل الحرب، هل كانت السلطة الفلسطينية تستطيع إزالتها؟ لا، إذا لاحظت، كلها المنهج نفسه، خلق كيان قوي ومسلح داخل الدولة ليتصرف وكأنه دولة أخرى.
حاولوا في البحرين، هل نجحوا؟ لا، في البحرين، ولكي أكون صادقاً، نجحوا في الاختراق الفكري، لكن البحرين دولة مؤسسات.
رغم أن هناك محاولات جرت، مثلاً بداية من 1981 كانت هناك محاولة انقلاب
وحتى في أحداث 2011 و2012، إذا نتذكر، كان أحد الزعماء السياسيين المعارضين يخرج ويتحدث، وكانت هناك منصة زجاجية أمامه، ويقف خلفه اثنان يرتديان الأسود، كان يعطي انطباعاً يقلد السيد حسن نصر الله بالضبط.
- من تقصد بهذه الشخصية؟
الشيخ علي سلمان، كان يخرج على منصة زجاجية أمامه، ويقف خلفه اثنان، ويتحدث بقوة مثل السيد حسن نصر الله، وجمعية الوفاق كانت تستدعي الخريجين المتفوقين من الشيعة فقط، وتكرمهم في عملية تجنيد واضحة، وكانوا يحاولون قضية التجنيد المبكر.
في نهاية كل عام دراسي، يذهبون إلى القرى، ويبحثون عن المتفوقين في القرى الشيعية فقط، ويجمعونهم في مكان ويكرمونهم ويعطونهم هدايا، وأنا أرى أن قضية امتدادات القرى كانت فخ.
- تحدثت في مقابلتك مع سكاي نيوز عن أهمية المدن المختلطة، وهذا الأمر موجود في دول أخرى، مثل سنغافورة، حيث يوجد قانون يمنع أن تكون البناية السكنية مخصصة لعرق واحد، فكيف ترى أهمية هذه الفكرة في وقتنا الحالي؟
هذا شيء أعيشه شخصياً، أنا ساكن في بناية سكنية مختلطة، جاري بحريني من أصول باكستانية، ولو أعطوني أموالاً لأبدله، لا أقبل، والجار الطابق أعلى شقتي سني، والجار الذي فوقه مباشرة سني عربي، وعندما ترى التعاون بين النواحي الشيعية والسنية، وفيها عجمي وفيها غيره، تشعر أن العمارة وكأنها بحرين مصغرة.
فلا أحد يستطيع بعد ذلك المزايدة على أحد في أي شيء يخص عرقه أو مذهبه، تحصل الجميع يعيشون في سلام.
للأسف، مسألة امتدادات القرى كانت فخاً من المعارضة، لماذا عندما تأتي إلى الإسكان لا تأخذ الناس، وتخلط البحرينيين مع بعضهم؟ دعهم يتعرفون على بعضهم، دعهم يعيشون مع بعضهم لماذا التركيز والتأكيد على التوزيع الطائفي؟
خذ مثلاً سكان اللوزي، أول ما تدخل إسكان اللوزي هناك دوار صغير، تلف يمين فريق السنة، وتلف يسار فريق الشيعة، لماذا؟.
اخلطوهم مع بعض، هم قابلون للتعايش والخلط، انظر إلى مدينة عيسى، لا تعرف من سني ومن شيعي، ضاعت الحسبة كما نقول،
وسط المحرق أيضاً، فريق الحياج، وفريق الصالة، وصوب فريق ستيشن، كلهم مختلطون، انظر كيف تعيش هناك، شيء رائع، ونتمنى فعلاً أن ينتبهوا إلى هذا الموضوع.
نعم تحدثت عن الاختراقات، ونحن نرى أهالي القرى بشكل عام في البحرين كأشخاص في تعاملهم ذوو أخلاق عالية وصفات كريمة، وهذا ما تعودنا عليه من أهل البحرين، فكيف استطاعت إيران اختراق أناس بسطاء ومحترمين، وعلى عادات أهل البحرين وطيبتهم فكرياً؟
عندما تبث فكراً، وهذا الفكر مدعوم بإمكانيات دولة بحجم إيران، وإيران ليست دولة صغيرة، ولا يجب أن نستصغرها، إيران في السبعينات كانت متقدمة على كل دول الخليج حضارياً ومالياً وصناعياً وتجارياً وثقافياً، كانوا متقدمين علينا، والآن نحن متقدمون عليها بسنوات ضوئية، ولا نكاد نراها في الخلف.
لكن هذه الإمكانيات عندما توجه إلى بث ونشر فكرة معينة، ولا تكون عندك قوة مضادة لهذا الفكر، هنا المشكلة.
ففي بداية الثمانينات مثلاً، كانت القحفية موضة، قحفية الخميني، والملابس التي يلبسها الإيرانيون.
حتى أذكر الشباب في قريتنا، كانوا متحمسين وخمينيين وثوريين، وذهبوا يريدون أن يؤذنوا بدل المؤذن التقليدي الموجود عندنا.
اتصلوا وقالوا لهم: دعوهم يؤذنون، فأذن أحدهم بطريقة إيرانية، لم يقل "الله أكبر" بالطريقة التي نعرفها، بل قالها بطريقة مختلفة، وقال "الله أجبر"، والكل يتذكر ذلك، لكن في قريتنا في سماهيج، لم يكونوا يغضبون منهم، بل كانوا يسخرون منهم.
وأعتقد أن هذه كانت آخر مرة حاولوا فيها ذلك، لكن هذا يعطيك دلالة، ولو كانت طريفة، على بداية التغلغل، بدأ هذا التغلغل، ولم يكن هناك من يقف في وجهه
فلا نجلد القرويين، ولا نجلد أهل القرى، لماذا أصبح تفكيركم الجمعي بهذه الطريقة؟
طبيعي، مع وجود من سيحارب كل شخص يكون مختلفاً أي شخص يخرج عن الجماعة.
سلم علي وقال: كيف حالك؟ هو سني، لكن قال لي: أنت تبين عليك؟، قلت له: لماذا؟
- ذكرت المثقفين والدولة، وشهدنا خلال الاعتداءات الأخيرة طرحاً جميلاً من عدد من المثقفين والمحللين، كما اتخذت الدولة إجراءات حازمة في مواجهة الفكر الإرهابي وفكر ولاية الفقيه، وهناك تطمينات كثيرة، خصوصاً من وزير الداخلية، بأن الناس لا تخاف، وأن الدولة موجودة معهم، فهل ما زالت هناك فئة في المجتمع تخاف من التعبير عن وطنيتها؟
نظرية المسافهة تعتمد على وجود حكيم، شخص ذي مرتبة عالية، شخص كما نقول بالعامية لا يوسخ لسانه، هذا الشخص يغضب مني، أو منك؛ لأننا نطرح منطقاً معينًا، ولا يستطيع الرد عليه، فماذا يفعل؟
يستعين ببعض السفهاء لمسافهة الناس نيابة عنه، سواء من خلال شتمهم، أو من خلال البهتان الذي يطلق عليهم، أو من خلال إهانتهم أو تحقيرهم.
فالمسافهة هي الاستعانة بالسفهاء لمسافهة الناس نيابة عن الشخص الذي يخوف بعضاً أو جزءًا من المثقفين الذين لا يزالون ساكتين هو الخوف من هؤلاء السفهاء، والخوف من أن يتعرضوا للمسافهة، وبعضهم قد يأتي ويقول لي على نحو صريح: يا جعفر، أنا لا أتحمل ما تتحمله، أنا وأسرتي قد نكون مختلفين، زوجتي وأبنائي قد يكونون مختلفين عن زوجتك وأبنائك، وأنا أتعلم منهم، ما شاء الله عليهم، لكنهم يعرفون الموضوع، وقد يقول: لا أتحمل أن أُشتم من الناس في وجوههم.
هناك أشخاص يعيشون في أوروبا ويشتمون فيّ طوال اليوم، ويحتقرونني أمام الناس، وأنا لا أتحمل هذا، يخاف من هذا الموضوع.
وبالتالي لا يزال هناك، ولن أقول عدداً قليلاً، بل عدد لا بأس به، من المفترض أن يخرجوا ويتكلموا، ولا يزالون يخافون.
- ذكرت تحديداً الدعاية الأوروبية، ما مصير الأشخاص الذين يمارسون الدعاية الإيرانية من بعض العواصم الأوروبية، خصوصاً بعد تصنيف بعض هذه العواصم للحرس الثوري كمنظمة إرهابية؟
لا بد أن نفهم مدى حرية التعبير في أوروبا حتى نفهم الموضوع، سيصنفون الحرس الثوري جهة إرهابية، أو منظمة إرهابية، ولا توجد مشكلة، لكن لا يمنع ذلك أن تقول إن الحرس الثوري ليس جهة إرهابية.
أنا ممكن أقف في وسط لندن وأقول: أنا أختلف معكم، البريطانيون، داعش ليست إرهابية، لن يحاسبني أحد، وحتى لو روجت أو سويت شيئاً، مشكلتنا مع هؤلاء الجماعة أنهم لا يأتون بصراحة، لا يقول لك: أنا تابع لولاية الفقيه أو تابع للحرس الثوري، بل يقول لك: أنا بحريني وأنا ضد حكومة البحرين.
طبعاً يشتم الأول والثاني في أوروبا، وهذا مسموح، لا توجد مشكلة، ويحقر من يريد، ولا توجد مشكلة، نحن نعرف أنه تابع للحرس الثوري، لكنه لا يعلن ذلك.
- يبدو أن لديهم خبراء قانونيين يساعدونهم في هذه المساحة؟
بالتأكيد وراءهم إيران، ولديهم خبراء قانونيون، ولديهم أشخاص يقفون معهم، ولديهم إمكانيات رغم أنني سمعت أن الأموال في الأشهر التي مرت كانت قليلة نوعاً ما، وعانوا قليلاً من الضيق بسبب أن الأمريكيين يتابعون حركة المال الإيراني، لكن الإيرانيين لا يبخلون بالدفع.
حتى في هذه الظروف، مستعدون للدفع على حساب الإيرانيون، لأنه بالنسبة لهم المهم أن يبقى البوق شغالاً، المشكلة كانت في نقل هذه الأموال إلى أوروبا وما إلى ذلك، وحسب ما سمعت، والله أعلم، عاشوا قليلاً من الضيق بسبب هذه المسألة.
في 19 مايو من هذه السنة، شهدنا احتفالاً كبيراً في قرية الدراز، وهي القرية التي عرفت في بعض السنوات الأخيرة بشيء من الأنشطة المزعزعة للأمن، وهذا ربما خلق تصوراً لدى البعض عن هذه القرية، لكننا شهدنا احتفالاً كبيراً بمناسبة صعود نادي الاتفاق إلى الدوري الممتاز، رغم أن الاحتفال جاء بعد أيام قليلة من القبض على خلايا إرهابية مرتبطة بالحرس الثوري، وهذا يعكس عكس ما يروج له من أن أهالي الدراز غاضبون وناقمون على الدولة؟
كانوا يريدون فرصة، وتحس أنهم مساكين، شاهد صور الاحتفال، وانظر من كان موجوداً، هل كانوا سياسيين؟ لا
كان هناك رجال وشباب ونساء وأطفال، والكل ذهب ليحتفل بناديهم، ووضعوا صور القيادة، ووضعوا علم البحرين، هل هذا موقف سياسي؟ .
هذا ليس موقفاً سياسياً، ولا هو موقف وطنيًا أيضاً، هذا موقف طبيعي لإنسان يمارس حياته باعتباره بحرينياً.
المشكلة أننا قمنا، وهذا ربما من الأمور التي يجب التوقف عندها، باستعظام احتفال ناس في قرية بصعود ناديهم بشكل طبيعي؛ بسبب أفعال التيار الديني.
عندما شعر الناس أنهم يستطيعون أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي، مثلهم مثل البديع، هل أهل البديع يحبون البحرين وأهل الدراز لا يحبون البحرين؟ لا.
الجميع يحبون البحرين،
نتذكر قبل سنتين أو ثلاث، عندما أصدر جلالة الملك مكرمة بالإفراج عن كثير من السجناء الذين كانت الجرائم التي ارتكبوها لأسباب سياسية.
أنا لا أؤمن بشيء اسمه سجين سياسي؛ لأن عنده رأياً سياسياً، هناك سجين خالف القانون، وسبب الدافع الذي جعله يخالف القانون هو أسباب سياسية.
أطلق جلالة الملك سراحهم، وكان البحرينيون في عيد، فعلاً كان عيداً عندهم، حتى قلنا إن العيد صار عيدين، لأن ذلك كان في آخر رمضان.
لكن الأبواق الخارجية خرجت ونشرت أن هذه ليست مكرمة، بل تدخل إيراني، وأن إيران أجبرت البحرين على إطلاق سراحهم.
وخرج كبيرهم، وتحدث الشيخ عيسى أحمد قاسم، وقال إن هؤلاء دخلوا السجن بجهادهم، وانتبهوا، خرجوا بجهادهم، وليس بمكرمة، وليستمر الجهاد.
لكن ممنوعين، نحن البحرينيين، أو أنا آسف، الشيعة في البحرين، لا يراد لنا حتى أن نفرح، لا يراد لنا أن نفرح مع بلدنا، ولا يراد لنا الاحتفال بالعيد الوطني.
نتذكر في الثمانينات مثلاً، واسأل أبناء الثمانينات، كان العيد الوطني مختلفاً
كان هناك كرنفال سيارات عليها مجسمات، والكل يذهب، أبناء القرى يتسابقون مع أبناء المدن، والسنة يتسابقون مع الشيعة للذهاب إلى هذا الكرنفال.
الآن انظر إلى أين وصل التأثير علينا، إلى درجة أن حمل العلم في العيد الوطني إذا كنت داخل القرية، ينظرون إليك بريبة، فعلاً بريبة، مع أنك بحريني، حالك حال غيرك، لكن لا يراد لك أن تكون بحرينياً، لا يراد لك أن تفرح مع بلدك، لا يراد لك الاحتفال بالعيد الوطني.
- مريدو الولي الفقيه أو الذين يقدسون الولي الفقيه، عندما تتحدث معهم عن مزايا النظام الإيراني، وتقول لهم: اذهبوا إلى إيران، هل سيحصلون على ربع واحد في المئة من المزايا التي يحصلون عليها في البحرين، أو في أي دولة خليجية؟
راتب بعض الأشخاص في إيران 10 ملايين، يعني تقريباً 20 ديناراً، 20 مليوناً يعني تقريباً 40 ديناراً.
ونحن نتكلم عن أشياء أساسية، وصل بهم الأمر، إذا رأيت مواقع التواصل الاجتماعي، إن الشخص لا يستطيع شراء البيض، وأشياء أساسية أخرى.
نحن في البحرين، مع الأسف، كم شخصاً عندنا مشرد في البحرين؟ كم شخصاً ليس لديه بيت؟ لا تجد، صفر، للأمانة صفر، الدولة لا تسمح بذلك.
هل يعرفون مثلاً عندنا في البحرين، إذا رأت الشرطة شخصاً نائماً في الشارع، تأخذه، ليس لتعاقبه، بل لتسأله: لماذا أنت في الشارع؟ ألا تملك بيتاً؟ ويذهبون به إلى دار الكرامة، ويعطونه سكناً، ويعطونه أكلاً لماذا أنت أساساً لا تملك بيتاً؟ يقول: لا أعمل حسنًا، يبحثون له عن عمل لا يملك تدريباً؟ يدربونه ويبحثون له عن وظيفة.
ويبحثون له عن سكن، ويتابعونه لعدة شهور، ثم يمشي على رجولة، هذه المنظومة موجودة عندنا في البحرين، لذلك نحن لا نملك مشردين.
لكن كم مشرداً في إيران؟، كم شخصاً في إيران متسول وفي الشارع؟، وكم شخصاً في البحرين؟
البحريني الذي يخرج من البحرين، ويعتبر نفسه فقيراً ومظلوماً والدنيا كلها عليه، أقول له: اذهب إلى إيران وزرها، وستعيش فيها حياة VIP هناك.
أنت تتكلم عن الفئة المفترض أن تكون متوسطة، لا يستطيع أن يخرج أسرته مرة إلى مطعم في الشهر، وبالكاد يغطي الأكل والأشياء الرئيسية، وهذا قبل الحرب.
الآن الوضع، أسوأ، وطبعاً نحن لا عداء لدينا مع الشعب الإيراني.
الجواز الإيراني تقريباً لا يمكنك من دخول أماكن كثيرة، وجلب للشعب الإيراني أن بعضهم، إذا كان محظوظاً، يذهب إلى دبي، ويرجع ويرى الفارق.
أنا شخصياً التقيت بالكثير من الإيرانيين في أسفار مختلفة، كنت مضيفاً لمدة 20 سنة، تخيل كم إيرانياً قابلت، بالآلاف، يركب ويأتي، ويرى مطار البحرين ينبهر.
- نتحدث عن أكثر من 40 سنة على ثورة الخميني، ولم نرَ حتى الآن توجهاً لأن يكون الولي الفقيه عربياً، والعرب الشيعة في الخليج عرب أباً عن جد، فكيف يكون لديهم ولاء لشخص لا يعترف أصلاً بحق العرب في أن يكون لهم ولي فقيه مهما بلغ من العلم أو المعرفة؟
مشكلة النظام الإيراني أنه نظام خليط بين العرقية والدين، قلت لك قبل قليل إن العسكر والدين مصيبة في إيران، أضف إليهما المصيبة العرقية.
النظرة العرقية، واضحة ولا أخفيك سراً إذا قلت لك إن بعض الفرس يرون أنفسهم أرقى شعب في العالم، وليس كلهم طبعاً، ولا نعمم، وليس كل فارسي عنصرياً، لكن هناك تفكيراً جمعياً بأنهم أرقى الشعوب، وأذكى الشعوب، وأفضل الشعوب، يغلفون هذه العرقية بغلاف ديني، فيخرج لك هذا النظام.
يقولون له: هذا ممثل المهدي عليه السلام، عجل الله فرجه، وهو ممثلة في الأرض، وهو الولي الفقيه، بهذه الطريقة، وليست بطريقة "هذا أفضل منك".
- في ختام هذه المقابلة، كلمة أخيرة توجهها إلى البحرينيين؟
أخاطب البحرينيين جميعاً، سنة وشيعة، لا بد أن نستوعب شيئاً واحداً، وهو مفهوم الدولة، وما هي الهوية الوطنية، هذه الدولة التي عندنا تتكون من ثلاثة أشياء، الأرض، هل هناك أحد يختلف عليها بيننا؟ لا، كلنا نعرف أرض البحرين وحدودها، ثانياً: شعب البحرين، ليس لوناً واحداً، وليس طائفة واحدة، وليس ديناً واحداً عندنا بحرينيون يهود، وعندنا بحرينيون مسيحيون، وعندنا بحرينيون بهائيون، هذا شعب البحرين، وكما أن الولاء للأرض، يجب أن يكون الولاء لهذا الشعب.
وهناك العنصر الثالث في الدولة، وهو النظام، نظامنا مملكة دستورية، ونحن من وافق عليه، وعلى رأس هذا النظام ورمز هذا النظام هو جلالة الملك، الله يحفظه، هذا هو شكل الدولة في البحرين، وهذا ما يجب أن نواليه
بغض النظر عما إذا كنت متفقاً مع الحكومة أو مختلفًا معها، متفقاً مع فلان أو مختلف مع علان، لا علاقة لذلك، يجب أن يكون الولاء لمفهوم الدولة، وهذا يجب أن ينعكس على هويتنا.
هويتنا، قبل أن أكون سنياً، وقبل أن أكون شيعيًا، وقبل أن أكون أي شيء، أنا بحريني، هذه الهوية رقم واحد
وعندما نتصرف جميعاً باعتبارنا بحرينيين أولاً، ثم باعتبارنا سنة أو شيعة، ثلاثة أرباع، إن لم يكن 90%، من هذه المشاكل الاجتماعية التي لدينا ستتغير.