د. مها الدخيل

لا يمكن لأحد أن ينكر أن المنصات الرقمية أحدثت تحولاً هائلاً في حياتنا، وأصبحت أدوات مهمة للمعرفة والتعليم والتوعية ونقل الخبرات. وقد استفادت منها الجهات الرسمية والصحية والتعليمية والإعلامية في إيصال رسائلها إلى الجمهور بسرعة غير مسبوقة، كما أتاحت للأفراد فرصاً للتعلم والعمل والإبداع والتواصل والانفتاح على تجارب وثقافات مختلفة.

إذن، ليست المشكلة في المنصات الرقمية ذاتها، وليس كل ما يصل إلينا عبرها يستهدف عقولنا أو قيمنا، كما أن الحديث عن مخاطرها لا ينبغي أن يتحول إلى رفض للتكنولوجيا أو إلى تفسير كل ما نشاهده باعتباره تهديداً فكرياً. لكن في المقابل هناك جانب آخر يستحق أن نتوقف أمامه بوعي وحذر.

إن أخطر ما في العالم الرقمي اليوم ربما ليس ما نراه، بل ما لا نراه خلف كواليس الشاشات. نفتح هواتفنا، ونتنقل بين المقاطع والمنشورات، ونعتقد أننا أصحاب القرار بالكامل، وأن ما يظهر أمامنا ليس سوى انعكاس طبيعي لاهتماماتنا. لكن السؤال الذي يستحق التفكير: هل خوارزميات التوصية تقدم لنا فقط ما نريده، أم أنها تستطيع أيضاً من خلال الاختيار والترتيب والتكرار، أن تؤثر تدريجياً فيما نريد أن نشاهده وفي اهتماماتنا؟

فالخوارزمية لا تحتاج إلى أن تقول للمستخدم: (غيّر أفكارك) يكفي أن تكرر أمامه فكرة بعينها بصور وأشكال مختلفة، أو تمنح شخصيات وموضوعات معينة حضوراً أكبر على الشاشات، حتى يصبح ما كان غريباً مألوفاً، ولا يعني ذلك بالضرورة أن هناك جهة معينة تقف خلف كل مقطع بهدف تغيير أفكارنا، فكثير من أنظمة التوصية مصممة أساساً لزيادة التفاعل وإبقاء المستخدم أطول وقت ممكن. لكن الآلية نفسها قد تجعل الإنسان أكثر عرضة للتهديد، كما يمكن أن تحاول جهات تجارية أو سياسية أو جماعات متطرفة استغلال البيئة الرقمية لتوجيه الانتباه وصناعة الرأي وتغيير الأفكار.

ولننظر، على سبيل المثال، إلى ظاهرة «المشاهير» التي تضخمت مع منصات التواصل. فقبل سنوات لو خرج شخص ليعرض تفاصيل حياته الأسرية والخاصة بصورة يومية، أو يستعرض مشترياته وأمواله وممتلكاته، لربما نظر إليه كثيرون باعتباره شخصاً تافهاً. أما اليوم فقد يتحول الشخص نفسه إلى (مؤثر) يتابعه مئات الآلاف أو الملايين، ويصبح رأيه مسموعاً، وأسلوب حياته محل تقليد، بل قد يتحول لدى البعض إلى نموذج وقدوة للنجاح.

وليس من المنطق أن نفسر كل ما يجري باعتباره مؤامرة أو استهدافاً، لكن من السذاجة أيضاً أن نتعامل مع الفضاء الرقمي وكأنه عالم محايد وبريء وخالٍ من المصالح والصراعات. وإذا استُغلت الخوارزميات لتحقيق أهداف تجارية أو فكرية أو سياسية، فقد تتحول إلى أداة مؤثرة في توجيه الانتباه والقناعات. لذلك نحن بحاجة إلى الوعي لا الخوف، والتفكير النقدي لا التشكيك في كل شيء، فليس كل محتوى مختلف يعتبر «غزواً فكرياً» ولا كل توصية «محاولة للتلاعب بعقولنا».

ولسنا في دول الخليج العربي والمجتمعات العربية والإسلامية بمنأى عن تأثير الفضاء الرقمي، مما يستدعي وعياً أكبر بكل ما يمكن أن يؤثر في عقيدتنا وهويتنا وقيمنا. فالغزو الفكري لا يأتي دائماً في صورة هجوم مباشر على الدين أو الأسرة والمبادئ والهوية، بل قد يكون أكثر خفاءً حين يتسلل بالتدريج، فيغير مفهوم القدوة ومعايير النجاح والسعادة والحرية، حتى تصبح أفكار كانت غريبة عنا بالأمس مألوفة اليوم، وربما مقبولة غداً، دون أن ندرك متى بدأ هذا التحول. أما الأطفال، فهم الحلقة التي تستحق أعلى درجات الحماية، ولذلك لا يكفي أن تعطي الأسرة الطفل هاتفاً ثم تطمئن؛ لأنه يجلس أمامها في المنزل. فالحضور الأسري والحوار، ووضع حدود زمنية مناسبة، ومعرفة طبيعة المحتوى الذي يتابعه الأبناء، وتعليمهم التفكير النقدي والتحقق مما يشاهدونه، أصبحت جميعها من أساسيات التربية في هذا العصر.

ومن هنا تبرز أهمية تكامل جهود المختصين والجهات المعنية والمؤسسات الأمنية والإعلامية والتربوية، والتعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره جزءاً من أمن المجتمع الثقافي والفكري، من خلال تعزيز حماية المستخدمين، ونشر الوعي بآليات عمل أنظمة وخوارزميات التوصية، والحد من المحتوى الضار والمضلل، إلى جانب دعم صناعة محتوى خليجي وعربي جذاب يحمل ثقافتنا وهويتنا وقيمنا وقادراً على المنافسة. فحماية هويتنا لا تعني الانغلاق عن العالم، بل امتلاك الوعي الذي يجعلنا شركاء فاعلين فيه، لا مجرد متلقين له.

* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي