وصلني خبر موتها كسؤال عابر: هل علمتي أن فلانة ماتت! جملة باردة باغتتني عبر الإنستغرام واخترقت قلبي كمسمار صدئ لا زال حتى اليوم يحفر قلبي. أخبروني أن الصديقة التي عشت معها سنوات غربتي أثناء دراسة البكالوريوس في الكويت، واقتسمت معها أجمل الأيام والذكريات قد ماتت. لم تكن مجرد صديقة. كانت مزيجاً من الأخت، والأم، والوطن. امتدت صداقتنا على مدى خمسة وعشرين عاماً، ثم التقهما الموت في لحظة. كانت صداقتنا من بعد التخرج وعودة كل واحدة لموطنها مثل شعرة معاوية، فبالرغم من أن دوامة الحياة والمسؤوليات كانت تحاول أن تبعدنا، لكن المحبة كانت أقوى من كل شيء، وكأن المسافات التي بيننا لا تعنينا. كلمتها قبل شهرين. لم أكن أعرف أن الموت يتربص بها، وأن هذه مكالماتنا الأخيرة. ربما لو أخبرتني، أو لمحّت لي لأطلت الحديث وقلت الكلام الذي كعادتي كنت أؤجله، لاعتقادي الساذج أن أمامنا متسعاً من العمر، لكنها لم تكن تعرف هي الأخرى أن النهاية كانت قريبة جداً.
كانت في عمر مقارب لي. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الموت عندي شيخاً يقف في نهاية الطريق بل صار كائناً يتجول بيننا، يعرف أعمارنا وعناويننا، وقد يمد يده في أية لحظة ويقطف واحدة منا.
عدت إلى رسائلها الورقية القديمة، ووضعتها قرب وسادتي، مع الأشياء التي نجت من بعد موت أمي، أقلبّها بحذر قبل أن أنام أخاف أن تقتلني كلمة. ومن ذلك اليوم صار النوم عصياً علي.
أضاف الموت شخصاً عزيزاً آخر إلى قائمة لا أريدها أن تطول. وحوّل الأشخاص الذين كانوا بالنسبة لي العالم لمجرد تذكارات أحتفظ بها على سريري.
نحن نعيش حياتنا ونحن نؤجل الحياة الحقيقة بانتظار الغد لكني تعلمت ألا أثق كثيراً بكلمة (لاحقاً) فلا جدوى من إظهار المحبة وقت العزاء.
عدت لفتح محادثاتنا في الواتساب. كانت هناك: تضحك، وتسأل، وتجيب. تكاد أصابعي تتصل برقمها، أريد أن أقول لها أخباري، أن أكمل أحاديثنا القديمة ونكاتنا السخيفة. ما زالت أشياء كثيرة عالقة في حنجرتي التي أصبحت ثقيلة منذ رحيلها. لكن لا أحد سيجيبني في الطرف الآخر.
للأسف، أصبحت الرسائل حية أكثر منها. وأنا، إلى اليوم، غاضبة منها. كان عليها أن تخبرني أنها ستموت. ربما كنت سأخبرها أني أحبها أكثر من أي وقت مضى أو أطيل المكالمة أكثر، لكن كل ما تبقى لي الآن -بعد الحسرة- هو: الفاتحة التي أهديها كل يوم إلى روحها الطاهرة.