محرر الشؤون المحلية

قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز معاً للتربية الخاصة د. أسامة مدبولي، إن لحظة انشغال لا تتجاوز ثواني معدودة قد تكون كافية لاختفاء طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد وسط مركز تجاري مزدحم، أو حديقة عامة، أو شاطئ، أو مطار، لتبدأ أسرته بالبحث في كل اتجاه، وتتسارع نبضات الوالدين، وتتحول الدقائق إلى ساعات من الرعب والقلق.

وأضاف د. مدبولي، في تصريحات لـ«الوطن»، أن الضياع قد يكون تجربة مخيفة بالنسبة إلى معظم الأطفال، لكنه قد يتحول إلى حالة طوارئ حقيقية تهدد حياة الطفل ذي اضطراب طيف التوحد، ولا سيما إذا كان غير ناطق أو محدود التواصل.

وأوضح أن فقدان الطفل التوحدي في الأماكن العامة ليس حدثاً نادراً، بل يعد من أكثر المواقف التي تبعث الخوف في نفوس الأسر، نظراً إلى أن خصائص اضطراب طيف التوحد تجعل التعامل مع هذا الموقف مختلفاً تماماً عن فقدان أي طفل آخر.

وأشار إلى أن الطفل قد لا يستجيب عند مناداته باسمه، أو لا يطلب المساعدة من الآخرين، وربما يهرب إذا اقترب منه شخص غريب، أو يختبئ في أماكن غير متوقعة، أو ينجذب إلى مصادر المياه أو الأضواء أو الأشياء التي تستثير اهتمامه، مما يزيد من تعقيد عمليات البحث والإنقاذ.

وبيّن أن هذا الأمر يرتبط بطبيعة اضطراب طيف التوحد أكثر من كونه مشكلة سلوكية، إذ يعاني كثير من الأطفال صعوبات في التواصل، وضعفاً في إدراك المخاطر، والاندفاع، والانشغال بمثيرات حسية معينة. وقد يترك الطفل المكان من دون أن يدرك أنه ابتعد عن أسرته، أو يواصل السير من دون هدف واضح، غير مدرك لمخاطر الطرق أو المسطحات المائية أو السيارات. ولفت إلى أن بعض الأطفال لا يفهمون معنى «العودة»، ولا يستطيعون ذكر أسمائهم أو عناوينهم إذا عثر عليهم أحد، في حين قد يرفض آخرون أن يلمسهم الغرباء أو يقتربوا منهم، بسبب القلق الحسي أو الخوف من الأصوات المرتفعة.

وشدد د. مدبولي على ضرورة النظر إلى فقدان طفل توحدي باعتباره حالة طوارئ تستوجب الاستجابة الفورية، وليس موقفاً يمكن الانتظار فيه على أمل أن يعود الطفل من تلقاء نفسه.

وأكد أن الوقاية تمثل خط الدفاع الأول، وهي أكثر فاعلية من أي خطة بحث بعد وقوع الحادث، ناصحاً كل أسرة بأن يحمل طفلها وسيلة تعريف ثابتة، مثل بطاقة مقاومة للماء توضع داخل ملابسه، وتتضمن اسمه، وتشخيصه باضطراب طيف التوحد، وكونه غير ناطق إن كان كذلك، بالإضافة إلى رقم هاتف ولي الأمر.

وتابع أنه يمكن استخدام سوار طبي، أو قلادة تعريفية، أو جهاز تتبع صغير يصعب على الطفل نزعه بسهولة، بما يساعد على التعرف إليه والوصول إلى أسرته سريعاً في حال فقدانه.

ودعا إلى إعداد ملف طوارئ محفوظ في الهاتف المحمول، يحتوي على صور حديثة للطفل من زوايا مختلفة، ومعلوماته الطبية، والأدوية التي يستخدمها إن وجدت، ووسائل التواصل المناسبة معه، والأشياء التي يحبها أو التي تخيفه، والأماكن التي ينجذب إليها عادة.

وأوضح أن هذه المعلومات قد تختصر وقتاً ثميناً عند مشاركتها بسرعة مع الشرطة أو فرق البحث، موصياً كذلك بتصوير الطفل قبل كل رحلة أو نزهة، لتوثيق ملابسه ولون حذائه وأي علامات مميزة لديه، مما يسهل وصفه بدقة عند الحاجة.

وفيما يتعلق بتعليم الطفل مهارات السلامة، قال د. مدبولي إنه رغم الصعوبة التي يواجهها بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في اكتساب المهارات الاجتماعية، فإن التدريب التدريجي يمكن أن يقلل احتمالات الضياع.

وأضاف أنه يمكن تدريب الطفل على الوقوف عند نقطة ثابتة إذا فقد أسرته، أو تعلم الاستجابة لاسمه قدر الإمكان، أو التوجه إلى شخص يرتدي زياً رسمياً لطلب المساعدة، إذا كان مستوى إدراكه يسمح بذلك.

وأشار إلى ضرورة تعليم الطفل قواعد السلامة بصورة متكررة، من خلال الصور والقصص الاجتماعية والمحاكاة العملية، حتى تصبح هذه القواعد جزءاً من روتينه اليومي.

وحذر من أن أحد أكثر الأخطاء شيوعاً يتمثل في انتظار عدة دقائق قبل البدء بالبحث أو إبلاغ الجهات المختصة، مؤكداً أن كل دقيقة قد تكون فارقة في حالة الطفل التوحدي، وأنه يجب اعتبار الأمر حالة طوارئ بمجرد ملاحظة غيابه، لأن كثيراً من الأطفال قد يبتعدون لمسافات كبيرة خلال دقائق قليلة، ولا يعرفون كيفية العودة أو طلب المساعدة.

وعن الأماكن التي ينبغي أن يبدأ البحث فيها، أوضح د. مدبولي أن البحث يجب أن ينطلق من الأماكن التي تجذب الطفل حسياً، وليس بالضرورة من أقرب مكان إلى نقطة فقدانه. وذكر أن المسطحات المائية تأتي في مقدمة الأولويات، مثل البحيرات والنوافير وحمامات السباحة والبحر والمجاري المائية، نظراً إلى انجذاب كثير من الأطفال إليها، تليها المصاعد والسلالم الكهربائية ومواقف السيارات والطرق الطويلة.

وتابع أنه ينبغي بعد ذلك تفقد أماكن الاختباء، مثل دورات المياه، وخلف الأشجار، وتحت الطاولات، وداخل الألعاب، وبين السيارات، إلى جانب الأماكن التي تحتوي على أضواء أو مراوح أو ألعاب أو قطارات أو حيوانات، إذا كان الطفل ينجذب إليها.

وأضاف أنه إذا كان برفقة الأسرة أكثر من شخص، فمن الأفضل أن يبقى أحدهم في نقطة الفقدان، في حين يبدأ الآخرون البحث في محيط المكان بطريقة منظمة.

ودعا د. مدبولي إلى عدم التردد في إبلاغ إدارة المكان فوراً، سواء كان مركزاً تجارياً أو حديقة أو منشأة عامة، مع تقديم صورة حديثة ووصف دقيق للطفل، وإبلاغ المسؤولين بأنه من ذوي اضطراب طيف التوحد، وبأنه غير ناطق إذا كان الأمر كذلك.

وأشار إلى أهمية إبلاغهم أيضاً بأن الأصوات المرتفعة قد تزيد خوف الطفل، لأن ذلك يساعدهم على اختيار أسلوب مناسب في أثناء البحث والتعامل معه.

وأكد ضرورة الاتصال بالشرطة فوراً، مع توضيح أن الطفل قد لا يستجيب لاسمه، وربما يهرب من الغرباء أو ينجذب إلى المياه، بالإضافة إلى تزويد الشرطة بوصف دقيق لملابسه وطوله ووزنه وأي علامات مميزة لديه. وفيما يتعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي، قال د. مدبولي إنها أصبحت في العصر الرقمي أداة فعالة في عمليات البحث عن المفقودين، داعياً إلى نشر صورة حديثة للطفل، مع ذكر آخر مكان شوهد فيه، ووقت اختفائه، ورقم للتواصل. وأضاف أنه ينبغي طلب مراجعة كاميرات المراقبة في المحال التجارية ومحطات الوقود والفنادق ومواقف السيارات، موضحاً أنه في حال مشاركة متطوعين في البحث، فمن الأفضل تقسيمهم إلى مجموعات تعمل في اتجاهات مختلفة لتغطية مساحة أكبر.

وعن الطريقة الصحيحة للتعامل مع الطفل عند العثور عليه، حذر من وقوع بعض الأشخاص في خطأ الإمساك به بقوة، أو الصراخ عليه، أو محاصرته بعدد كبير من الناس، اعتقاداً منهم أن ذلك سيمنع هروبه.

وأوضح أن هذا السلوك قد يؤدي إلى نتيجة عكسية مع الطفل التوحدي، مؤكداً أن الطريقة الصحيحة تتمثل في الاقتراب منه بهدوء، ومنحه مساحة آمنة، وتجنب الحركات المفاجئة، وعدم إجباره على النظر في العينين أو رفع الصوت عليه.

ولفت إلى أن استخدام لعبة مألوفة أو صوت يعرفه الطفل قد يكون أكثر فاعلية من مناداته باسمه، لأن بعض الأطفال لا يستجيبون لأسمائهم عند التعرض للتوتر.

وبيّن أن مرحلة البحث تنتهي بعد العثور على الطفل، لكن الحدث لا ينتهي عند ذلك، إذ قد يكون الطفل مرهقاً أو خائفاً أو مصاباً بالجفاف أو بإصابات بسيطة نتيجة التجول.

وشدد على ضرورة استقباله بهدوء، وعدم معاتبته أو معاقبته أو الصراخ في وجهه، لأن ذلك قد يرسخ لديه الخوف ويزيد احتمال تكرار الهروب مستقبلاً. كما أكد أهمية فحص حالته الصحية، وإعطائه الماء إذا احتاج إليه، ونقله إلى مكان هادئ بعيد عن الضوضاء حتى يستعيد شعوره بالأمان. وأكد د. مدبولي أن حماية الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأكمله، إذ قد يكون العامل في المركز التجاري، أو رجل الأمن، أو المعلم، أو سائق الحافلة، أو أحد رواد الحدائق، أول من يلاحظ الطفل أو يساعد في إنقاذه.

وأشار إلى أهمية تدريب العاملين في الأماكن العامة على كيفية التعرف إلى الطفل التوحدي والتعامل معه بهدوء واحترام، بعيداً عن الصراخ أو التخويف أو استخدام القوة.

ودعا إلى إطلاق حملات توعوية دورية، وتوفير أنظمة نداء وإجراءات طوارئ خاصة بالأطفال ذوي الإعاقة، لما لذلك من دور في الحد من المخاطر بدرجة كبيرة.

وقال إن البعض قد يظن أن ضياع طفل في مكان عام مجرد حادث عابر، لكنه يمثل بالنسبة إلى أسرة طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد واحدة من أكثر التجارب قسوة وإيلاماً، إذ إن كل ثانية تمر قد تحمل معها احتمالات متعددة، تبدأ بالتعرض للإصابة وقد تصل إلى الوقوع في أماكن خطرة.

وأضاف أن التخطيط المسبق، والاستعداد الدائم، وتدريب الطفل على مهارات السلامة، واستخدام وسائل التعريف والتتبع، والتصرف السريع عند اختفائه، تمثل جميعها إجراءات قد تصنع الفارق بين نهاية سعيدة ومأساة لا تُنسى.

واختتم د. مدبولي بالتأكيد أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في البحث بعد وقوع الحادث، وإنما في الوقاية قبل حدوثه، مشيراً إلى أنه عندما تتكاتف الأسرة والمركز والجهات الأمنية والمجتمع، يصبح من الممكن توفير بيئة أكثر أمناً للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ومنح أسرهم قدراً أكبر من الطمأنينة والثقة، مع إدراك أن الاستعداد المسبق قد ينقذ حياة طفل بأكملها.