وليد صبري

نشأتُ في أسرة غرست فيَّ قيم العلم والعمل والمسؤولية والاعتماد على النفس.

دراسة الحقوق علمتني دقة التفكير والتحليل والنظر إلى القضايا من زوايا متعددة.

رسالتا الماجستير والدكتوراه ثمرة سنوات من البحث في التشريع والقانون الجنائي.

واجهت ضغوط التحصيل العلمي بالإصرار وحوّلت الصعوبات إلى فرص للتطور.

النيابة العامة وضعتني منذ البداية أمام مسؤوليات كبيرة تجاه المجتمع والعدالة.

عضويتي في المحكمة الدستورية عززت إيماني بسيادة القانون واحترام الدستور.

تجربتي في النيابة والقضاء تعكس الثقة بقدرة المرأة على خدمة مؤسسات الدولة.

نجاحي يكتسب قيمته حين يتحول إلى مصدر إلهام ويفتح الطريق أمام امرأة أخرى.

من طفلة آمنت بأن الاجتهاد يصنع المستقبل، وأن خدمة الوطن هي المعيار الحقيقي للنجاح، إلى أول قاضية بحرينية وخليجية وعضو في المحكمة الدستورية؛ هكذا تختصر القاضية د. منى الكواري لـ«الوطن» سيرة ومسيرة صنعتها بالمعرفة والإصرار، وقادتها من النيابة العامة إلى السلك القضائي، وصولاً إلى واحدة من أرفع المؤسسات القانونية، حاملةً الثقة الملكية باعتبارها مسؤولية وطنية وأمانة تتطلب النزاهة والتجرد والاستقلال.

نشأت د. منى الكواري في أسرة غرست فيها قيم العلم والعمل والمسؤولية والاعتماد على النفس، فتعلمت منذ مراحل الدراسة الأولى الالتزام والانضباط وتحمل المسؤولية. ولم يكن طموحها مقتصراً على الحصول على شهادة، بل سعت إلى امتلاك المعرفة التي تمكّنها من خدمة المجتمع والمساهمة الفاعلة في بناء وطنها.

واختارت دراسة القانون عن قناعة بأهميته في تحقيق العدالة وحماية الحقوق وتنظيم المجتمع، ووجدت فيه مجالاً يجمع بين المعرفة والمسؤولية وخدمة الناس. وخلال دراستها في كلية الحقوق، أدركت أن العمل القانوني لا يقوم على حفظ النصوص وحده، بل يتطلب دقة التفكير والقدرة على التحليل والاستنباط، والنظر إلى القضايا والمسائل القانونية من زوايا متعددة.

ولأن المعرفة القانونية تحتاج إلى تجدد وتعمق مستمرين، واصلت د. منى الكواري تحصيلها العلمي، وحصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون، بتخصص دقيق في القانون الجنائي. وحرصت في أبحاثها ورسائلها العلمية على الربط بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق القضائي العملي، لتصبح رسالتا الماجستير والدكتوراه ثمرة سنوات من البحث في التشريع والقانون الجنائي، وجزءاً من إسهامها في إثراء المعرفة القانونية وخدمة المجتمع. أما ضغوط التحصيل العلمي وتحدياته، فواجهتها بالإصرار، وتعاملت مع الصعوبات بوصفها فرصاً لاختبار قدرتها على الاستمرار والتطور.

وبدأت مسيرتها المهنية عام 2003، عندما عُينت وكيلةً للنائب العام في النيابة العامة، لتجد نفسها منذ البداية أمام مسؤوليات قانونية كبيرة تجاه المجتمع والعدالة. وبعد 3 أعوام، انتقلت إلى السلك القضائي، وشكّل تعيينها قاضية عام 2006 محطة مفصلية في حياتها المهنية، لم تنظر إليها باعتبارها إنجازاً شخصياً فحسب، بل إضافة إلى مسيرة المرأة البحرينية، وتجسيداً للثقة بقدرتها على تولي المسؤوليات الوطنية الرفيعة.

وحملت د. منى الكواري الثقة الملكية بوصفها مسؤولية وطنية تتطلب أن يكون القانون والضمير والنزاهة والتجرد أساساً لأداء رسالتها، انطلاقاً من إيمانها بأن القضاء أمانة ومسؤولية قبل أن يكون منصباً أو مكانة مهنية. ومن العمل في النيابة العامة إلى القضاء ثم عضوية المحكمة الدستورية، توالت المحطات التي صنعت تجربتها ورسخت رؤيتها للعمل القانوني والقضائي.

ومثّلت عضويتها في المحكمة الدستورية محطة بارزة عززت إيمانها بأن سيادة القانون واحترام الدستور يشكلان أساس استقرار المجتمعات وتقدمها، وأن العمل الدستوري يتطلب أعلى درجات الدقة والموضوعية والتجرد، لما يرتبط به من مبادئ عليا يقوم عليها النظام القانوني للدولة.

وترى د. منى الكواري أن المرأة البحرينية أثبتت أن الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على تحمل المسؤولية لا ترتبط بجنس من يتولى المنصب، وأن تجربتها في النيابة العامة والسلك القضائي تعكس الثقة بقدرة المرأة على خدمة مؤسسات الدولة. كما تؤكد أن تمكين المرأة في البحرين لم يبقَ في إطار الشعارات والأهداف النظرية، بل انتقل إلى شراكة حقيقية في المسؤولية وصنع القرار، وأصبح حضورها في المواقع القيادية واقعاً يعكس ما تمتلكه من تأهيل وخبرة واقتدار.

وخلف هذه المسيرة، كان دعم الأسرة عاملاً أساسياً منحها القوة لمواصلة طموحها وتحمل مسؤولياتها المهنية، خصوصاً أن التوازن بين الطموح والمسؤولية مثّل التحدي الأكبر خلال تجربتها القضائية. وكانت تواجه كل تحدٍّ بالصبر والعمل والتعلم المستمر، وترفض أن تتحول الصعوبة إلى سبب للتراجع.

وتعد د. منى الكواري تعيينها في النيابة العامة، ثم انتقالها إلى القضاء، وصولاً إلى عضوية المحكمة الدستورية، علامات فارقة في حياتها المهنية والشخصية، بما حملته من ثقة ومسؤولية وما أسهمت به في تشكيل رؤيتها للعدالة والقانون. لكنها ترى أن نجاحها لا تكتمل قيمته إذا بقي إنجازاً شخصياً، بل يكتسب معناه الحقيقي عندما يتحول إلى مصدر إلهام لامرأة أخرى، ويفتح أمامها الطريق للإيمان بقدراتها وتحقيق طموحها.

وتوجّه د. منى الكواري رسالتها إلى المرأة البحرينية قائلة: «اجعلي العلم أساس طموحك، والعمل طريقك، والأخلاق مبدأك، ولا تخافي من المسؤولية»، مؤكدة أن العلم والإرادة والإصرار تفتح أمام المرأة الطريق إلى أعلى مواقع المسؤولية، وتمكّنها من ترك أثر حقيقي في خدمة وطنها ومجتمعها. وإلى نص الحوار:

هل لنا أن نتطرق إلى النشأة؟

- نشأت في مملكة البحرين في بيئة أسرية كان لها أثر كبير في تكوين شخصيتي، وغرس قيم العلم والعمل والمسؤولية والاعتماد على النفس. ومنذ سنواتي الأولى، كنت أؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله بالعلم والاجتهاد، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بما يصل إليه الإنسان من مكانة، وإنما بما يقدمه لوطنه ومجتمعه.

ماذا عن الدراسة في المراحل المختلفة قبل الجامعة؟

- كانت مراحل الدراسة الأولى بالنسبة لي مرحلة مهمة في بناء شخصيتي، فقد تعلمت خلالها الالتزام والانضباط وتحمل المسؤولية. وكنت حريصة على التحصيل العلمي، ولم يكن طموحي أن أحصل على شهادة فقط، وإنما أن أمتلك المعرفة التي تمكنني مستقبلاً من خدمة المجتمع والمساهمة فيه بصورة فاعلة.

كيف جاء اختياركم لتخصص القانون والدراسة في كلية الحقوق؟

- اختياري للقانون جاء عن قناعة وإيمان بأهمية هذا المجال، فالقانون يرتبط ارتباطاً مباشراً بتحقيق العدالة وحماية الحقوق وتنظيم المجتمع. ووجدت في دراسة القانون مجالاً يجمع بين المعرفة والمسؤولية وخدمة الناس، ولذلك كان الاختيار بالنسبة لي اختياراً نابعاً من قناعة حقيقية.

كيف كانت تجربة الدراسة الجامعية والتخصص؟

- كانت تجربة ثرية ومليئة بالتحديات، فدراسة القانون تتطلب دقة في التفكير، وقدرة على التحليل والاستنباط، وليس مجرد حفظ النصوص. تعلمت خلال تلك المرحلة أهمية البحث والتدقيق والنظر إلى المسائل القانونية من أكثر من زاوية، وهي مهارات استفدت منها كثيراً في حياتي المهنية لاحقاً.

هل لنا أن نتطرق إلى المؤهلات العلمية المختلفة؟

- حرصت طوال مسيرتي العلمية والمهنية على مواصلة التحصيل العلمي والتخصص، إيمانًا مني بأن العمل في المجال القانوني والقضائي يتطلب معرفة عميقة ومتجددة، إلى جانب الخبرة العملية.

وقد حصلت على درجة الماجستير، ثم الدكتوراه في القانون، مع التخصص الدقيق في القانون الجنائي، وهو مجال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة وحماية الحقوق وتحقيق سيادة القانون.

وقد شكلت دراستي العليا مرحلة مهمة في مسيرتي، إذ أسهمت في تعزيز معارفي القانونية وتطوير مهاراتي في البحث والتحليل، كما حرصت من خلال دراستي وأبحاثي على الربط بين الجانب الأكاديمي والتطبيق العملي، بما يخدم مسيرتي في المجال القانوني والقضائي.

ماذا عن البحوث والدراسات العلمية التي قمتم بإعدادها؟

- البحث العلمي كان دائماً جزءاً مهماً من تجربتي القانونية، لأنه يفتح المجال للتعمق في المسائل القانونية وتحليلها بصورة موضوعية. وقد اهتممت بالموضوعات التي ترتبط بالقانون والقضاء، وكان الهدف دائماً هو الوصول إلى فهم أعمق للمسألة القانونية وربط الجانب النظري بالتطبيق العملي.

كما حرصت على أن يكون للبحث العلمي حضورٌ أساسي في تجربتي القانونية. وقد أعددت رسالة الماجستير ورسالة الدكتوراه في مجال القانون، بتخصص دقيق في القانون الجنائي،

وقد شكلت هذه الأعمال جانباً مهماً من مسيرتي العلمية، إذ أتاحت لي التعمق في البحث والتحليل القانوني، ودراسة عدد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالتشريع والقانون الجنائي، وربط الجانب الأكاديمي بالتطبيق العملي.

وأعتز بهذه المؤلفات والرسائل العلمية باعتبارها ثمرة سنوات من الدراسة والبحث والعمل، وجزءًا من المسؤولية التي أؤمن بها في إثراء المعرفة القانونية وخدمة المجتمع.

ما أبرز المحطات الصعبة التي واجهتكِ خلال سنوات التحصيل العلمي؟

- كل مرحلة في الحياة تحمل تحدياتها، وأعتقد أن أصعب ما يواجه الإنسان هو أن يحافظ على طموحه وإصراره في مواجهة الظروف والضغوط. تعلمت ألا أنظر إلى الصعوبات باعتبارها عوائق، وإنما باعتبارها فرصاً لاختبار القدرة على الاستمرار والتطور. وكل تحدٍ تجاوزته منحني ثقة أكبر بنفسي وبقدرتي على تحقيق ما أطمح إليه.

كيف كانت البداية مع أول وظيفة أو مسؤولية رسمية توليتها؟

- كانت بدايتي المهنية في النيابة العامة عام 2003، عندما عُينت وكيلةً للنائب العام. وكانت هذه المرحلة من أهم المراحل في حياتي المهنية، لأنها وضعتني منذ البداية أمام مسؤوليات قانونية كبيرة، وعرّفتني بصورة عملية بحجم المسؤولية التي يتحملها رجل القانون تجاه المجتمع والعدالة.

ما أبرز المناصب والمحطات المهنية التي تعتزين بها؟

- كل محطة في مسيرتي أعتز بها، لأنها شكلت جزءاً من تجربتي. لكن هناك محطات لها خصوصية، وفي مقدمتها عملي في النيابة العامة، ثم انتقالي إلى السلك القضائي وتعييني قاضية عام 2006، وما تبع ذلك من مسؤوليات وتجارب قانونية وقضائية، وصولاً إلى عضويتي في المحكمة الدستورية. وأعتز بكل موقع عملت فيه لأنه كان فرصة جديدة لخدمة الوطن وتحمل مسؤولية أكبر.

في عام 2006 عينت قاضية، لتكوني من أوائل البحرينيات اللواتي دخلن السلك القضائي.. هل لنا أن نتطرق إلى هذا الأمر؟

- كان تعييني من قبل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، قاضية عام 2006 محطة مفصلية في حياتي المهنية، أعتز بها كثيراً وأحمل تجاهها شعوراً عميقاً بالمسؤولية.

ولم أنظر إلى هذا التعيين باعتباره إنجازاً شخصياً فحسب، بل اعتبرته مسؤولية وطنية وثقة غالية، وإضافة إلى مسيرة المرأة البحرينية التي أثبتت جدارتها وكفاءتها في مختلف المجالات.

وكانت الثقة الملكية التي حظيت بها دافعاً إضافياً لي لأكون على قدر هذه المسؤولية، وأن أؤدي عملي بكل نزاهة وتجرد، وأن يكون القانون والضمير هما الأساس في أداء رسالتي القضائية.

وقد آمنت منذ البداية بأن القضاء أمانة ومسؤولية قبل أن يكون منصباً، وأن المحافظة على هذه الثقة تكون بالالتزام بالقانون، والاستقلال في أداء الواجب، والنزاهة، والحرص على تحقيق العدالة.

حضور المرأة في القضاء.. كفاءة ومسؤولية.. ما رأيكم في ذلك؟

- المرأة البحرينية أثبتت كفاءتها في مختلف المجالات، والقضاء ليس استثناءً. فالمعيار الحقيقي في العمل القضائي هو الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على تحمل المسؤولية.

وأرى أن وصول المرأة البحرينية إلى مواقع المسؤولية القضائية يعكس ما تتمتع به من تأهيل وثقة، كما يعكس تطور المجتمع البحريني وإيمانه بدور المرأة وقدرتها على المشاركة الفاعلة في بناء مؤسسات الدولة.

هل لنا أن نتطرق إلى عضويتكم في المحكمة الدستورية؟

- العضوية في المحكمة الدستورية مسؤولية كبيرة وشرف أعتز به، لأن العمل الدستوري يرتبط بأعلى المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني للدولة. وهي تجربة تتطلب قدراً عالياً من الدقة والموضوعية والتجرد، وتعزز لديّ الإيمان بأن سيادة القانون واحترام الدستور هما أساس استقرار المجتمعات وتقدمها.

كيف ترون جهود المجلس الأعلى للمرأة نحو تمكين المرأة البحرينية؟

- أرى أن ما وصلت إليه المرأة البحرينية اليوم من حضور وتميز في مختلف المجالات هو ثمرة رؤية وطنية آمنت منذ البداية بأن المرأة شريك أساسي في بناء الوطن، وأن تمكينها هو جزء من مسيرة التنمية والتقدم.

وأود هنا أن أخص بالذكر صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة الملك المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، التي كان لها دور رائد ومؤثر في قيادة هذه المسيرة. فقد أسهمت رؤية سموها وجهودها المتواصلة في ترسيخ مكانة المرأة البحرينية، وتعزيز حضورها في مواقع المسؤولية وصنع القرار، والانتقال بها من مفهوم التمكين إلى مفهوم الشراكة الحقيقية والفاعلة في بناء الوطن.

وأعتز بأنني كنت جزءاً من هذه المسيرة، وأن تجربتي المهنية في النيابة العامة ثم في السلك القضائي تعكس جانباً من الثقة التي حظيت بها المرأة البحرينية، ومن الفرص التي أتيحت لها لإثبات كفاءتها وقدرتها على تحمل المسؤولية.

وأرى أن تجربة البحرين في تمكين المرأة تتميز بأنها لم تكن مجرد شعارات أو أهداف نظرية، وإنما تحولت إلى واقع نلمسه في مؤسسات الدولة ومختلف مواقع العمل الوطني، وأصبح وجود المرأة في مواقع المسؤولية أمراً طبيعياً يعكس ما وصلت إليه من كفاءة وخبرة واقتدار.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب منا أن نحافظ على هذه المكتسبات، وأن نواصل البناء عليها، وأن ننقل هذه التجربة إلى الأجيال القادمة، حتى تجد كل فتاة بحرينية الطريق مفتوحاً أمامها لتحقيق طموحها وخدمة وطنها في المجال الذي تختاره.

وبالنسبة لي، فإن ما تحقق للمرأة البحرينية هو مصدر اعتزاز، والأهم أن نستمر في ترسيخ هذه المسيرة، لأن تمكين المرأة ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء مجتمع أكثر تقدماً، والاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية في خدمة البحرين ومستقبلها.

كيف كان أثر الأسرة في دفعكِ لنيل أعلى المراتب والمناصب؟

- الأسرة كانت ولا تزال أساساً مهماً في كل ما وصلت إليه. الدعم والتشجيع والثقة التي يجدها الإنسان من أسرته تمنحه قوة كبيرة للاستمرار، خصوصاً في المراحل التي تتطلب الكثير من الجهد والتضحية.

وأدين لأسرتي بالكثير من الامتنان، لأنها كانت مصدر دعم وتشجيع، ووفرت لي البيئة التي ساعدتني على مواصلة طموحي وتحمل مسؤولياتي.

ما أصعب العقبات أو التحديات التي صادفتكِ في مسيرتكِ، وكيف استطعتِ تجاوزها؟

- التحدي الأكبر كان دائماً الحفاظ على التوازن بين الطموح والمسؤولية. وكلما ارتفع الإنسان في مسيرته المهنية، ازدادت المسؤوليات والتوقعات منه. كنت أتعامل مع التحديات بالصبر والعمل والتعلم المستمر، وأحرص على ألا تكون الصعوبة سبباً للتراجع، بل حافزاً لمراجعة التجربة والتعلم منها والمضي قدماً.

ما الإنجاز أو النجاح الذي تعتبرينه «علامة فارقة» في مسيرتكِ؟

- من الصعب اختزال مسيرة مهنية طويلة في إنجاز واحد، إلا أن تعييني في النيابة العامة ثم انتقالي إلى السلك القضائي، وصولًا إلى عملي في المحكمة الدستورية، يمثل بالنسبة لي علامة فارقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد شكّلت هذه المحطات مراحل مهمة في مسيرتي، ليس على المستوى المهني فحسب، بل على المستوى الشخصي أيضاً، لما انطوت عليه من ثقة ومسؤولية، ولما أسهمت به في تشكيل رؤيتي للعمل القانوني والقضائي.

ما أبرز المواقف التي شعرت فيها بالفرحة الاستثنائية؟

- مررت خلال مسيرتي المهنية والشخصية بمواقف كثيرة شعرت فيها بفرحة عميقة واستثنائية، إلا أن أكثر اللحظات تأثيراً في نفسي كانت تلك التي رأيت فيها ثمرة سنوات من العمل والاجتهاد، وتحولت فيها الثقة التي مُنحت لي إلى مسؤولية أديتها بإخلاص واقتدار.

ومن أبرز هذه اللحظات تعييني في النيابة العامة، ثم انتقالي إلى السلك القضائي، وصولاً إلى عملي في المحكمة الدستورية. فقد كانت هذه المحطات مصدر اعتزاز وفرح كبيرين بالنسبة لي، لما تمثله من تقدم مهني، وما تعكسه من ثقة بكفاءتي وقدرتي على تحمل مسؤوليات وطنية رفيعة.

وتزداد قيمة هذه الإنجازات بالنسبة لي عندما أرى أثرها يتجاوز تجربتي الشخصية، من خلال تشجيع امرأة أخرى على الإيمان بقدراتها والسعي إلى تحقيق طموحها. فالنجاح، في نظري، لا تكتمل قيمته إذا بقي محصوراً في صاحبه، بل يزداد أثره عندما يتحول إلى مصدر إلهام، ويفتح أمام الآخرين آفاقاً جديدة.

ومن هنا، أشعر بفرحة خاصة عندما أرى المرأة البحرينية حاضرة في مواقع العمل والمسؤولية، وقادرة على إثبات كفاءتها والمشاركة بفاعلية في خدمة وطنها. وكل خطوة تخطوها امرأة بحرينية نحو النجاح تمثل امتداداً لمسيرة طويلة من العمل والثقة والدعم، وتؤكد أن الجهود المبذولة لتمكينها تثمر واقعاً ملموساً.

لذلك، فإن أجمل لحظات الفرح بالنسبة لي لا ترتبط بإنجاز شخصي واحد، وإنما بكل موقف أشعر فيه بأن جهدي أثمر، وأن المسؤولية التي تحملتها تركت أثراً طيباً، وأن تجربتي أسهمت، ولو بقدر بسيط، في تعزيز الثقة بقدرات المرأة البحرينية وتشجيعها على مواصلة الطريق.

من هي الشخصية التي طالما اتخذتها قدوة وملهمة لكِ في الحياة والعمل؟

- هناك شخصيات كثيرة تركت أثراً في حياتي، لكن أكثر من ألهمني هم الأشخاص الذين جمعوا بين العلم والتواضع والنزاهة والإخلاص في العمل. وأؤمن أن القدوة ليست بالضرورة شخصية واحدة، فقد نتعلم من كل إنسان ناجح قيمة أو موقفاً أو درساً يبقى معنا طوال الحياة.

لمن تعزين الفضل الأول - بعد الله عز وجل - فيما وصلتِ إليه اليوم من مكانة علمية ومهنية؟

- أؤمن بأن الإنسان لا يصل وحده، فكل مرحلة في مسيرتي كان وراءها أشخاص تركوا أثراً طيباً، سواء بالنصيحة أو الدعم أو التعليم أو الثقة.

هل من كلمة أخيرة؟

- رسالتي للمرأة البحرينية أن تؤمن دائماً بقدراتها، وألا تجعل أي تحدٍ سبباً للتراجع عن طموحها. فالفرص اليوم واسعة، والمرأة البحرينية أثبتت عبر تاريخها أنها قادرة على الوصول إلى أعلى المواقع عندما تمتلك العلم والإرادة والإصرار.

وأقول لكل امرأة بحرينية، اجعلي العلم أساس طموحك، والعمل طريقك، والأخلاق مبدأك، ولا تخافي من المسؤولية؛ فالمسؤولية هي التي تصنع الإنسان، وتمنحه فرصة ليترك أثراً حقيقياً.

وأعتز بأنني جزء من مسيرة وطنية طويلة أثبتت فيها المرأة البحرينية حضورها وكفاءتها، وأتطلع إلى أن تواصل الأجيال القادمة هذه المسيرة بثقة وطموح، وأن تحقق المزيد لوطننا الغالي مملكة البحرين.

وبمناسبة الاحتفال باليوبيل الفضي للمجلس الأعلى للمرأة، أرفع أسمى عبارات التهنئة والتقدير إلى صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة جلالة الملك المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، وإلى جميع القائمين على هذا الصرح الوطني، تقديراً لما قدموه على مدى خمسة وعشرين عاماً من عطاء متواصل في خدمة المرأة البحرينية والوطن.

خمسة وعشرون عاماً لم تكن مجرد سنوات مضت، وإنما كانت مسيرة من الإنجازات والتحولات التي أسهمت في ترسيخ مكانة المرأة البحرينية، وتعزيز حضورها في مختلف المجالات، وفتح آفاق أوسع أمامها للوصول إلى مواقع المسؤولية وصنع القرار.