- - الحشد بات جيش إيران داخل العراق رغم أن رواتبه من بغداد لكن أوامره وتمويله الأكبر من طهران
- - مشروع قانون الحشد الشعبي يمهد لتحويله إلى حرس ثوري ثانٍ
- - الحشد الشعبي نشأ من شرعية مزدوجة وكتائب مسلحة تنفذ أجندة إيران
- - الخزعلي قدم أكبر دلائل الإرهاب وهو يحرض على العنف المسلح ضد البحرين
- - فصائل الحشد تستنسخ بنية الحرس الثوري الإيراني وعقيدة «الولي الفقيه»
- - «هيومن رايتس ووتش»: هجمات الحشد على المدنيين السنة ترقى إلى جرائم حرب
- - «العفو الدولية»: اختطاف وتعذيب وإعدام وتهجير وتطهير عرقي وديني على قائمة جرائم الحشد
- - جعفر سلمان: الهدف دائماً عند الإيرانيين هو تكوين جيش وكيان مواز داخل الدول المستهدفة
- - عبدالله الجنيد: دور «الحشد» استدامة الدولة الفاشلة وقمع الانعتاق من الهيمنة الإيرانية
- - رعد هاشم: الفكرة كانت التطوع لمقاتلة داعش ثم عمل سليماني على تكوين تنظيم كالحرس الثوري
- - غانم السليماني: المرحلة المقبلة عنوانها تعزيز الاستقرار وهيبة الدولة والانفتاح على محيطها
- - سمير راغب: ميزانية الحشد الشعبي تقترب من ميزانية وزارة الدفاع الإيرانية
- - حاتم صابر: الخليج ينظر للفصائل الولائية بالحشد كمصدر تهديد مباشر للسلامة الإقليمية
- - سلمان الشريدة: أي دولة ذات سيادة لا يمكن أن تقبل بوجود سلاح خارج سلطتها
هيئة عراقية بغلاف رسمي، تخترقها فصائل تستنسخ بنية الحرس الثوري وعقيدة «الولي الفقيه».. هكذا وصف خبراء ومحللون سياسيون «الحشد الشعبي» بجمهورية العراق، مؤكدين أنه نشأ من شرعية مزدوجة، وضم كتائب مسلحة لم تندمج بشكل كلي وتتبع الحرس الثوري الإيراني. وأكدوا أن الهدف الدائم لإيران هو تكوين جيش وكيان موازٍ داخل الدول المستهدفة، وجسّد استخدام الأراضي العراقية كـ«منصة إطلاق» الحروب بالوكالة هذا الهدف، لتتحول العراق عبر الحشد الشعبي إلى ساحة تصفية حسابات إيرانية مع دول المنطقة، وهو ما يضع العراق أمام خيارات صعبة، يُضعف موقفها الدبلوماسي، مشددين على أن التعامل اليوم مع هذه الفصائل سيكون أقل كلفة من التعامل معها بعد 10 أو 20 سنة قادمة. وقالوا إن الحشد الشعبي بات يثير القلق إقليمياً بعدما تحولت فصائله إلى أداة للصراع الإقليمي، وحتى على العراقيين أنفسهم؛ بسبب السلاح المنلفت خارج إطار الدولة، كما أن مشروع قانون الحشد يمهد لتحويله إلى حرس ثوري ثانٍ.
ولفت الكاتب والمحلل السياسي جعفر سلمان إلى أهمية تثبيت منطلق مهم، وهو أنه ليس كل منضوٍ تحت عنوان «الحشد الشعبي» هو بالضرورة تابع لإيران، لأن تكوين الحشد الشعبي جاء رداً على دخول «داعش» إلى الموصل، وزحفها جنوباً حتى مدينة التكريت، وبدأت تهدد بغداد، ومن ثم جاءت فتوى «الجهاد الكفائي» من المرجع السيد علي السيستاني، والتي تم الاستجابة لها بشكل كبير سواء من قبل بعض الأحزاب السياسية أو بعض أذرع الأحزاب السياسية المسلحة وأيضاً من الشباب العاديين، والذين في ظاهرهم غير حزبيين. وأضاف سلمان: جرى تكوين جسد كبير متعدد الألوان والأفكار اسمه «الحشد الشعبي»، حتى إنه ضم كتائب كانت في الأساس مسلحة، وتتبع «الحرس الثوري الإيراني»، وأوضح الفارق بين «جيش المهدي» الذي كان يحارب الأمريكان وبين كتائب «حزب الله» العراقي.
وحدد المحلل السياسي المشكلة في أن الكثير من أبناء «الحشد الشعبي» جرى دمجه في الجيش العراقي، ومنهم أولئك الذين كانوا ولا يزالون يوالون إيران داخل الجيش العراقي تحت عنوان «الحشد الشعبي»، ووصف ما حدث بالاختراق الإيراني - ليس فقط داخل الحشد الشعبي - بل أصبح داخل الجيش العراقي نفسه، وقال إن الهدف دائماً وأبداً عند الإيرانيين هو تكوين جيش وكيان مواز داخل الدول المستهدفة، كما هو «حزب الله» في لبنان أو «حماس» في غزة أو «الحوثي» في اليمن. ولفت سلمان إلى التطابق في الأمثلة الثلاثة من حيث التصرف بشكل مستقل عن الدولة، وإيجاد قوات عسكرية تتبع هذه الميليشيات تتصرف أيضا بشكل مستقل وكأنها دولة داخل الدولة، فهي تتخذ قرارات الحرب والسلم نيابة عن الجميع.
وقال: عندما نرى التهديد الحاصل لدول مجلس التعاون الخليجي، والذي يتركز أكثر في كتائب «حزب الله» العراقي والتي لم تندمج بشكل كلي مع الحشد الشعبي، والتي أسسها أبو مهدي المهندس، وجرى تأسيسها تحت إشراف «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، وتعد العمود الفقري للقوات الموالية لإيران داخل العراق، وجرى إنتاج بعض أفرع لهذه الكتائب مثل كتائب «أولياء الدم» أو «سرايا الدفاع الشعبي» أو «أصحاب الكهف» وغيرهم من الكتائب الصغيرة، وكلها تابعة أو ناتجة عن كتاب «حزب الله العراقي». وأكد قائلاً: هنا تحديداً يكمن التهديد لدول مجلس التعاون الخليجي باعتبار أن هذه الكتائب موالية بشكل مطلق لإيران، وتنفذ الأجندة الإيرانية بغض النظر عما يمكن أن يأتي من خلال هذا التنفيذ من آثار سلبية على العراق عموماً.
ميليشيات عقائدية
وحول آليات التعامل مع هذه الميليشيات، أشار سلمان إلى أن التعامل الدبلوماسي واللين معهم، لن يجد نفعاً، لسبب بسيط جداً وهو أن هذه الميليشيات هي ميليشيات «عقائدية» أي أن نهج تفكيرها يقوم على العقيدة، وليس السياسة والاستراتيجية، وللقضاء عليها لابد للحكومة العراقية أن تستعمل القوة العسكرية، وغير ذلك فلن تستطيع أن تخترقها حتى.
وتطرق سلمان إلى دور الحكومة العراقية والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها، مشيراً إلى أنها لم تعد تملك الكثير من الخيارات، فإما أن تنهي وجود هذه الميليشيات، أو أنها تغامر بخسارة محيطها العربي والخليجي بالكامل، والتي هي بأمس الحاجة إليه الآن، وتغامر أيضاً بجلب بعض الهجمات العسكرية، وذلك بعد تحذير الأردن وسوريا، وبعد أن قامت المملكة العربية السعودية بشن هجمات فعلية. وأكد المحلل السياسي أن الخيارات لدى الحكومة العراقية بدأت تنفد وكذلك الوقت باعتبار أن هذه الميليشيات لا تزال تتبع الحرس الثوري الإيراني ومستعدة لتنفيذ كل ما يُطلب منها إيرانيا وهو ما يضع العراق أمام خيارات صعبة لكنها ضرورية، مشدداً على أن التعامل اليوم مع هذه الفصائل سيكون أقل كلفة من التعامل معها بعد 10 أو 20 سنة قادمة.
قمع طموح انعتاق العراق من الهيمنة الإيرانية
بدوره أكد الكاتب والمحلل السياسي عبدالله الجنيد أنه عند مراجعة أداء وانضباط الحشد الشعبي والمهام الموكلة إليه ضمن تراتبيات الأذرع الإيرانية منذ تأسيسه إلى راهن ما أنيط به من أدوار خلال الأزمة الراهنة، فإن دوره الأوحد هو ضمان استدامة حال الدولة الفاشلة وقمع أي طموح عراقي بالانعتاق من الهيمنة الإيرانية، وتجلى ذلك الدور في قمع الانتفاضة العراقية الشيعية.
وأشار الجنيد إلى فشل الحشد الشعبي أن يكون فاعلاً في سوريا والحيلولة دون سقوط نظام الأسد، واعتماده كثيراً على الخبرات التقنية والقتالية لدى كل من الحوثي وحزب الله اللبناني في إدارة منظومات قتالية «المسيرات والصواريخ التي استهدفت الكويت والبحرين والسعودية».
وقال: لقد أثبتت قائمة القتلى من الحرس الثوري والحوثي نتيجة العملية العسكرية السعودية الأمريكية الأخيرة على مقار وقواعد الحشد الشعبي ذلك الواقع، فإيران لا يمكن أن تغامر بوجود قوة موحدة ومنضبطة على حدودها المباشرة، تماثل نموذجي حزب الله أو أنصار الله (الحوثي).
ولفت الكاتب السياسي إلى أن الحشد الشعبي لم يمثل - تاريخياً -تهديداً حقيقياً لأمن دول جوار العراق الخليجية، إلا أن المعادلة اختلفت عندما قررت طهران تطوير توظيفات الحشد خلال الحرب القائمة. وقد اتضح ذلك من خلال انتقاء فرق مختصة في استخدام الصواريخ والمسيرات معززة بخبرات من الحرس الثوري و(الحوثي). ولذلك جاءت الرسالة السعودية الأمريكية المشتركة واضحة، حيث لم يعد بالإمكان مهادنة ذلك الحال أو القبول بتمييع مسارات التفاوض لإنهاء الأزمة عبر توسيع نطاق الحرب جغرافيا. وحول تصنيف الحشد الشعبي وفصائله كمنظمات إرهابية، أوضح الجنيد أن هذا المسار لن يحقق الهدف باحتوائها، مشيراً إلى أن غالبية فصائل الحشد قد سبق وصنفت كمنظمات إرهابية. إلا أنها ممثلة في البرلمان والحكومة العراقية، وتساءل: هل ستقوم دول مجلس التعاون برفض التعامل رسمياً مع وزراء ونواب البرلمان العراقي المنتمين لفصائل الحشد الشعبي مثلا؟.
فصائل تستلهم أوامرها من طهران مباشرة
من جانبه أوضح الباحث في الشأن السياسي والأمني العراقي، رعد هاشم، أن الحشد الشعبي ولد من رحم فتوى من قبل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في النجف لمكافحة تنظيم داعش قبل أن يدخل في الأطر النظامية للدولة، وذلك حين دعت «المرجعية» للتطوع لمواجهة تنظيم داعش؛ ومن ثم عملت الأحزاب السياسية داخل البرلمان على منح هذه الهيئة الصفة الشرعية وربطها بالأجهزة الأمنية الرسمية.
وقال إن الحشد الشعبي في شكله اليوم لديه فصائل كثيرة بعضها مرهون أمره بالقائد العام للقوات المسلحة في العراق فعلاً، لكن كثيراً منها يرتبط عقائدياً وولائياً مع إيران، بالتالي تستلهم أوامرها من طهران مباشرة.
وأشار هاشم إلى أن الفصائل الولائية مسجلة ضمن هيئة الحشد الشعبي بدافع إداري يتمثل في الحصول على الشرعية والرواتب الشهرية والتسلح، لكنها لا تطيع أوامر القائد العام ولا أي جهات رسمية عراقية، بل تطيع الولي الفقيه في قم مباشرة.
وقال: «لطالما دعونا لفك الارتباط بين الفصائل الولائية والحشد للاستدلال على من هي التي تطيع إيران، وتنتمي لها ومن تنتمي للدولة العراقية.. وإن حدث هذا الشيء، فإنه سيخفف من وطأة الأمر، ويتكشف مستوى التداخل الإيراني». وعملت إيران على توظيف هذه الجماعات لصالحها تحت شعار المقاومة وبغطاء عقائدي، بحسب هاشم، الذي أكد أن ولاءها أصبح تابعاً للولي الفقيه في قم، وهذا انتماء علني تفتخر به هذه الفصائل علناً، بحسب قوله. وقال المحلل العراقي إن فكرة تكوين ميليشيات سواء في العراق أو بقية دول المنطقة مثل لبنان واليمن تأتي لاستنساخ تجربة الحرس الثوري في إيران، موضحاً أن الحشد الشعبي وظف تحت أطر نظامية، وصار بمثابة الأمر الواقع في العراق من خلال فصائله المختلفة. وأضاف: «الفكرة كانت عبارة عن تطوع لمقاتلة تنظيم داعش؛ ومن ثم عمل قاسم سليماني على لململة هذه المجموعات لتكوين تنظيم مقارب للحرس الثوري وهي الخيمة الأكبر لهم».
ومع ذلك، يشير هاشم إلى أن تلك المجموعات المتطوعة لم تكافح «داعش»، أو تخوض معارك ضدها، بل كانت تقف خلف القوات المسلحة العراقية وجهاز مكافحة الإرهاب للسيطرة على الأراضي المحررة من التنظيم الإرهابي تحت غطاء جوي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وبعد هزيمة «داعش»، تمكنت إيران من توظيف تلك المجموعات، بحسب هاشم، بحيث يكون لطهران الطاعة العمياء من خلال تغذية فيهم النزعة العدوانية وزرع الكراهية فيهم ضد العرب وقادة الدول العربية، على حد وصفه. وتطرق هاشم إلى أن السلطات العراقية لا يمكنها مس هذه الفصائل المسلحة قائلاً إن «أي جهاز أو شخصية مهما كانت كبيرة إذا حاولت المساس بأي وحدة من قطاعات الحشد الشعبي، فإنها تعرض نفسها للخطر بدليل أن جهاز مكافحة الإرهاب لا يقوى على دخول مقر أصغر معسكر لأي مليشيا».
وشدد على ضرورة أن تعمل الحكومة العراقية على تحييد هذه الجماعات لكف عدوانها على دول الجوار، لكنه شكك في إمكانية حدوث ذلك على أرض الواقع. وتابع: «قد يكون هناك حوار للتهدئة وتقليل الأضرار، لكن الموضوع لا يحل بالحوار على اعتبار أن إيران هي من تضغط عليهم وقرارها هو النافذ».
ومن الكويت أكد الإعلامي د. غانم السليماني أن العراق الشقيق يقف اليوم أمام مرحلة مهمة مع تولي رئيس الوزراء علي الزيدي مسؤولية قيادة الحكومة، وسط آمال بأن تكون المرحلة المقبلة عنوانها تعزيز الاستقرار وترسيخ هيبة الدولة والانفتاح على محيطها العربي والخليجي.ونوه السليماني بالزيارة الأخيرة للنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية بالكويت الشيخ فهد يوسف الصباح إلى محافظة البصرة، والتي جاءت لتؤكد عمق العلاقات الكويتية العراقية، وتعكس حرص القيادتين على تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي والتنموي، وتوجيه رسالة واضحة بأن المستقبل يجب أن يبنى على الشراكة والتكامل وحسن الجوار، لا على الخلافات والتجاذبات. كما شدد الإعلامي الكويتي على نموذجية العلاقات الكويتية العراقية اليوم في المنطقة، بعد أن تجاوز البلدان الكثير من ملفات الماضي، واتجها نحو بناء شراكات للمستقبل، موضحاً أن الكويت تنظر إلى العراق كشريك قوي ومستقر وموحد باعتباره ركيزة أساسية لأمن الخليج العربي واستقرار المنطقة، وأن استقرار العراق وازدهاره يمثلان مصلحة مشتركة لجميع دول الجوار. واستدرك قائلاً: لكن الطريق نحو عراق مزدهر ما زال يواجه تحديات كبيرة، وفي مقدمتها ملف السلاح المنلفت خارج إطار الدولة، والذي يشكل خطراً على العراقيين أنفسهم، فمن الضروري أن تكون جميع الميليشيات المسلحة خاضعة بالكامل لسلطة الحكومة العراقية وقرارات القائد العام للقوات المسلحة، لأن وجود أي مراكز قوة موازية للدولة يثير القلق داخلياً وإقليمياً، ويؤثر على الاستقرار السياسي والأمني داخلياً وخارجياً. ومن منظور خليجي، أشار السليماني إلى أن مصدر القلق لا يتعلق بالعراق الدولة أو بالحكومة العراقية، بل بأي ميليشيات مسلحة تمتلك القدرة على التحرك خارج سلطة الدولة أو الانخراط في صراعات إقليمية لا تخدم المصالح الوطنية العراقية، وقال: مع الأسف، فإن استمرار هذا الواقع يجعل بعض الفصائل المسلحة مصدر قلق لدول الجوار، ويؤثر على صورة العراق الإقليمية، في وقت يحتاج فيه العراق إلى تعزيز الثقة مع محيطه العربي واستقطاب الاستثمارات والتنمية.
وشدد الإعلامي السليماني على المسؤولية التاريخية الواقعة على عاتق حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، لإثبات أن الدولة قادرة على فرض القانون واستعادة القرار الوطني ومواجهة الفساد الذي استنزف مقدرات العراق لعقود طويلة، مؤكداً أن نجاح الحكومة لن يقاس بعدد التصريحات أو الاجتماعات، بل بمدى قدرتها على فرض هيبة الدولة وتحسين الخدمات وتوفير حياة كريمة للمواطن العراقي. وقال: من الضروري تعزيز العلاقات الكويتية العراقية لتبقى نموذجاً للتعاون الإقليمي البناء باعتباره خياراً استراتيجياً يخدم أمن المنطقة وتنميتها، لأن استقرار العراق ليس مصلحة عراقية فقط، بل مصلحة خليجية وعربية وإقليمية، وكل خطوة تتخذها بغداد نحو ترسيخ سلطة الدولة ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات وتعزيز الأمن ستلقى ترحيباً ودعماً من محيطها العربي.
الحشد الشعبي ليس كياناً موحداً
كذلك أكد رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية اللواء سمير راغب أن الحشد الشعبي العراقي ليس كياناً موحداً، بل مظلة تضم فصائل متعددة الولاء والتوجه، تتراوح بين فصائل منضبطة تخضع لسلطة الدولة، وأخرى منفلتة تدين بالولاء للخارج.
وقال إن الحشد الشعبي نشأ من شرعية مزدوجة، دينية ورسمية، بعد فتوى الجهاد الكفائي عام 2014، وتشريع البرلمان له عام 2016 كهيئة تابعة للقائد العام للقوات المسلحة، وهذا الأصل يميز الحشد عن حزب الله اللبناني الذي يعمل خارج الدولة، وعن الحوثيين الذين سيطروا على مؤسسات الدولة بالقوة، وعن الحرس الثوري الإيراني الذي أنشأه الدستور جيشاً موازياً منذ اللحظة الأولى. وأشار اللواء راغب إلى موازنة الدولة العراقية لعام 2024، والتي شملت رواتب نحو 238 ألف عنصر في صفوف الحشد، بقيمة 3.4 مليار دولار، وهو غطاء مالي ومؤسسي لا يملكه حزب الله ولا الحوثيون، فميزانية الحشد الشعبي تقترب من ميزانية الدفاع الإيرانية. وأوضح راغب أن مهام الحشد تتوزع بين مسار رسمي يشمل مكافحة الإرهاب والسيطرة الأمنية، ومسار غير رسمي توظفه الفصائل النافذة للضغط السياسي والسيطرة على الاقتصاد غير الرسمي، وكذلك فصائل رئيسية داخل الحشد، مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«حركة النجباء»، تعيد إنتاج النموذج الإيراني، وتدين بالولاء لولاية الفقيه بدل المرجعية الوطنية في النجف. وقال إن مشروع قانون الحشد المتنازع عليه يمنح الهيئة استقلالية مالية وإدارية أوسع، ويمهد لتحويلها إلى حرس ثوري ثانٍ خارج سلطة وزارتي الدفاع والداخلية، وأضاف: الخلاصة أن الحشد الشعبي هيئة عراقية بغلاف رسمي، تخترقها فصائل تستنسخ بنية الحرس الثوري وعقيدة حزب الله، وهو ما يجعلها كياناً هجيناً فريداً في المنطقة. وبحكم الموقع الجغرافي للعراق بامتداده الجغرافي من حدود تركيا وإيران، مروراً بالشام وحتى الخليج العربي والجزيرة العربية يجعل دوره بالوكالة عن إيران المهدد الأكبر من الفواصل والوكالات الأخرى. وأكد اللواء راغب أن الحشد الشعبي يعتبر أكبر كيان يمثل خطراً على منطقة الخليج العربي، بسبب طبيعة الهيكل التنظيمي والقوة العددية والوضع الدستوري، وأيضاً بالموقع الجغرافي، الذي يعد الأخطر على الخليج العربي والشام والجزيرة العربية. وحول ما يمثله نموذج الحشد الشعبي في علاقته بالدولة، وصف خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، العقيد حاتم صابر الحشد الشعبي في العراق بأنه أحد أكثر الظواهر المعقدة في الشرق الأوسط الحديث، إذ نشأ عام 2014 بفتوى دينية لمواجهة تنظيم «داعش» لتتحول لاحقاً إلى مؤسسة رسمية ضمن المنظومة الأمنية العراقية بموجب قانون أُقر عام 2016. لكن اتساع النفوذ السياسي والعسكري لفصائل محددة داخل هذه الهيئة جعلها محور جدل دائم حول استقلالية القرار العراقي وعلاقات بغداد الإقليمية. ولفت الخبير صابر إلى ما أسماه «ثنائية الهيكلية» في الحشد الشعبي حيث ينقسم ما بين فصائل موالية للمرجعية الدينية، وترتبط أيديولوجياً وعسكرياً بالمحور الإيراني، وأخرى تعلن الالتزام بقرارات الدولة، وقال إن الهجمات العابرة للحدود بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي انطلقت في أوقات سابقة نحو الأراضي الخليجية، أو استهدفت مصالح دولية في المنطقة جعلت دول الخليج تنظر إلى الفصائل الولائية داخل الحشد بوصفها مصدر تهديد مباشر للسلامة الإقليمية. وفي إجابته على سؤال ما إذا كان الحشد الشعبي هو النسخة العربية من الحرس الثوري الإيراني، لفت إلى الشكوك الواسعة حول إمكانية اعتبار الحشد الشعبي نسخة عربية مطابقة للحرس الثوري الإيراني، رغم وجود نقاط تقاطع وتأثر ظاهر، مشيراً إلى أن المقارنة بينهما تظهر اختلافات جوهرية على صعيد التأسيس والترتيب الهيكلي ومصادر التمويل، وقال: من حيث التأسيس والدستور يُعتبر الحرس الثوري الإيراني مؤسسة عقائدية راسخة منصوصاً عليها صراحة في الدستور الإيراني لحماية الثورة ونظامها، بينما نشأ الحشد الشعبي العراقي في ظرف استثنائي عبر فتوى دينية ثم جرى فرض وجوده وتأطيره لاحقاً كـهيئة أمنية بقانون برلماني. أما من ناحية المركزية والانضباط الهيكلي، فأشار إلى ما يتميز به الحرس الثوري من مركزية تخضعه كلياً لقيادة «الولي الفقيه»، في حين يتسم الحشد الشعبي بهيكل غير متجانس تتعدد فيه المرجعيات والولاءات السياسية والفكرية.
وحول الحلول المطلوب تنفيذها من الحكومة العراقية أكد صابر أن بغداد تجد نفسها تحت ضغط مستمر للسيطرة على سلاح الفصائل لتحقيق التوازن الاستراتيجي، وعليها دمج وتفكيك الفصائل غير المنضبطة وإخضاع جميع الألوية بشكل عملي وعسكري - وليس شكلياً فقط - لقيادة القائد العام للقوات المسلحة، وتطبيق القانون الذي يمنع قيادات الحشد المسلحة من الانخراط في الانتخابات وإدارة العمل السياسي، وضبط الحدود والمنافذ وإنهاء سيطرة الفصائل المسلحة على المعابر الحدودية والمرافق الاقتصادية الحيوية.
وفي المقابل أكد الخبير الدولي أن دول الخليج ترغب في بناء شراكات اقتصادية ضخمة مع العراق، ولكن التخوف الأمني من تحرك الفصائل خارج نطاق سلطة الدولة يعيق تدفق هذه الاستثمارات، وقال إن أي فشل حكومي في كبح الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية يُضعف موقف العراق الدبلوماسي، ويجعله عرضة لضربات انتقامية أجنبية تسلب الدولة سيادتها الوطنية.
واختتم قائلاً: يبقى الحشد الشعبي بين طريقين كونه قوة أمنية نجحت في دحر الإرهاب وضمان الاستقرار الداخلي وكون بعض فصائله تحولت إلى أداة للصراع الإقليمي والتحدي الأكبر أمام الدولة العراقية يكمن في تحويل الحشد إلى مؤسسة عسكرية مهنية بحتة تحت راية علم البلاد فقط ومسيطر عليها عسكرياً وسياسياً وأمنياً ودينياً.
الدولة تتحمل المسؤولية
وقال المحلل السعودي سلمان الشريدة إن المشكلة لا تكمن في مسمى الحشد الشعبي بحد ذاته، وإنما في وجود فصائل مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً عن الدولة، وترتبط في بعض مواقفها وأدوارها بأجندات خارجية. ولذلك نجد أن كثيرين يشبهون بعض هذه الفصائل بنموذج الحرس الثوري الإيراني، ليس من باب التطابق الكامل، وإنما بسبب تشابه آلية العمل، وازدواجية القرار، والقدرة على التحرك خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وحمل الشريدة الحكومة العراقية مسؤولية ما يحدث، وقال إن أي دولة ذات سيادة لا يمكن أن تقبل بوجود سلاح خارج سلطتها أو أن تُستخدم أراضيها منصة لتهديد دول الجوار. والمطلوب اليوم ليس فقط إصدار بيانات إدانة أو تشكيل لجان تحقيق، وإنما اتخاذ إجراءات عملية تضمن أن يكون القرار الأمني والعسكري بيد الدولة وحدها، وأن تُنفذ التعهدات العراقية بعدم السماح باستخدام أراضيها للاعتداء على الآخرين. فهذا يصب أولاً في مصلحة العراق، ويعزز الثقة مع دول الخليج، ويفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وسياسي أكبر.
واستدرك قائلاً: إذا استمرت بعض الفصائل في إطلاق التهديدات أو تنفيذ اعتداءات عابرة للحدود، فمن الطبيعي أن تبحث الدول المتضررة عن الوسائل القانونية لحماية أمنها، بما في ذلك المطالبة بتصنيف تلك الفصائل على قوائم الإرهاب إذا توافرت المعايير القانونية لذلك. فالتصنيف في النهاية لا يُبنى على الانتماءات أو المسميات، وإنما على السلوك والممارسات ومدى تهديدها لأمن الدول واستقرار المنطقة. وأكد أن الفرصة ما زالت قائمة أمام الحكومة العراقية لإثبات أن العراق دولة مؤسسات، وأن علاقتها مع محيطها العربي والخليجي تُبنى على احترام السيادة وعدم السماح لأي جماعة مسلحة بأن تجر البلاد إلى صراعات لا تخدم الشعب العراقي ولا استقرار المنطقة.
الحشد الشعبي.. انتهاكات تحاكي إرهاب داعش
منذ ظهوره في خضم الانهيار الأمني الذي شهده العراق عام 2014، تحوّل «الحشد الشعبي» من مظلة لقوات تطوعية تشكلت لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي إلى قوة عسكرية وسياسية واسعة النفوذ باتت بجرائمها تحاكي ما فعله «داعش» الذي تدعي معاداته.
وعبر سنوات بات الحشد الشعبي يضم عشرات الميليشيات المتباينة في مرجعياتها وولاءاتها. وبينما أصبح الحشد على الورق فقط جزءاً من القوات المسلحة العراقية، ظلت ميليشياته مرتبطة بإيران ومأمورة بشكل مباشر الحرس الثوري، وتحافظ على هياكل قيادية وقدرات عسكرية وعلاقات خارجية تمنحها هامشاً من الحركة بعيداً عن سيطرة بغداد، وسط تأكيدات حقوقية بارتكاب عمليات قتل وتعذيب وخطف وتهجير وتدمير ممتلكات في مناطق ذات غالبية سنية.
وتعود نشأة الحشد إلى فتوى «الجهاد الكفائي» التي أصدرها المرجع الديني الشيعي الأعلى علي السيستاني عقب سقوط الموصل وسيطرة «داعش» على مساحات واسعة من العراق، داعياً القادرين على حمل السلاح إلى التطوع في القوات الأمنية. وانضم إلى التعبئة متطوعون جدد، إلى جانب جماعات مسلحة كانت قائمة قبل ذلك بسنوات، ثم نظمتها الحكومة ضمن إطار حمل اسم «هيئة الحشد الشعبي».
ومن هنا يبرز فارق أساسي بين الدافع الأصلي وبين المسار اللاحق لميليشيات الحشد؛ فالفتوى دعت إلى الدفاع عن العراق والانضمام إلى القوات الأمنية، ولم تمنح ميليشيات بعينها تفويضاً دائماً بالاحتفاظ بسلاح مستقل أو إقامة روابط عسكرية خارجية. ومع انحسار خطر «داعش»، اتسعت الفجوة بين المهمة التي بررت التعبئة عام 2014 والواقع الذي أصبحت فيه فصائل مسلحة طرفاً مؤثراً في السياسة الداخلية والتجاذب الإقليمي، وأداة لتنفيذ مخططات إيران الإرهابية.
ولعبت ميليشيات الحشد دوراً رئيسياً إلى جانب الجيش والشرطة في معارك آمرلي وجرف الصخر وتكريت والفلوجة والموصل ومناطق أخرى، ورغم أن الحرب حينها كانت ضد داعش لكن تقارير حقوقية وثقت جرائم حرب ارتكبتها ميليشيات الحشد مدنيين لا ناقة لهم ولا جمل بداعش أو غيرها.
وفي فبراير 2016، صدر أمر ديواني ربط الهيئة بالقائد العام للقوات المسلحة، قبل أن يقر البرلمان في نوفمبر من العام نفسه قانوناً عدّها «تشكيلاً عسكرياً مستقلاً وجزءاً من القوات المسلحة العراقية»، وأخضع منتسبيها نظرياً للقوانين العسكرية وألزمهم بفك الارتباط بالأطر السياسية والحزبية.
غير أن الوضع القانوني لم ينه الجدل بشأن ولاء جميع الميليشيات وقدرة الدولة على التحكم في قرارها وسلاحها. فالحشد ليس تنظيماً متجانساً، بل مظلة تضم ميليشيات شيعية وتشكيلات أقل عشائرية سنية، إلى جانب وحدات تركمانية ومسيحية وإيزيدية وشبكية. وداخل المكون الشيعي نفسه، ترتبط بعض التشكيلات بمرجعية النجف أو بقوى محلية، بينما تعد منظمة بدر وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء من أبرز الجماعات وثيقة الصلة بطهران.
وخلال الحرب على «داعش»، قدمت إيران للميليشيات الشيعية تحديدا التدريب والسلاح والخبرات والاستشارات الميدانية. ولم يقتصر النفوذ الإيراني على الإسناد العسكري، إذ أسهم الدعم المالي والسياسي في تحويل هذه الميليشيات إلى قوى متجذرة في مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، تمتلك شبكات تجارية وتمثيلاً برلمانياً ومواقع حكومية، إلى جانب قواعد ومستودعات وورش يعتقد أنها مخصصة لصناعة الطائرات المسيّرة وتطوير الصواريخ. وبذلك نشأت داخل الإطار الرسمي معادلة مزدوجة: رواتب وغطاء قانوني توفرهما الدولة العراقية، يقابلهما نفوذ عقائدي وتنظيمي إيراني لدى عدد من أكثر الميليشيات تسليحاً.
وهكذا احتفظت هذه الميليشيات بسلاسل قيادة ومصادر قرار مرتبطة بأوامر مباشرة من إيران وتحديدا الحرس الثوري، وهو ما ظهر في هجمات وبيانات وتحركات لم تكن بغداد تعلن تبنيها. كما سمح الانخراط السياسي للميليشيات أو للأحزاب المرتبطة بها بتحويل القوة العسكرية إلى نفوذ مؤسسي، فباتت محاولات نزع السلاح أو إعادة الهيكلة تصطدم بحسابات داخل البرلمان والحكومة والشارع. ولهذا تكررت الدعوات إلى الفصل الحقيقي بين السلاح والسياسة، وإخضاع الموارد والمقرات والتعيينات لرقابة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بالنصوص التي تقرر تبعية الحشد للقائد العام من دون ضمان تنفيذها على كل فصيل.
وتبرز ميليشيات حزب الله، التي أسسها أبو مهدي المهندس، بوصفها واحدة من أكثر الميليشيات ارتكاباً للجرائم والانتهاكات والأعمال الإرهابية، باعتبارها الأكثر تبعية بشكل مباشر لإيران، كما تعد ميليشيات سيد الشهداء وحركة النجباء من الجماعات الأكثر قرباً من طهران، وترفض التخلي عن أسلحتها، رغم تأكيد الحكومة العراقية أن قرارات الحرب والسلم واستخدام القوة من اختصاص الدولة وحدها.
وتجسد علاقة قائد «فيلق القدس» السابق بالحشد حجم الحضور الإيراني المباشر في المشهد العراقي. فقد ظهر سليماني مراراً بصحبة قادة وعناصر من الحشد، وتحدثت تقارير في مايو 2015 عن عودته إلى العراق لإدارة عمليات الميليشيات وإعادة تنظيم مجلسها القيادي. وكانت صور وجود قائد عسكري إيراني في ميادين القتال العراقية تقدم دليلاً بصرياً على دور طهران الذي تجاوز الدعم عن بعد إلى المشاركة في التخطيط والتنسيق الميداني.
ولم تقتصر العلاقة على غرف العمليات والجبهات؛ فقد نشر موقع قناة «العالم» الإيرانية مقطعاً متداولاً ظهر فيه سليماني وهو يلعب الكرة الطائرة، داخل منزل أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد آنذاك. والمشهد حمل دلالة على قرب العلاقة الشخصية والتنظيمية بين الرجلين، قبل مقتلهما معاً في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في 3 يناير 2020.
وكان سليماني قد وصف الحشد في إحدى كلماته بأنه أقوى من جيوش المنطقة، وربط ما سماه الانتصار في العراق بالدعم الإيراني ومساندة «حزب الله» اللبناني، في وقت كان يعلم كل العالم ويرى الجرائم المتراكمة التي تؤكد أن هذه الميليشيات ليست إلا امتداداً لاستراتيجية إيرانية تعتمد على الميليشيات المسلحة لبناء نفوذ يتجاوز الحدود الرسمية، ويزعزع الدول من داخل مؤسساتها.
ويظهر هذا البعد الإقليمي أيضاً في خطاب قيس الخزعلي، زعيم «عصائب أهل الحق» الإرهابية، الذي دعا في مقطع متداول إلى تبني العنف المسلح ضد البحرين والسعودية، وأبدى استعداد جماعته لدعم هذا الخيار. وتمثل «العصائب» إحدى ميليشيات الحشد الأوثق ارتباطاً بإيران، كما شاركت في القتال بسوريا عبر تشكيلات مسلحة مرتبطة بها.
وبموازاة الجدل بشأن النفوذ الإيراني، لاحقت اتهامات خطيرة فصائل من الحشد خلال العمليات ضد «داعش» وبعدها، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية السنية. وشملت الانتهاكات الموثقة أو المبلغ عنها ما يرتقي لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مثل القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، والتهجير، ونهب الممتلكات وحرق المنازل والمتاجر، وتدمير قرى ومساجد وحقول، ومنع نازحين من العودة إلى مناطقهم.
وترسم التقارير الحقوقية الأممية والدولية نمطاً متكرراً من الانتهاكات وجرائم الحرب من قبل ميليشيات الحشد الشعبي في مراحل استعادة المدن.
ووفقاً لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» فإن هجمات نفذتها ميليشيات من الحشد ضد مدنيين سنة في محافظة ديالى قد ترقى إلى جرائم حرب. ووثقت المنظمة، استناداً إلى إفادات سكان، أعمال قتل ونهب وتدمير أعقبت تفجيرين تبناهما «داعش» في بلدة المقدادية في يناير 2016، واتهمت منظمة بدر وعصائب أهل الحق بمهاجمة سكان ومنازل ومساجد، ما أسفر، بحسب الشهادات التي جمعتها، عن مقتل عشرة أشخاص على الأقل.
وأكدت المنظمة أن قتل المدنيين عمداً ونهب ممتلكاتهم وتدميرها من دون مبرر عسكري يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي، ويشكل جريمة حرب.
وفي تقرير آخر عن المناطق المحيطة بآمرلي في محافظة صلاح الدين، قالت «هيومن رايتس ووتش» إن ميليشيات أمكن التعرف إليها من مركباتها وشاراتها بأنها تتبع للحشد الشعبي نهبت ممتلكات مدنيين سنة فروا من القتال، وأحرقت منازل ومتاجر ودمرت قريتين على الأقل. وحددت المنظمة بين تلك الميليشيات منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وسرايا طلائع الخراساني، وجميعها كانت تعمل ضمن تشكيلات الحشد.
وفي الفلوجة والصقلاوية بمحافظة الأنبار، تحدثت تقارير منظمات حقوقية وجهات سياسية وعشائرية عن تعذيب وخطف وقتل خارج القانون وإخفاء مئات المدنيين بعد فرارهم من مناطق القتال. واتهم تحالف القوى العراقية، في يونيو 2016، ميليشيات من الحشد بالضلوع في «مجزرة المحامدة» ومقتل عشرات الأشخاص واختطاف أكثر من 600 وإخفائهم قسراً، فيما أشارت روايات أخرى إلى احتجاز أعداد كبيرة من النازحين في مواقع مجهولة. وتكتسب هذه الاتهامات خطورتها من أن الضحايا كانوا مدنيين خرجوا من مناطق سيطر عليها «داعش» بحثاً عن الأمان، ثم وجد بعضهم نفسه موضع اشتباه جماعي بسبب انتمائه المناطقي أو العشائري، ما فتح الباب أمام ثارات محلية وتغيير ديموغرافي ومنع عائلات كاملة من استعادة منازلها وأراضيها.
وفي الكرمة، اتهمت الأمم المتحدة عناصر من الحشد بممارسة التعذيب وانتزاع اعترافات بالقوة وتنفيذ إعدامات، بينما تحدثت تقارير محلية عن إحراق مسجدين. وفي تكريت، قال «المركز الوطني للعدالة» إنه وثق تعرض ثمانية آلاف منزل للنهب ثم التدمير بالعبوات الناسفة، واتهم شيوخ عشائر ميليشيات مسلحة بمنع السكان من العودة. كما اتهم مؤتمر عشائر ديالى عناصر من الحشد بتدمير مئة مسجد في المحافظة عام 2014.
أما منظمة العفو الدولية، فوثقت انتهاكات نفذها مسلحون من مليشيات «الحشد » في قرى المكوك وتل شعير ودويزات تحتاني، جنوب شرقي الموصل، عقب استعادتها من «داعش» عام 2016. وبحسب مقابلات أجراها باحثو المنظمة مع مسؤولين وسكان وشهود، احتجز مسلحون رجالاً وفتياناً من دون مذكرات قانونية، وضربوهم بقضبان معدنية وأعقاب البنادق، وصعقوا بعضهم بالكهرباء، وقيدوا آخرين فوق أغطية مركبات وطافوا بهم في الشوارع بقصد الإذلال. وتضمنت الشهادات وضع سبعة رجال وفتيان تراوحت أعمارهم بين 16 و25 عاماً داخل أقفاص للدواجن وعرضهم علناً، قبل ضربهم واقتيادهم. كما تحدث شهود عن اعتقال عشرات الأشخاص، ونقل بعضهم إلى مراكز احتجاز غير رسمية، بينها منازل مهجورة، وعن ظهور آثار التعذيب على محتجزين سلّموا لاحقاً إلى القوات العراقية. وطالبت السلطات العراقية بكبح المقاتلين المسؤولين عن الانتهاكات، وإحالتهم إلى القضاء وفصل المشتبه بارتكابهم الجرائم من الخدمة، مؤكدة أنها سبق أن وثقت بحق وحدات من الحشد الشعبي عمليات اختطاف وإعدام خارج القضاء وقتلاً غير مشروع وتعذيباً وهدم منازل.
وأدت بعض الوقائع المصورة، ومنها حادثة حرق عراقي حياً قرب الفلوجة بعد تقييده، إلى مقارنات بين أساليب عناصر ميليشيات الحشد وممارسات «داعش». وتقوم المقارنة على تشابه وسائل الإرهاب عبر ارتكاب الجرائم في القتل والحرق والتصوير والتباهي والتطهير الطائفي والديني وهدم المقدسات الدينية للغير وإهانتها والخطف والتنكيل والتغييب القسري، وهنا تبرز المفارقة المتمثلة في ارتكاب عناصر يفترض أنها تقاتل الإرهاب أفعالاً تحاكي وحشيته، وفق ما أكدته تقارير إعلامية وحقوقية.
ورغم أن الحكومة العراقية أعلنت في مناسبات عدة فتح تحقيقات، لكن منظمات حقوقية انتقدت ضعف المساءلة وقلة المعلومات المنشورة عن نتائج التحقيقات ومصير المختفين، فيما حذر مسؤولون عراقيون من أن استمرار الإفلات من العقاب يفاقم الاحتقان الطائفي، ويقوض الثقة بالدولة، إلا أن الدعم اللا محدود من إيران حوّل الحشد الشعبي إلى دولة داخل الدولة، فبات حتى أكثر المتهمين بجرائم إرهابية فيها الأكثر نفوذاً وسطوة في مفاصل الدولة العراقية.
وبعد إعلان هزيمة «داعش» عسكرياً في نهاية 2017، انتقلت ميليشيات الحشد الشعبي من المعارك الواسعة إلى ادعاءات بأنها تقوم ملاحقة الخلايا وتأمين الحدود والطرق والمواقع الدينية والاستراتيجية، إلا أن الميليشيات في حقيقة الأمر كانت تقوم بعملية تغيير ديمغرافي عبر ارتكاب انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بهدف طرد مكون كامل من أراضيه وتهيئة الأرض لمكون آخر. وأصبح التحدي الأساسي السيطرة على هذه الميليشيات والحد من جرائمها، وحصر السلاح وقرار استخدامه بيد الدولة. وقد كشفت محاولات إعادة التنظيم عن صعوبة المهمة. فالإعلان عن فك ارتباط فصيل بحزب أو تيار سياسي لا يعني بالضرورة اكتمال دمجه داخل الجيش أو الشرطة، بل يبدأ عادة بجرد الأفراد والأسلحة والمعدات وتسوية الأوضاع الوظيفية وإعادة توزيع الوحدات. ويظل الاختبار الحقيقي في الجهة التي تصدر الأوامر، وتملك السلاح الثقيل وتقرر التحرك، لا في تغيير الأسماء أو العناوين الإدارية وحده. وتجددت خطورة الملف إقليمياً في 28 يوليو، حين أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات دقيقة مشتركة مع القوات المسلحة السعودية في العراق ضد جماعات موالية لإيران. وقال الجيش الأمريكي، في بيان نقلته «رويترز» في 29 يوليو، إن الحرس الثوري الإيراني وجّه تلك الجماعات لمهاجمة السعودية، ثم جاء الدليل الدامغ مع مقتل قيادات بالحرس الثوري الإيراني الإرهابي، وقيادات من ميليشيات الحوثي الإرهابية في الضربات على مقرات الحشد الشعبي في العراق، ما أعاد تأكيد ما يعرفه الجميع حول التبعية المطلقة لهذه الميليشيات لإيران وأنها كانت وما زالت قفازاتها القذرة لتنفيذ الأعمال الإرهابية بالنيابة عن نظام طهران سواء ضد دولها أو حتى من أجل زعزعة أمن واستقرار دول الجوار. وتكشف هذه التطورات أن قضية ميليشيات الحشد الشعبي الإرهابية لم تعد مرتبطة فقط بالحرب التي أنشأته أو بملاحقة بقايا «داعش»، بل بمستقبل الدولة العراقية وعلاقاتها الإقليمية. فوجود مؤسسة رسمية تضم ميليشات لا تدين بالولاء إلا لإيران والحرس الثوري الإرهابي، بحيث تحتفظ هذه الميليشيات بصلات عسكرية وسياسية عميقة مع إيران، يجعل بغداد أمام معادلة: إما مواجهة هذه الميليشيات وسحب سلاحها وحصره بيد الدولة، أو تحول العراق لدولة تنطلق منها ميليشيات تعمل على زعزعة استقرار جيرانها.