- - حضور محوري للبحرين في الكتاب خصوصاً الينابيع والقنوات والمزارع
- - عيون المياه شكلت بنية تحتية تنظم العلاقة بين الإنسان والزراعة والمجتمع
- - القنوات المائية كانت سلسلة مترابطة من النظم الزراعية والمجتمعية
- - الزراعة شبكة من العلاقات بين المياه والأرض والسكن والعمل والمجتمع
- - «الحظور» حولت تضاريس الساحل وحركة البحر إلى جزء من آلية الإنتاج
- - السكان استخدموا المعرفة المتراكمة لإنشاء بنى تحتية للحياة وفق محدودية الموارد
لا يكتفي كتاب «ألفا عام من التاريخ اللاحضري» بتقديم قراءة في العمارة التقليدية في شبه الجزيرة العربية، وإنما يطرح سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية فهم تاريخ المنطقة نفسها: كيف عاش سكان الخليج، وكيف نظموا الأرض والمياه والزراعة والساحل، وكيف نشأت أنظمة التخطيط وإدارة الموارد قبل أن تعيد عائدات النفط تشكيل المدن والاقتصادات والمشهد العمراني برمته؟
الكتاب، الذي أعدته الممارسة الثقافية والمعمارية Civil Architecture، المؤسسة بين مملكة البحرين ودولة الكويت على يد المعماريين حامد بوخمسين وعلي إسماعيل كريمي، يعيد النظر في تاريخ شبه الجزيرة العربية من زاوية مختلفة عن السردية التقليدية التي تبدأ مع اكتشاف النفط وما تبعه من مدن حديثة وطرق سريعة ومشروعات عمرانية ضخمة.
ويقدم الكتاب، الصادر باللغتين العربية والإنجليزية عن Kaph Books، دراسة مصورة واسعة تتناول ممارسات التخطيط السابقة لعصر النفط، من «طائرات الصحراء» أو Desert Kites، إلى مصائد الأسماك الساحلية، وأنظمة العيون والقنوات المائية والمناطق الزراعية. وتضم الطبعة 160 صفحة وفق بيانات التوزيع الدولية، فيما تتضمن دراسة المشروع الأصلية ثلاثة محاور رئيسية حول مصائد الصحراء، ومصائد الأسماك، والينابيع والقنوات والمزارع.
البحرين في قلب الحكاية
تكتسب البحرين حضوراً محورياً في الكتاب، خصوصاً في الفصل الذي يتناول الينابيع والقنوات والمزارع؛ إذ ينظر المؤلفان إلى الجزيرة باعتبارها نموذجاً واضحاً لكيفية نشوء منظومة متكاملة للحياة في بيئة محدودة المياه وشديدة الجفاف.
فالبحرين، بحسب الدراسة، كانت مأهولة بصورة متواصلة منذ آلاف السنين، وكان استمرار الحياة فيها مرتبطاً بصورة مباشرة بمصادر المياه الطبيعية. وقبل اكتشاف النفط، اعتمد اقتصاد الجزيرة بصورة أساسية على اللؤلؤ والتجارة والزراعة، إلى جانب موارد البحر، بينما وفرت العيون والآبار ومياه الأمطار مصادر المياه التي قامت عليها الحياة الزراعية.
وتشير الدراسة إلى وجود عدد كبير من مصادر المياه الطبيعية في البحرين، بينها العيون الارتوازية، وأن انتشار السكان تاريخياً في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من الجزيرة ارتبط بدرجة كبيرة بوجود هذه المصادر. ومن العيون نشأت شبكة من القنوات المفتوحة التي حملت المياه إلى الأراضي الزراعية، لتتحول المياه بذلك من مجرد مورد طبيعي إلى بنية تحتية جماعية تنظم العلاقة بين الإنسان والأرض والزراعة والمجتمع. وهنا تكمن إحدى الأفكار الأساسية للكتاب: التخطيط لم يكن بالضرورة يعني الشوارع المستقيمة والمباني والمخططات العقارية كما يُفهم اليوم، بل كان يمكن أن يكون شبكة من الخطوط والقنوات والمسارات التي تنظم استخدام الموارد الطبيعية على مساحة واسعة من الأرض.
العيون.. أكثر من مصدر للمياه
ولا يتعامل الكتاب مع العيون البحرينية باعتبارها مجرد مصادر للمياه، بل يقرأها بوصفها أماكن عامة واجتماعية نشأت حولها أشكال مختلفة من الحياة اليومية.
فالمصادر المائية الكبيرة كانت مرتبطة بالمساجد والمرافق العامة وأماكن الاستراحة، كما كانت تستخدم في الاستحمام وغسل الملابس وملء جرار المياه وممارسة السباحة وغيرها من الأنشطة اليومية. وفي بعض الحالات أصبحت العيون نفسها من أقدم أشكال الفضاء العام في الجزيرة.
ويذهب الكتاب إلى أن أهمية هذه العيون لم تكن في المياه التي توفرها فحسب، بل في النظام الاجتماعي الذي نشأ حولها؛ إذ تطلبت ندرة المياه وضع قواعد لاستخدام المورد وتقاسمه وصيانة القنوات التي تنقله.
وبذلك يصبح تاريخ العين تاريخاً للمجتمع أيضاً: من يحصل على الماء؟ وكيف يصل إليه؟ ومن يتولى صيانة القنوات؟ وكيف توزع المياه على المزارع؟
هذه الأسئلة، التي تبدو اليوم جزءاً من الإدارة الحديثة للموارد، كانت موجودة في صورة مختلفة قبل مئات وآلاف السنين.
القنوات.. شبكة تخطيط تمتد من العين إلى المزرعة
ومن أبرز ما يقدمه الكتاب إعادة تعريف القنوات المائية باعتبارها عملاً من أعمال التخطيط.
فالنظام لم يكن مجرد قناة محفورة في الأرض، وإنما سلسلة مترابطة تبدأ من مصدر المياه، وتمتد عبر شبكة من القنوات، حتى تصل إلى الأراضي الزراعية، ثم تتفرع داخل المزارع بما يسمح بتوزيع المياه.
وتدرس Civil Architecture هذا النظام باعتباره مزيجاً من البنية التحتية والسياسة الاجتماعية؛ فالخطوط التي تحمل المياه عبر الأرض كانت مرتبطة في الوقت نفسه بقواعد المشاركة في المورد ومسؤوليات صيانة الشبكة وحقوق الانتفاع بالمياه.
ويؤكد الكتاب أن هذه التجربة البحرينية لها نظائر في مناطق خليجية أخرى، من بينها الأحساء في السعودية، والعين في الإمارات، والجهراء في الكويت، والمناطق الزراعية في عُمان، مع اختلاف طبيعة الأنظمة المائية من منطقة إلى أخرى.
لكن البحرين تحتل مكانة خاصة في الدراسة؛ بسبب كثافة حضور العيون والمزارع والقنوات في تاريخ الجزيرة.
الزراعة كجزء من التخطيط الإقليمي
ومن خلال هذا المنظور، لا تظهر المزارع القديمة كمساحات خضراء منفصلة عن العمران، بل كجزء من منظومة أوسع لتنظيم الأرض. فالمياه تحدد مكان الزراعة، والزراعة تحدد أنماط الاستقرار، والاستقرار يرتبط بالطرق والمسارات والأسواق والمجتمعات المحلية. وبالتالي فإن قراءة المزرعة القديمة تعني قراءة شبكة من العلاقات بين المياه والأرض والغذاء والسكن والعمل والمجتمع.
ويحاول الكتاب من خلال هذه القراءة تغيير النظرة إلى مرحلة ما قبل النفط؛ فبدلاً من اعتبارها مرحلة بدائية سبقت «التطور» العمراني الحديث، يرى أن المجتمعات الخليجية طورت أنظمة دقيقة للتعامل مع بيئة صعبة، وأن تلك الأنظمة تمثل نوعاً من المعرفة المحلية المتراكمة التي يمكن أن تفيد النقاش المعاصر حول الاستدامة والموارد.
«الحظور».. التخطيط يصل إلى البحر
وإذا كانت العيون والقنوات تمثلان طريقة تنظيم المياه العذبة والزراعة، فإن الحظور ومصائد الأسماك تمثلان الوجه الآخر من العلاقة مع البحر.
ويتناول الكتاب مصائد الأسماك الساحلية باعتبارها شكلاً من أشكال التخطيط اللاحضري؛ فالحظرة ليست مجرد أداة لصيد الأسماك، وإنما منشأة تنشأ في منطقة المد والجزر، وتستفيد من حركة المياه الطبيعية، بحيث تتحول تضاريس الساحل وحركة البحر إلى جزء من آلية الإنتاج.
وتوثق الدراسة أشكالاً مختلفة للحظور ومكوناتها على سواحل الخليج، مع اهتمام خاص بالنماذج البحرينية، ومنها أعمال مرتبطة بمنطقة النبيه صالح. وقد وثقت صور المشروع أنواعاً مختلفة من الحظور وطرق إنشائها واستخدامها.
وهنا يقدم الكتاب فكرة لافتة: الإنسان لم يكن مضطراً دائماً إلى السيطرة الكاملة على الطبيعة حتى ينتج الغذاء، بل كان في بعض الحالات يبني نظاماً يستفيد من الطبيعة نفسها؛ من حركة المد والجزر إلى اتجاهات المياه وتضاريس الساحل.
من الصحراء إلى الساحل
ولا تتوقف الدراسة عند البحرين. فهي تجمع ثلاثة نماذج واسعة للتخطيط اللاحضري في الخليج وشبه الجزيرة العربية: مصائد الصحراء، ومصائد الأسماك الساحلية، وشبكات المياه التي تغذي المناطق الزراعية.
ورغم اختلاف هذه النظم، فإنها تشترك في فكرة أساسية واحدة: استخدام المعرفة المتراكمة بالمكان لإنشاء بنى تحتية جماعية قادرة على توفير الغذاء والمياه في بيئة محدودة الموارد.
وهذه الممارسات، وفق الكتاب، تعيد تعريف مفهوم «التخطيط» نفسه؛ إذ لم يكن التخطيط محصوراً في بناء المدن، بل كان يشمل رسم خطوط على الأرض أو إنشاء هياكل في البحر أو تنظيم مسارات المياه لتحقيق غرض جماعي.
ماذا حدث بعد النفط؟
يضع الكتاب هذه التجارب في مواجهة التحول الكبير الذي أحدثه اقتصاد النفط.
فمع صعود المدن الحديثة، أصبحت الأرض تُنظر بصورة متزايدة باعتبارها مساحة قابلة للتقسيم والتطوير والاستثمار، بينما أصبحت الطرق السريعة ومشروعات استصلاح السواحل والتوسع العمراني والزحف على الأراضي الزراعية علامات رئيسية على المشهد الجديد.
ويرى المؤلفان أن توفر المياه المحلاة والغذاء المستورد والتقنيات الحديثة أدى إلى تراجع الحاجة العملية إلى بعض المعارف المحلية المرتبطة بالمياه والزراعة والمناخ، وأصبح النمو العمراني المعتمد على عوائد النفط هو النموذج المهيمن.
ومن هنا يأتي عنوان الكتاب: «ألفا عام من التاريخ اللاحضري» لا يعني غياب التخطيط أو التنظيم، وإنما يشير إلى تاريخ ظل خارج الرواية المعتادة للمدينة.
من التاريخ إلى المستقبل
ولا يكتفي الكتاب بتوثيق الماضي، بل يحاول استخدامه لإعادة التفكير في مستقبل العمارة في المنطقة.
فالهدف ليس العودة الرومانسية إلى الماضي أو الدعوة إلى استبدال المدن الحديثة بالأنظمة القديمة، وإنما طرح سؤال مختلف: ماذا يمكن أن نتعلم اليوم من الطريقة التي تعاملت بها المجتمعات السابقة مع ندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، ومحدودية الموارد، والمواسم، وإنتاج الغذاء؟
ولهذا يتضمن الكتاب، إلى جانب الدراسة التاريخية، ملحقاً يعرض عدداً من مشاريع Civil Architecture، في محاولة للانتقال من التوثيق إلى التفكير في إمكانات التدخل المعماري المعاصر.
مشروع بدأ في أوسلو، ويعود إلى الخليج
وتعود جذور المشروع إلى عام 2019، عندما قدمت Civil Architecture مشروع «Two Thousand Years of Non-Urban History» ضمن ترينالي أوسلو للعمارة، بمعرض أقيم في المتحف الوطني للعمارة في أوسلو تحت عنوان «Enough: The Architecture of Degrowth».
وكانت هيئة البحرين للثقافة والآثار قد أعلنت في ذلك الوقت دعم مشاركة Civil Architecture، بالتعاون مع فريق البحث الميداني التابع للهيئة، مشيرة إلى أن المشروع يتناول استراتيجيات التخطيط قبل اكتشاف النفط، بما في ذلك مصائد الصحراء والقنوات المائية والحظور وممارسات الزراعة في الخليج.
كما تضمن المشروع آنذاك أعمالاً نسيجية للفنانة البحرينية هلا كيكسو، إلى جانب صور فوتوغرافية توثق عناصر المشروع، لتتحول الدراسة من بحث معماري مجرد إلى مشروع بصري وثقافي يوثق علاقة الإنسان الخليجي بالأرض والماء والبحر.
كتاب بحريني ـ كويتي يصل إلى جمهور عالمي
ويأتي إصدار الكتاب في مرحلة مختلفة، إذ أصبح المشروع الذي بدأ كبحث ومعرض قبل سنوات منشوراً متكاملاً متاحاً للقراء، باللغتين العربية والإنجليزية، ومن خلال قنوات توزيع دولية.
ويحمل الكتاب الرقم الدولي ISBN 978-614-8035-74-6، ويصدر عن Kaph Books، فيما تتولى Artbook/D.A.P. توزيعه في عدد من الأسواق العالمية. وتظهر بيانات التوزيع الحديثة الكتاب بإصدار ثنائي اللغة وبصيغة ورقية كبيرة الحجم، بما يعكس طبيعته البحثية والبصرية.
كما أن الكتاب متاح إلكترونياً عبر موقع Civil Architecture، فيما تتيح النسخة المنشورة من المشروع الاطلاع على الفصول التي تتناول مصائد الصحراء، ومصائد الأسماك، والينابيع والقنوات والمزارع.
ويمنح وجود الكتاب في متجر متحف البحرين الوطني، المشروع بعداً إضافياً، إذ يعيد المادة البحثية إلى المكان الذي تشكل حوله جزء كبير من موضوعها: البحرين نفسها، بتاريخها المائي والزراعي والبحري.
من البحرين إلى نيويورك والكويت
وبحسب البرنامج المرتقب لتدشين الكتاب، ينتقل المشروع في المرحلة المقبلة إلى عدد من المحطات الدولية والإقليمية، من بينها فعالية في نيويورك في نهاية سبتمبر، ثم فعالية في البحرين خلال ديسمبر، تليها الكويت في مارس، إلى جانب محطات أخرى لاحقاً.
وتمنح هذه الجولة الكتاب فرصة لتقديم تجربة البحرين والخليج إلى جمهور أوسع، ليس باعتبارها هامشاً في تاريخ العمارة العالمية، وإنما باعتبارها مساحة أنتجت، في ظروف بيئية صعبة، نماذج خاصة بها لإدارة الموارد وتنظيم الأرض والمياه والساحل.
وفي جوهره، يطرح «ألفا عام من التاريخ اللاحضري» فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن تاريخ التخطيط في الخليج لم يبدأ مع النفط، وأن ما سبق المدينة الحديثة لم يكن فراغاً عمرانياً، بل كان نظاماً معقداً من العيون والقنوات والمزارع والحظور والممرات وممارسات إدارة الموارد.
وبالنسبة إلى البحرين تحديداً، يعيد الكتاب وضع العين والمزرعة والقناة والحظرة في مكانها الصحيح داخل التاريخ العمراني للجزيرة؛ ليس باعتبارها بقايا من الماضي، وإنما باعتبارها شواهد على معرفة محلية راكمتها المجتمعات البحرينية عبر قرون طويلة للتكيف مع ندرة المياه والمناخ والبحر.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في استعادة ذاكرة مكانية مهددة بالاختفاء، وإنما في طرح سؤال معاصر أيضاً: إذا كانت تلك المجتمعات استطاعت أن تبني نظاماً للحياة من موارد محدودة، فماذا يمكن أن تتعلم منه مدن الخليج اليوم، في مواجهة تحديات المناخ والمياه والغذاء والتوسع العمراني؟
ويتوفر الكتاب حاليا على أمازون ومتجر المتحف الوطني، وسيتوفر في متحف الرواق هذا الأسبوع.