حنان الخلفان

(قدها) .. كلمة نرددها عندما نريد أن نشجع شخصاً، أو نخبره بأننا نثق بقدرته على إنجاز أمر ما. كلمة قصيرة، لكنها تحمل معنى أكبر من حروفها؛ فعندما نقول لأحد «أنت قدها»، فنحن لا نقول له فقط أنك تستطيع، بل نقول له أيضاً: نحن نثق بك، جرب، تقدم، وتحمل المسؤولية.

وأنا أشاهد مقتطفات من معسكر «قدها جونيور»، توقفت عند هذا المعنى. ناشئ يعبر حاجزاً، وآخر يساعد زميله، ومجموعة تعمل معاً لإنجاز مهمة، وتدريبات تحتاج إلى حركة وتركيز وانضباط. فالناشئ عندما يواجه شيئاً يعتقد أنه صعب، ثم ينجح فيه، يعود وفي داخله شعور مختلف: كنت أظن أنني لا أستطيع، لكنني استطعت. فالثقة بالنفس لا نقدمها لأبنائنا جاهزة، بل يكتسبونها حين يجربون بأنفسهم.

فنحن، بدافع الحب والخوف عليهم، نحاول أن نجعل حياتهم أسهل من حياتنا، ونبعد عنهم الصعوبات. وإذا واجه أحدهم مشكلة أسرعنا أحياناً إلى حلها، وإذا تعثر حاولنا إزالة العثرة عن طريقه. نفعل ذلك لأننا نحبهم، لكن هل فكرنا يوماً أن بعض هذه العثرات قد تكون هي التي يحتاجون إليها حتى يكتشفوا قدراتهم؟

ولعل توقيت «قدها جونيور» هذا العام أعطاه معنى إضافياً. فقد عاش أبناؤنا فترة مختلفة، فرضت فيها الظروف الأمنية انتقال الدراسة من الصفوف المدرسية إلى التعليم الإلكتروني لفترة من الزمن. وفي الوقت نفسه، جاءت الاعتداءات الإيرانية والتوترات التي شهدتها المنطقة لتلقي بظلالها على الحياة اليومية وحركة السفر والتنقل، وقضت أسر كثيرة جانباً أكبر من وقتها داخل البحرين في صيف لم يكن كغيره من فصول الصيف.

من هنا تبدو تجربة مثل «قدها جونيور» مختلفة في توقيتها ومعناها. فبعد فترة كان جزء من التعليم فيها يأتي عبر شاشة، أصبح أمام الناشئ ميدان يتعلم فيه بالممارسة؛ وبعد وقت أطول داخل المنزل، أصبح أمامه فريق ومهمة ومسؤولية وهدف عليه أن يصل إليه. يتحرك ويتعب ويتعاون، ويكتشف أن إنجاز المهمة لا يعتمد عليه وحده، بل على قدرته على العمل مع الآخرين ومساندتهم، وأن حب الوطن والانتماء إليه لا يترسخان بالكلمات وحدها، بل بالمسؤولية والانضباط والعمل وخدمة الآخرين.

لكن وأنا أشاهد «قدها جونيور» خطر في بالي سؤال أراه أهم من كل ما يحدث داخله: ماذا سيبقى مع هؤلاء الأبناء بعد انتهاء المعسكر؟ وهنا يأتي دور الأسرة. سيكون جميلاً أن يعود الناشئ إلى بيته، وقد تعلم الاعتماد على نفسه والانضباط والعمل ضمن فريق، لكن الأجمل أن يجد في البيت مساحة للاستمرار؛ أن تكون له مسؤوليات تناسب عمره، وأن يشارك في شؤون أسرته، وأن ندعه يتخذ بعض قراراته ويتحمل نتائجها، وألا نسارع في كل مرة إلى إنقاذه من أول مشكلة تواجهه. فنجاح مثل هذه التجارب لا يقاس فقط بما ينجزه الأبناء خلال أيامها، وإنما بما يبقى في شخصياتهم بعدها.

نحن دائماً نقول إن أبناءنا هم جيل المستقبل، لكن المستقبل لا يبدأ عندما يكبرون. هو يبدأ الآن، من مسؤولية صغيرة نعطيها لهم، ومن خطأ نسمح لهم بأن يتعلموا منه، ومن مساحة نتيحها لهم ليكتشفوا بأنفسهم ما يستطيعون فعله.

وبصراحة.. ربما لا يحتاج أبناؤنا منا أن نمهد لهم كل الطرق، بقدر ما يحتاجون إلى أن نقف بالقرب منهم، ونثق بأنهم قادرون على السير بأنفسهم. وعندها قد نكتشف أنهم لم يكونوا بحاجة إلى أن نصنع منهم أشخاصاً «قدها».. فقد كانوا «قدها» منذ البداية، وكانوا فقط بحاجة إلى الفرصة.