قبل أن يحمل الطالب حقيبته في صباح اليوم الأول ذاهباً للمدرسة، تكون وزارة التربية والتعليم قد سبقته بأسابيع من العمل والاستعداد، فعودة الدراسة لا تبدأ بفتح الأبواب، وإنما بسلسلة طويلة من التفاصيل والجهود التي يجب أن تكتمل في موعدها، فمن تنظيف المدارس وتهيئة الصفوف والمرافق، إلى أعمال الصيانة ومتابعة أجهزة التكييف والتأكد من جاهزية المختبرات والمنشآت التعليمية، بالتوازي مع إعداد الخطط والجداول الدراسية ومراجعة احتياجات كل مدرسة، ونقل المعلمين وفق الاحتياجات. كما تمتد الاستعدادات إلى توفير الكتب المدرسية وتنظيم توزيعها، وإعداد المنصات الرقمية، فضلاً عن جهود الوزارة لبناء شراكات دولية وتعاون مع شركات عالمية متخصصة في التكنولوجيا، وسعيها إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية بما يدعم عملية التعلم ويرفع الكفاءة، ولهذا، حين يدخل الطالب فصله ويجد كل شي منظم، فإن ما يراه في دقائق قليلة هو في الحقيقة حصيلة أسابيع من التخطيط والمتابعة والجهود التي تبذلها الوزارة وفرقها وإداراتها حتى يبدأ العام الدراسي بصورة ناجحة ومنظمة. ومع ذلك، فإن عودة المدارس لا تتبناها وزارة التربية والتعليم وحدها، فهناك جانب آخر تشارك فيه وزارات ومؤسسات وجهات حكومية عديدة، كلٌ بحسب اختصاصه. فعودة آلاف الطلبة في توقيت واحد تعني عودة كثافة الحركة وازدحام الطرق في محيط المدرسة، بل وايضاً في كل شوارع المملكة، ولذلك تعمل الجهات المرورية والأمنية على تنظيم الحركة وتعزيز السلامة، فيما تقوم الجهات المعنية بالطرق والنقل والبنية التحتية بتهيئة الطرق وإصلاح الشوارع وتوفير المواقف لأولياء الأمور، كما تؤدي الجهات الصحية أدوارها الوقائية والتوعوية، وتساند الجهات البلدية والخدمية في الجوانب المرتبطة بالمرافق والخدمات والتنظيف. وإلى جانب ذلك هناك اجتماعات واتصالات وتنسيقات وترتيبات مشتركة لكثير من المؤسسات في المملكة تسبق بداية الدراسة، لتنسيق وتكامل الجهود الوطنية المبذولة.
ولعل أجمل ما في هذه الجهود أنها تكشف صورة حقيقية للتكامل المؤسسي في مملكة البحرين، إذ تعمل جهات متنوعة بمهام واختصاصات مختلفة من أجل «غاية واحدة» ليصل كل طالب إلى مدرسته بأمان ويحقق النجاح في تعليمه وفي تطوير نموه الفكري والعقلي. وخلف كل نجاح يتحقق في قطاع التعليم تقف رؤية واهتمام القيادة الرشيدة التي جعلت الاستثمار في الإنسان وتعليمه أساساً للتنمية، ووضعت تطوير التعليم وجودته في صميم أولويات بناء المستقبل. ومن هذه الرؤية تنطلق الجهود وتتطور المبادرات، فما نشهده اليوم من تطوير للمدارس، ورفع كفاءة المعلمين، وتحديث أساليب التدريس، والتوسع في توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لم يأتِ بمعزل عن اهتمام مستمر بالتعليم باعتباره أحد أهم ركائز تقدم وبناء الوطن. كما أن هذا الاهتمام يحمل نظرة أبعد من حدود العام الدراسي، فالقيادة حين تستثمر في طالب اليوم، فإنها تستثمر في الطبيب والمهندس والمعلم والباحث ورائد الأعمال وصانع القرار في الغد. ولذلك فكلما ارتفعت جودة التعليم اتسعت قدرة مملكة البحرين على المنافسة والابتكار ومواكبة التحولات العالمية، فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى عقول تديرها، والتكنولوجيا تحتاج إلى كوادر تطورها، والاقتصاد الحديث يحتاج إلى مهارات تصنع فرصه. ومن هنا كان التعليم وسيبقى الاستثمار الحقيقي والأبعد أثراً «فالرؤية التي تضع الإنسان أولاً لا تبني عاماً دراسياً ناجحاً فحسب، وإنما تبني وطناً أكثر قدرة على صناعة مستقبله».
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي