رحم الله الوالدة، فقد كانت كلماتها البسيطة تحمل من الحكمة والتربية ما يعجز أحيانًا عن التعبير عنه كثير من الكلام المنمق. كانت تنبهنا، كغيرها من أمهات زماننا، إلى أهمية حفظ المكانة والقدر بين الناس، خصوصًا الأقرباء والأصدقاء، وأن المحبة مهما بلغت لا تعني أن نُكثر من الحضور أو الزيارة حتى تتحول الألفة إلى ثقل، والمحبة إلى جفاء.
وكانت تردد هذه الأبيات الشعبية التي تحمل رسالة اجتماعية عميقة:
لا تكثر الدوس على الخلان إملونكلا انت أبولدهم ولا ابطفل يربونكربوك شهر شهرين والثالث إملونكلول إذا جيتهم قالو هلا بالذي جانهوالحين إذا جيتهم اقولون وشهالبلا الذي جانهعافوك يا قلب لمحبين عافوكواستبدلو ابحبك حب غيرك وخلوكلول أنا تاج فوق الراس شالونيواستبدلو ناس على ناس فوق السيف قطوني.
راوي الأبيات: الوالدة رحمها الله.
ولعل أجمل ما في هذه الأبيات أنها لا تتحدث عن القطيعة، ولا تدعو إلى البعد عن الناس، وإنما تعلمنا حسن التقدير وحفظ المكانة. فالإنسان مهما كانت محبته للآخرين، عليه أن يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، ومتى تكون الزيارة محبة، ومتى تتحول كثرتها إلى عبء.
وقولها: «لا تكثر الدوس على الخلان» يحمل معنى بليغًا؛ أي لا تُكثر من التردد على من تحب حتى تألفك النفوس إلى درجة تفقد معها حضورك قيمته. فالشيء إذا زاد عن حده فقد شيئًا من جماله، وحتى المحبة تحتاج إلى مساحة تحفظ لها شوقها ومكانتها.
أما قولها: «لا انت أبولدهم ولا ابطفل يربونك»، ففيه تذكير بأن لكل إنسان خصوصيته وبيته وحياته، وأن القرب لا يعني تجاوز الحدود الاجتماعية التي تحفظ الاحترام والمودة.
ثم تأتي العبارة المؤثرة: «لول إذا جيتهم قالو هلا بالذي جانه، والحين إذا جيتهم اقولون وشهالبلا الذي جانه»، لتصور لنا كيف يمكن للإفراط في الحضور أن يغيّر مشاعر الآخرين؛ من ترحيب صادق إلى استقبال بارد، وربما إلى ضيق لا يُقال صراحة.
وهنا تكمن الحكمة التي كانت أمهاتنا يعرفنها بالفطرة: لا تجعل محبتك للناس سببًا في أن يملّوا منك، ولا تجعل حرصك على القرب سببًا في أن تخسر مكانتك عندهم.
أما ختام الأبيات، ففيها مرارة التجربة حين تقول:
«عافوك يا قلب لمحبين عافوكواستبدلو ابحبك حب غيرك وخلوك»
وهو تعبير عن حال الإنسان عندما يشعر أن مكانته التي كان يظنها ثابتة قد تغيرت، وأن الذين أحبهم وأعطاهم من قلبه قد استبدلوه بغيره.
رحم الله الوالدة، ورحم أمهاتنا جميعًا، فقد كنّ يختصرن تجارب الحياة في كلمات شعبية بسيطة، لكنها تحمل من الحكمة الاجتماعية والتربوية ما يستحق أن يُحفظ ويُنقل للأجيال.
فليس المهم أن تكون حاضرًا في كل وقت، بل أن تكون حاضرًا حين يكون لحضورك معنى، وأن تحافظ على محبتك ومكانتك دون إفراط أو تكلف.
ويبقى المثل الأجمل الذي تختصره هذه الأبيات:
احفظ للناس مكانتهم، واحفظ لنفسك مكانتها، فالمحبة إذا لم يحفظها التقدير قد تتحول من نعمة إلى نقمة.