كان ياما كان، في قديم الزمان، كان هناك قرية ريفية شعبية، يعيش أهلها في ألفة وفرح وهناء، يفطرون الشاي بالحليب ويتقاسمون الخبز بالجبن وتتعالى الضحكات في تلاحم دافئ وسرور متبادل. لكن وسط هذا الصخب الجميل والحياة المشرقة، كان هناك شخص من أهل القرية له وضع مريب؛ فقبل أن يخلد للنوم في كل ليلة، يعزل نفسه ويستفرد بذاته في زاوية معتمة، معللاً ذلك للآخرين بأنه مجرد وقت للاسترخاء والتأمل وتصفية الذهن قبيل النوم. ومع مرور الأيام وتتابع الشهور، بدأت تلك الدقائق البسيطة تزداد بشكل لا واعٍ وببطء ثم تلتهم ساعات يومه دون أن يشعر. ومغيره الاسترخاء إلى انطواء مزمن، وذهبت مهاراته الاجتماعية وتراجعت قدرته على التواصل، واكتسى وجهه بخجل وريبة بين الناس. صار حاله كحال كرة ثلج صغيرة تدحرجت من قمة جبل شاهق؛ فكبرت وتعاظمت مع كل دورة، حتى استهلكت بالكامل وأفقدته صلته بالواقع. حتى أتى ذلك اليوم المشؤوم؛ حين تداخلت خيالات العزلة مع الحقيقة، وأصبح هذا الشخص يُسمع صوته قبيل النوم وهو يتكلم بصوت مسموع، ويضحك بملء فيه، ويجيب على أسئلة لا يسمعها غيره. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تطورت حياته كلها لتتمحور بالكامل حول العزلة والوحدة، وغداً غريباً وسط أهله، سجيناً لعالمه الداخلي الافتراضي.
وقد يتساءل البعض سواء فضولاً أو اهتماماً: ما الفرق الحقيقي والحد الفاصل بين العزلة والوحدة؟
العزلة هي مساحة مؤقتة أو متوسطة يختارها المرء بوعي كامل؛ كمساحة دافئة هادئة يقضيها الفرد لالتقاط الأنفاس بين فترات العمل الشاق، أو لإعادة ترتيب الأفكار بين الجلسات النفسية المتتالية. حيث إنها راحة مشروعة ومطلوبة بلا إزعاج، وقد تكون ضرورية لمراجعة الذات ويقال لا يمكنك سماع صوت أفكارك الحقيقي وندائك الداخلي بدون هذه العزلة. ونلخصها بأن العزلة تكون مصحوبة بسعادة الشخص وسلامه الداخلي طالما ظلت في حدودها المعقولة والمتوازنة.
أما الوحدة، فهي على النقيض تماماً؛ إنها سجن نفسي يتألم فيه الفرد لكونه بمفرده. وهي حالة أطول زمناً، وأثقل وزناً، يصاحبها إحساس جارف بالفراغ وربما الدونية، والنقص، والاستياء، والرفض المستمر للذات وللآخرين، حيث تغيب فيها الطمأنينة ويحضر الاغتراب النفسي.
قد يبرر البعض عشقهم لهذه العزلة الطويلة أو الاستسلام للوحدة القاتلة بأنه نتاج «نفاق الواقع» أو سوء المجتمع وجفاؤه. ورغم أن هذا الكلام قد يبدو في ظاهره عين العقل وحجة مقنعة، إلا أن الضريبة النفسية التي تُدفع في غياهب الوحدة باهظة ومخيفة للغاية.
ربما البعض لم يعِ إلى الآن، لابأس تساءلوا معي بصدق: ما رأيكم في هذه المشاعر التالية التي تجتاح الفرد في عزلته؟ انفعال مستمر، وهيجان داخلي، وخوف غامض، وإحباط متراكم، وملل قاتل، وقلق يعصف بالاستقرار، وغضب مكتوم، وربما اكتئاب، وإنهاك وحزن مستمر، وشعور دائم بالاستياء وعدم الأمان، وهزيمة داخلية وارتجاف في الثقة، وسخط عارم، وشعور بالذنب والخزي.
كل هذا الكوكتيل السام وربما أكثر يتجرعه المرء وهو غارق في وحدته؛ لذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجهه بوعي هو، أيهما أفضل وأليق لسلامتنا أن نكون بين تفاصيل الواقع ونواجه تحدياته بمرونة وشجاعة، أم نعزل أنفسنا حتى نصبح في غياهب الوحدة وحيدين مكسورين بحجة الهروب من نفاق البشر.
ختاما يجب ألا ننسى أبداً، أيها الفرسان الأعزاء، أن الإنسان بطبعه وفطرته الأصيلة كائن اجتماعي لا يعيش بمفرده. ورغم اختلاف الشخصيات وتباين درجات الانطواء والاجتماعية بين البشر، يبقى التطلع للتواصل والتفاعل البشري حاجة حيوية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، سواء كان ذلك بالانخراط العاطفي مع عائلته، أو تبادل الأحاديث مع أصدقائه، أو الاندماج الفعال في مجتمعه بشكل عام.
وهنا تحضرني حكمة بليغة لبعض الحكماء حين قالوا: «أنت بحاجة إلى عدة انتصارات صغيرة وصادقة في يومك لتبقي روحك متقدة، وأعظم هذه الانتصارات على الإطلاق هو أن تخرج من شرنقتك، وتنخرط في مجتمعك، وتنتج أمراً نافعاً أو تقدم خدمة طيبة تلامس بها حياة الآخرين».
إن البقاء في سجن الوحدة والعزلة الطويلة يشبه تماماً حال شخص يجلس في مكان واسع جداً، ولكنه يشعر بضيق خانق ومحكم في صدره يتجرع مرارته بمفرده. ومع تداخل المشاعر السيئة، وتكاثر الأفكار السوداوية واللاعقلانية، والوقوع في فخ اليأس والإحباط، يصبح هذا السجن مدخلاً وممراً خطيراً للأمراض والاضطرابات النفسية.