د. محمد قيصرون ميرزا

يقبل الطلبة الأعزاء في مملكة البحرين، هذه الأيام، على بداية عام دراسي جديد ملؤه الآمال والتطلعات، مع شيء من الرهبة مما تحمله الفصول الدراسية، والكتب الثقيلة، والامتحانات المقبلة من متطلبات ومعاناة.

ولكني أريد هنا أن أتحدث إليهم في جلسة حوار أبوي لأهمس لهم ببعض النصائح والأفكار التي قد تخفف عنهم ما يتوجسونه ويرهبونه.

وحديثي هذا موجه بشكل خاص إلى الطلبة الجدد الذين أنهوا المرحلة الدراسية في المدارس الحكومية والخاصة، وأقبلوا على الجامعات لينهلوا من معارف العلم والثقافة، بأمل النجاح إن شاء الله.

فما الفرق بين المدرسة والجامعة؟ ولماذا هذا العنوان: «الحياة: قبل الجامعة وبعدها»؟

قبل الجامعة: يكون الطالب أو الطالبة معتمدين على الأسرة؛ وليس المقصود بهذا التقليل من شأنهما أبداً، بل الإشارة إلى أن جلّ ما يحتاجانه متوفرٌ، قدر الإمكان، في كنف البيت. فإن واجهت أحدهما معضلة بسيطة (مثل الرغبة في اقتناء هاتف جديد) لجأ إلى والديه. وإن طلبت الأم من ابنتها المساعدة في أعمال المنزل ولم تفعل، فليست معضلة كبرى؛ إذ ينتهي الأمر ببعض العتاب إن حدث! وعندما يعجز الطالب عن حل مسألة في الرياضيات، فلا بأس؛ إذ سيسأل زميلاً له أو ينتظر شرح المعلم.

وهكذا تمضي الأيام والسنوات الأولى من العمر دون تحمّل أعباء المسؤولية الحقيقية تقريباً.

أمّا بعد الجامعة، وحين يحمل الطالب أو الطالبة تلك الشهادة الجامعية الغالية التي تُعلن أنه قد صار مؤهلاً في مجالٍ ما؛ فهذا طبيب، وذاك مهندس، وتلك خبيرة تغذية، والأخرى متخصصة في نظم المعلومات، وما إلى ذلك. وهنا فجأة، يُلقى على عاتق كلٍّ منهم عبء مسؤولية كبرى لا مجال فيها للتهاون؛ إذ لم يعد بالإمكان اللجوء إلى الأب، أو الأم، أو الصديق، أو المعلم. فكل قرار يصدر عن طبيبة، أو مهندس، أو مدير مؤسسة، قد تترتب عليه عواقب وخيمة إن اتُّخذ عن جهلٍ أو إهمال. ومن هنا يتجلّى دور الجامعة الجوهري في غرس مفهوم المسؤولية وأهميتها في مسيرة الإنسان.

فكيف ننظر إلى دور الجامعة؟

إن الفارق الجوهري بين المدرسة والجامعة يكمن في أن المرحلة المدرسية كانت تقوم غالباً على «التلقين»؛ حيث يوجد كتاب مدرسي مقرر، ومعلمٌ يُنظر إليه وكأنه يحيط بكل شيء ولا يُناقَش (إلا من رحم ربي)، بينما يتلقى الطالب المعلومات ويحفظها عن ظهر قلب دون أدنى نقاش أو جدال.

أمّا في الجامعة، فالعملية التعليمية شراكةٌ فكرية وليست تلقيناً؛ فالأستاذ لا يدّعي بالضرورة معرفة كل شيء، ولا يوجد كتاب وحيد بالمعنى الحرفي للكلمة، بل مراجع شتى؛ من كتب، ومقالات علمية، ومصادر رقمية، وغيرها. كما أن المجال مفتوح دوماً للنقاش والحوار القائم على احترام العقل المتبادل بين الأستاذ والطالب؛ إذ يُفترض في الأستاذ أن يطرح الأفكار والركائز الأساسية لموضوع المحاضرة، ويقع على عاتق الطلبة التوسع والاستزادة لفهم المادة بعمق، لا بالاعتماد على الحفظ والتكرار الآلي، بل عبر البحث والمناقشة المستمرة.

ومن الأهمية بمكان استيعاب الحكمة القائلة: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ فالأستاذ الذي يقدّم إجابات غير واضحة بلغة بسيطة يعكس ضعفاً في المعرفة والاستيعاب، وكذلك الطالب الذي لا يتعمق في فهم موضوع ما لن يتمكن من الإبداع فيه مستقبلاً.

لذا، لا تتردد عزيزي الطالب في أن تسأل؛ فلو كنت تعرف الإجابة مسبقاً لما سألت! ومثلما يأمل الطالب أن يقدّم الأستاذ أفضل ما لديه من علم، فعلى الأستاذ ألا يُقلل من شأن أي سؤال مهما بدا بسيطاً؛ فليس هناك في ميزان العلم سؤالٌ ساذج أبداً.

ومن هذا المنطلق، يغدو دور الجامعة ريادياً ومحورياً في صقل مواهب الطلبة، وتنمية قدراتهم، وترسيخ روح المسؤولية الملقاة على عاتق كلٍّ منهم تجاه مجتمعه ووطنه.

وختاماً، لا بأس من تذكير الأحبة الطلبة بأن يعيشوا الحياة الجامعية بكل أبعادها وإمكاناتها؛ فلن يمرّ بهم في حياتهم أجمل من هذه السنوات التي تنقضي بلمح البصر، لتأتي بعدها المسؤولية ومعترك الحياة والتزاماتها المادية والمعنوية والأخلاقية، تلك التي تبني الوطن وتنهض بالمجتمع والإنسان.

* أستاذ الفيزياء النووية