تأتي العودة إلى المدرسة كل عام محمّلة بمزيج من المشاعر؛ فهناك الطفل الذي ينتظر لقاء أصدقائه بشوق، وآخر يشعر بالقلق من الاستيقاظ المبكر والواجبات والالتزام، وثالث قد يرى انتهاء الإجازة وكأنه نهاية لأجمل أيام العام. وبين هذه المشاعر المختلفة، تقف الأسرة أمام مهمة لا تقل قيمة عن شراء الحقيبة والزي المدرسي والدفاتر.
فالمدرسة ليست مجرد مكان يذهب إليه الطفل في الصباح، ثم يعود منه إلى المنزل، وليست الدراسة مجرد كتب وواجبات واختبارات. المدرسة عالم متكامل يتعلم فيه الطفل كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يتعاون، وكيف يكوّن الصداقات، وكيف يكتشف قدراته ومواهبه، وكيف يستقبل كل يوم معرفة جديدة. ولذلك فإن الطريقة التي نستقبل بها العودة إلى المدرسة قد تؤثر كثيرًا في علاقة الطفل بالدراسة طوال العام.
ومن هنا، فإن الاستعداد للمدرسة لا ينبغي أن يبدأ في صباح اليوم الأول، بل قبل ذلك بوقت كافٍ. والأهم من ذلك أن يكون هذا الاستعداد قائماً على الحب والمرح والحوار والتشجيع، لا على التخويف والضغط والتهديد.
- الاستيقاظ مبكراً.. مهارة تحتاج إلى تدريب:
حيث من أكثر الأمور التي يجد الأطفال صعوبة في العودة إليها بعد إجازة طويلة نظام النوم والاستيقاظ المبكر. ففي العطلة تتغير المواعيد عادة، ويسهر الطفل أكثر، ويستيقظ في وقت متأخر، وتصبح ساعات الليل مساحة للعب ومشاهدة البرامج واستخدام الأجهزة الإلكترونية. ثم يأتي أول يوم دراسي فجأة، فتطلب الأسرة من الطفل أن ينام ويستيقظ مبكراً، وكأن الجسم يستطيع تغيير ساعته الداخلية بضغطة زر!
والحقيقة أن الاستيقاظ المبكر يحتاج إلى تهيئة تدريجية. فمن الأفضل أن تبدأ الأسرة قبل العودة إلى المدرسة بأيام أو أسابيع في تقديم موعد النوم والاستيقاظ تدريجياً، بدلاً من الانتقال المفاجئ من السهر إلى النوم المبكر.. أحياناً يقع الآباء في خطأ غير مقصود عندما يقولون للطفل: «انتهى اللعب، اذهب إلى النوم؛ لأن المدرسة ستبدأ». وبمرور الوقت، قد يبدأ الطفل في الربط بين النوم المبكر وبين الحرمان، وبين المدرسة وبين انتهاء المتعة.
- الأفضل أن تتغير الرسالة:
يمكن أن نقول للطفل: «سنبدأ من الآن في تجهيز جسمك ليكون نشيطاً في الصباح»، أو «لنجرّب أن ننام مبكراً حتى تستيقظ غداً وأنت مليء بالطاقة»، وقد تكون التفاصيل البسيطة مؤثرة للغاية: حمام دافئ، قصة قصيرة قبل النوم، إضاءة هادئة، إبعاد الأجهزة الإلكترونية، اختيار ملابس اليوم التالي، ثم حديث لطيف عن الأشياء التي ينتظرها الطفل في الغد.
- الصباح الناجح يبدأ من الليلة السابقة:
وكثير من توتر الصباح لا يكون سببه الاستيقاظ نفسه، وإنما الفوضى التي تأتي بعده: أين الحذاء؟ أين الحقيبة؟ لم أجهز الواجب! أين زجاجة المياه؟ ماذا سأرتدي؟
لذلك فإن تجهيز بعض الأمور في المساء يخفف كثيراً من الضغط في الصباح. كما لا ينبغي أن تتحول العودة إلى المدرسة إلى إلغاء كامل للعب. على العكس، يجب أن يبقى في يوم الطفل وقت للمرح والحركة والراحة.
ومن أجمل ما يمكن أن تفعله الأسرة أن تفتح حواراً بسيطاً مع الطفل قبل بدء الدراسة. خاصة إذا كانت المدرسة جديدة ليس بهدف استجوابه، وإنما لفهم مشاعره.
يمكن أن نسأله: «ما أكثر شيء تتطلع إليه في المدرسة؟»، و«ما الشيء الذي يقلقك؟»، «ماذا يمكن أن نفعل حتى يكون أول أسبوع أسهل وأجمل؟».
والأهم أن نستمع إلى الإجابة من دون السخرية من مخاوفه.
فإذا قال الطفل إنه خائف، لا ينبغي أن نجيبه فورًا: «لا يوجد شيء يستحق الخوف». لأن مشاعر الطفل حقيقية بالنسبة إليه، حتى لو بدا السبب بسيطاً في نظر الكبار.
الأفضل أن نقول: «أفهم أنك تشعر بالقلق، وهذا طبيعي عندما نبدأ شيئاً جديداً، وسنكون إلى جانبك».
وهكذا يمكن للأسرة أن تحول الاستعداد إلى سلسلة من اللحظات السعيدة: اختيار الأدوات المدرسية معًا، ترتيب المكتب، إعداد حقيبة جديدة، اختيار زجاجة المياه، إعداد وجبة يحبها الطفل، التقاط صورة جميلة في اليوم الأول، أو إقامة إفطار عائلي بسيط احتفالاً ببداية العام.
الطفل لا يتذكر دائماً تفاصيل ما اشتريناه له، لكنه قد يتذكر سنوات طويلة شعوره في صباح أول يوم دراسي: هل كان صباحاً مليئاً بالصراخ والتوتر؟ أم كان صباحاً دافئاً يشعر فيه أن عائلته سعيدة ببدايته الجديدة؟
- لا تخيفوا الطفل من المدرسة: بل الأفضل أن نقدم المدرسة باعتبارها مساحة للتعلم والتجربة، وأن نوضح له أن هناك قواعد والتزامات، نعم، لكن هناك أيضاً أصدقاء ومرح وأنشطة واكتشافات ونجاحات.
علينا أن نعلم أبناءنا أن المعرفة يمكن أن تكون ممتعة، وأن السؤال الجميل أهم أحياناً من الإجابة المحفوظة، وأن الخطأ ليس نهاية الطريق، وأن المدرسة ليست فقط مكاناً للحصول على الدرجات، وإنما مكاناً يتعلم فيه الطفل كيف يصبح نسخة أفضل من نفسه.
فلنجعل العودة إلى المدرسة مناسبة للحماس، ولنجعل شراء الحقيبة والدفاتر جزءًا من الاحتفال، فالطفل الذي يدخل المدرسة بقلب سعيد وعقل مستعد وجسم مرتاح، يكون أكثر قدرة على استقبال المعرفة، وأكثر استعداداً للمشاركة، وأكثر قابلية لأن يحب التعلم.