سبحانَ ربِّي، وجلَّ في علاه، جعلَ الدينَ هدايةً لا أداة، وميزانًا لا رايةً لفئة؛ فلا المقدَّسُ مطيّةُ حزب، ولا العقيدةُ ملكُ زمرة، ولا المذهبُ جسرُ مشروع.
والخطرُ ليس في أن يهديَ الدينُ السياسة، بل أن تستوليَ السياسةُ على الدين؛ فتنتقي من نصوصه ما يخدمُ سلطانَها، ومن رموزه ما يرفعُ رايتَها، ومن عواطفِ الناس ما يحشدُ جماعتَها. ثم لا تكتفي بطائفيةٍ تفصلُ مذهبًا عن مذهب، بل تلدُ من رحمِ الطائفيةِ فئويةً تفرزُ أهلَ المذهبِ الواحد؛ فلا يعودُ السؤالُ: ماذا تعتقد؟ بل: لمن تطيع؟ ولا: إلى أيِّ مذهبٍ تنتمي؟ بل: إلى أيِّ فئةٍ تنحاز؟ فإن
خالفتَها في المشروع، جعلتْ من اختلافِك خصومة، ومن استقلالِك تهمة، ومن رفضِ الطاعةِ العمياء عداوة.
وهكذا تضيقُ الطائفةُ حتى تصيرَ فئة، وتضيقُ الفئةُ حتى تصيرَ زمرة، ثم تزعمُ الزمرةُ أنها هي المذهبُ كلُّه؛ فتحتكرُ تفسيرَه، وتُقصي مخالفَه، وتتكلَّمُ باسمِه، حتى لا يبقى الدينُ حاكمًا على المشروع، بل يصبحُ المشروعُ متكلِّمًا باسم الدين.
ولعلَّ فيما فرَّق به علي شريعتي بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي ما يستحقُّ الاسترجاع؛ بين ما يبقى في مقامِ الهداية، وبين ما تُسخِّره السياسة؛ بين منهجٍ يحفظُ معناه، ومنهجٍ يُستعملُ مطيّةً لمن يسترُ السلطانَ بثوبِ الإيمان. حذَّر من أن يتحوَّل الإيمانُ من معنىً يُصلحُ الإنسان، إلى أداةٍ تستميلُ النفوسَ وتستولي على الوجدان؛ فإذا بالمحذور يعودُ في ثوبٍ آخر: لا باسمِ الصفوية، بل باسمِ الولاية.
وليس توظيفُ المقدَّس وليدَ اليوم، ولا حكرًا على مذهبٍ دون مذهب؛ فقد عرف التاريخُ نماذجَ استثمرت العقيدةَ في صناعةِ الطاعة، والوعدَ في طلبِ الانقياد، والغيبَ في دفعِ الأتباع إلى الفناء. ويُستدعى هنا حسنُ الصبّاح والحشّاشون، لا أصلًا للتشيع الاثني عشري، فهو إسماعيليٌّ نزاريٌّ لا اثنا عشري، ولا نسبًا فكريًّا مباشرًا؛
وإنما مثالًا تاريخيًّا على خطرِ أن يستوليَ التنظيمُ على العقل، وأن يعلوَ أمرُ الجماعة على الفرد، وأن تُستعملَ العقيدةُ في صناعةِ الانقياد.
وليس ذلك وقفًا على جماعةٍ أو مذهب؛ فقد رأينا في عصرنا داعشَ ترفعُ رايةَ الدين لتقيمَ بها سلطانًا، وطالبانَ تجعلُ من تأويلها للشريعة نظامًا للحكم، ورأينا غيرَهما ممن اتخذَ المقدَّسَ سُلَّمًا إلى الدولة، والدينَ جسرًا إلى السلطة؛ فمنهم من اقتربَ ثم سقط، ومنهم من بلغَ ثم تعثَّر، ومنهم من حكمَ ثم ضاقَ بالحكم وضاقَ به الناس. تتبدلُ الأسماءُ ويبقى الداء، وتختلفُ الراياتُ ويبقى الابتلاء: دينٌ يُستعملُ للوصول، ومقدَّسٌ يُستدعى للاستحواذ، وسلطةٌ تتزيَّا بثوبِ الإيمان لتستأثرَ بالإنسان. فكلُّ من جعلَ الدينَ وسيلةً لامتلاكِ الدولة، وجعلَ نفسَه وصيًّا على الدين والدولة معًا، إنما يسلكُ مسلكًا ثيوقراطيًّا مرفوضًا؛ فالإسلامُ أكبرُ من تنظيم، وأطهرُ من مطمع، وأسمى من أن يكونَ سُلَّمًا لمتسلِّق، أو مطيّةً لمتمصِّلح، أو ستارًا لمآربِ الدنيا.
ولا حاجةَ إلى الجزمِ بما نُسج حول الحشّاشين من رواياتٍ وأساطير؛ فالعبرةُ ليست في الحشيشِ ولا في الحكاية، بل في المريدِ حين يُسلِّم عقلَه قبل جسدِه، وإرادتَه قبل حياتِه، حتى يصبحَ الموتُ طاعةً، والطاعةُ عقيدةً، والعقيدةُ أداةً في يدِ من يُديرُها.
ولم تكن آليةُ توظيفِ المقدَّس غريبةً عن الخميني؛ فقد أعادَ صياغتَها بلغةِ عصره، فحشدَ لما سمّاه ثورةً باسمِ العقيدة، واستثارَ الوجدانَ بوعدِ الشهادة، حتى غدا الموتُ في خطابِ الثورة طريقًا إلى الجنة، والتضحيةُ برهانًا على الطاعة، والفناءُ في سبيلِ المشروع عنوانًا للولاء. وهنا تبلغُ الأيديولوجيا أخطرَ مراتبها: حين لا تكتفي بأن تملكَ رأيَ الإنسان، بل تطلبُ روحَه؛ ولا بأن تُديرَ حياتَه، بل أن تُحدِّدَ له كيف يموت، ولماذا يموت، ولمن يموت.
ثم أخرجَ من رحمِ ذلك المشروع مسخَ جمهوريةٍ ثيوقراطية؛ لها من الديمقراطيةِ اسمُها، ومن الانتخاباتِ رسمُها، أمّا جوهرُها فولائيٌّ مطلق، وسلطانُها له ولزمرتِه. فأنزلَ الفكرةَ من المنبرِ إلى الدولة، ومن الشعارِ إلى النظام، ومن تعبئةِ الجماهير إلى صناعةِ المؤسسات؛ فلم يعدِ المطلوبُ مريدًا يطيعُ فحسب، بل دولةً تُطيع، ومؤسساتٍ تنصاع، ومجتمعًا يُصاغُ على مقاسِ الولاية. وهنا لم يعدِ المقدَّسُ وقودًا للثورة وحدها، بل صار غطاءً للسلطة؛ تُحكِمُ به قبضتَها، وتُقصي به مخالفيها، وتفرزُ به حتى أبناءَ المذهب الواحد: من كان للولاية فهو من الفئة، ومن خالفَها خرج من دائرتها، وإن لم يخرج من مذهبه.
ثم قُتل علي خامنئي، فانكسر رأسُ الطور الأول، وأعادَ المشروعُ إنتاجَ نفسه في جمهوريةٍ ولائيةٍ ثانية، أشدَّ تشددًا، وأوسعَ عسكرةً، وأغلظَ قبضةً. ومنذ تلك اللحظة، غدا الحرسُ الثوريُّ عمودَ الدولة، وغدا التشددُ سياسةً، والسياسةُ أمنًا، والأمنُ عقيدةً. ففي الجمهوريةِ الأولى كان للحكومةِ ظلٌّ، وللبرلمانِ هامشٌ، وللمدنيِّ موضعٌ؛ أمّا الثانيةُ فقد ضاقت حتى بالظل، واستثقلت حتى الهامش، وأقصت حتى الموضع؛ حتى لم تعدِ الدولةُ تملكُ حرسًا، بل غدا الحرسُ يملكُ الدولة، ولم تعدِ الولايةُ فوقَ النظام، بل أخذ النظامُ كلُّه يتشكَّلُ على مقاسِ الولاية.
وفي هذا الطورِ الثاني، لم يَعُد التشددُ يكتفي بأن يحكمَ من وراءِ الدولة، بل تقدَّم ليعيدَ تشكيلَ الدولة؛ فصار رجالُ الدينِ المتشددون رأسَ المشروع، والحرسُ الثوريُّ يدَه، والمؤسساتُ المدنيةُ واجهتَه. تُبقي الجمهوريةُ للرئاسةِ كرسيَّها، وللبرلمانِ مقاعدَه، وللانتخاباتِ صناديقَها؛ ثم تُفرغُ الكرسيَّ من سلطانِه، والمقاعدَ من قرارِها، والصناديقَ من أثرِها. وهكذا لا تُهدمُ الدولةُ حتى يُقال إنها هُدمت، بل تبقى قائمةً في رسمِها، غائبةً في حكمِها؛ لها اسمُ الجمهورية، وصورةُ المؤسسات، ولكن القرارَ لمن يملكُ القبضة، والقبضةَ لمن يحتكرُ الولاية.
سيرحلُ نظامُ ولايةِ الفقيه؛ فما طالَ باطلٌ إلا إلى أفول، ولا استقامَ طغيانٌ إلا إلى زوال. وسيبقى المذهبُ الشيعيُّ الاثنا عشريُّ مذهبًا إسلاميًّا ثابتًا، له تاريخُه واحترامُه وخصوصيتُه؛ أكبرَ من أن تختصرَه زمرة، وأبقى من أن يحتكرَه نظام، وأوسعَ من أن تحبسَه ولاية. كان أكبرَ من حسن الصبّاح وخزعبلاتِه، مع اختلافِ المذهبِ والزمان، وسيبقى أكبرَ من الخميني وأتباعِه؛ لأن المذاهبَ الراسخةَ لا تختصرُها جماعة، والعقائدَ لا تملكُها دولة، والدينَ لا يرثُه نظام. سيرحلون ويبقى المذهب؛ له مكانُه بين مذاهبِ الإسلام، لا صكًّا لسلطان، ولا مطيّةً لمشروع، ولا إرثًا لزمرة.