ليست المكانة الرفيعة ما تعكسه المناصب، ولا ما تثبته الألقاب، بل ما يرسخ في وجدان الناس من محبةٍ لا تُصطنع، وثقةٍ لا تُستعار، وذكرٍ يبقى إذا مضت المناسبات وانقضت العبارات. ومن هذا الباب تستقر مكانة قرينة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، حفظها الله؛ فقد عرفها أهل البحرين قلبًا حانيًا، ويدًا بيضاء، وعقلًا راشدًا يرى في المرأة عماد الأسرة، وفي الأسرة أصل المجتمع، وفي المجتمع صورة الوطن إذا استقام بناؤه وصلب أساسه.

وأنا أكتب عن ربع قرنٍ من مسيرة المجلس الأعلى للمرأة، لا تبدأ الذاكرة عند أمرٍ سُطِّر، ولا عند قرارٍ أُصدر، ولا عند بناءٍ شُيِّد، بل عند مجلسٍ هادئٍ في رحاب المسجد الشمالي بمدينة عيسى، يوم عادت والدتي، رحمها الله، من لقاءٍ جمع سموها بنساء المنطقة، في موضعٍ غدا اليوم جامع سبيكة الأنصاري. عادت تحدّث عن مجلسٍ لم تعلُ فيه الأصوات، ولكن علا فيه المعنى؛ نساءٌ جئن بما في البيوت من شؤون، وما في الخواطر من سؤال، وما في الأيام من مطالب وحاجات، وسموها بينهن قلبٌ يسمع، وبصيرةٌ تجمع، وحكمةٌ تعرف أن ما يراه الناس صغيرًا قد يكون في ميزان الإصلاح كبيرًا.

وقد عادت والدتي يومها وفي نفسها عجبٌ لا إنكار، واستغرابٌ لا اعتراض؛ إذ رأت أن بعض ما طُرح من شؤونٍ يسيرة لا يبلغ مقام اللقاء. فقلت لها: لعل عظمة المجلس في أنه لم يفرّق بين سؤالٍ وسؤال، ولا حاجةٍ وحاجة؛ فما يبدو في عين العابر صغيرًا، يكون عند البصيرة بابًا إلى فهمٍ كبير. هناك لم تكن الرؤية ورقًا يُكتب، ولا شعارًا يُرفع، ولا وعدًا يُؤجّل، بل بذرةً تُغرس، وخطوةً تُؤسَّس، ومعنىً يتكوّن في هدوء؛ من حديث بيت، ومن رجاء أم، ومن نبض مجتمع.

ومن ذلك الابتداء الهادئ بان أن المجلس الأعلى للمرأة لم يكن عنوانًا يُعلّق، ولا جهازًا يُضاف، ولا صورةً تُرصَف في سجل المؤسسات؛ بل غرسًا وطنيًا أرادته سموها أن ينبت من حاجة المجتمع، ويشتدّ بقبوله، ويثبت بثماره. لم يكن تجربةً مستعارة، ولا قالبًا مفروضًا، ولا شعارًا يعلو على الناس ثم يبتعد عن حياتهم؛ بل نهجًا بحرينيًا خالصًا، يعرف بيئته ولا يجافيها، ويحفظ خصوصيتها ولا يصادم قيمها، ويرفع المرأة ولا يفصلها عن أصلها، ويقوّي الأسرة ولا يعطّل طاقتها.

والحق أن إنجازات المجلس الأعلى للمرأة، في خمسةٍ وعشرين عامًا، لا تُحصى على عجل، ولا تُطوى في عمودٍ أو مقال، ولا تُختصر في عبارةٍ أو مثال؛ فهي تشريعاتٌ سُدِّدت، وبرامجٌ شُيِّدت، ومبادراتٌ أُطلقت، وشراكاتٌ توثّقت، ووعيٌ ارتفع حتى غدا حضور المرأة البحرينية في صميم البناء لا على هامش النداء. غير أن أبلغ خلاصة هذه المسيرة أن رؤية سموها لم ترد للمرأة مقعدًا يُملأ، ولا رقمًا يُضاف، ولا كوتا تُرضي الصورة وتُضعف المعنى؛ بل أرادتها كفاءةً تُنتج، وشراكةً تبني، واستحقاقًا يثبت بالعلم والعمل والخلق. ومن هنا، وبعد أن مكّن المجلس للمرأة مجالها، وهيّأ لها أسباب نجاحها، وفتح أمامها سبل تقدمها، انتقل نهجه من تمكين المرأة إلى تقدم المرأة؛ فالتمكين إذا صح أساسه واتسع مداه، أثمر تقدمًا لا يُستجدى، وإنجازًا لا يُنكر.

ومن أراد شاهد هذه المسيرة فلينظر إلى البحرين في يومها وعملها؛ إلى المرأة حيث تُعلِم فتغرس، وتطبّب فتحرس، وتقضي فتعدل، وتدير فتُحسن، وتبتكر فتضيف. في بيتها تصنع الإنسان، وفي وطنها تسند البنيان. وهل تُتخيّل البحرين من دون نسائها؟ من دون علمهن وصبرهن، ورفقهن وعزمهن، وإبداعهن في الميدان، وسكينتهن في البيت؟ إن وطنًا تُنزع منه المرأة لا يفقد شطر عددٍ فحسب، بل يفقد شطر نبضه، وشطر نوره، وشطر قدرته على أن يمضي كاملًا إلى غده.

ولم تكن هذه المسيرة بناءً في المؤسسة وحدها، بل بناءً في الوجدان، وترسيخًا في الهوية، وإعلاءً لصوت البحرين وصورتها ومعناها. فقد كان حضور سموها الرسمي معنىً يُرى، وهويةً تخطو وتعلو بثقة، ورسالةً تقول إن البحرين تفخر في محافل العالم بأصالتها ووقارها، ببحرينيتها وبهائها؛ لا تستعير وجهًا لتُرى، ولا تتخفف من جذورها لتبلغ الآفاق. ولا تُنسى وقفتها الشامخة في الأمم المتحدة وهي تلقي كلمة مملكة البحرين بوقارٍ يليق باسم الوطن، كما لا يُنسى حديثها بلغةٍ فرنسيةٍ متمكنة، شاهدًا على ثقافةٍ راسخة، ومعرفةٍ واسعة، وجذرٍ ثابت، وأفقٍ رحب.

وفي امتداد هذه المعاني، لا يبدو خير سموها عملًا ينتهي بانتهاء مبادرة، ولا عطاءً يُذكر في مناسبة ثم يغيب، بل سعيًا متصلًا إذا هدأ صوته ظهر أثره، وإذا قلّ ضجيجه عظم قدره. فقد جعلت من خدمة المرأة والأسرة والمجتمع بابًا من أبواب خدمة الوطن، ومن بناء الوعي سبيلًا إلى بناء القدرة، ومن صون الهوية سندًا للتقدم لا حاجزًا دونه. وذلك هو الخير إذا صدق منبعه اتسع مجراه، وإذا طاب أصله أظلّ الوطن والناس.

ولهذا، فإن مرور خمسةٍ وعشرين عامًا على إنشاء المجلس الأعلى للمرأة ليس رقمًا يُضاف إلى عداد الأزمان، ولا ذكرى تُستعاد في طيّ الأحيان، ولا مناسبةً تُزيّن لها العبارات ثم تمضي؛ بل شهادةٌ على رؤيةٍ رأت فأدركت، ومكّنت فأثمرت، وغرست فأينع غرسها في المرأة والأسرة والوطن. فجزى الله صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة خير الجزاء عمّا قدّمت وأرست، وبنت ورسّخت، وفتحت من أبواب الخير ما بقي أثره في القلوب قبل السطور، وفي البيوت قبل المؤسسات، وفي الوجدان قبل العنوان. حماها الله وأطال عمرها، وأدامها عونًا لمسيرة الخير، وسندًا لنهضة المرأة، وذخرًا للبحرين وأهلها في ظل رعاية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه؛ لتبقى البحرين دارَ وفاءٍ لا يذبل زهره، ووطنَ عطاءٍ يعلو ذكره، ويزداد بالهوية بهاءً، وبالوفاء مجدًا وضياءً.