بقلم: جمال الياقوت
هناك شخصيات لا تختصرها المناصب، ولا تُقاس مسيرتها بعدد السنوات التي قضتها في مواقع المسؤولية، لأن قيمتها الحقيقية تكمن فيما تركته من أثر طيب، وما راكمته من خبرة، وما قدمته لوطنها من حضور ومواقف راسخة.
ومن بين هذه الشخصيات يبرز معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة مستشار جلالة الملك للشؤون الدبلوماسية ووزير الخارجية السابق، بوصفه واحداً من أبرز رجال الدبلوماسية البحرينية والخليجية الذين جمعوا بين المعرفة السياسية والخبرة الدولية، وعمق الرؤية وحكمة المواقف المشرفة وكان عنواناً للوطنية.
فمسيرة معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة ليست مجرد سجل حافل بالمناصب، وإنما رحلة دبلوماسية امتدت لعقود، بدأت منذ التحاقه بوزارة الخارجية عام 1985م لتتوالى بعدها محطات العمل الوطني والدبلوماسي التي أسهمت في صقل شخصيته وتكوين خبرته الواسعة في ملفات السياسة والعلاقات الدولية.
وخلال الفترة من 1985م إلى 1994م، عمل في سفارة مملكة البحرين لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وتولى مسؤوليات مهمة في الشؤون السياسية والبرلمانية، ولا سيما ما يتعلق بالكونغرس الأمريكي، إلى جانب الشؤون الصحافية. وهي تجربة مبكرة أتاحت له الاقتراب من دوائر صناعة القرار الدولي، وفهم طبيعة العلاقات السياسية والإعلامية وآليات التأثير في السياسة الخارجية.
ثم انتقل إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالملفات السياسية الحساسة، عندما عمل في مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، منسقاً عاماً، إلى جانب عدد من المسؤوليات الأخرى خلال الفترة من يونيو 1995م حتى أغسطس 2000م.
هذه المحطات لم تكن مجرد انتقالات وظيفية، بل كانت مدرسة متكاملة في الدبلوماسية الدولية، اكتسب خلالها معاليه خبرة واسعة في التعامل مع الحكومات والمؤسسات والبرلمانات وفهم خصوصية العلاقات بين الدول وبناء جسور التواصل التي تقوم عليها الدبلوماسية الناجحة.
- وزيرًا للخارجية.. ومسؤولية بناء الحضور البحريني:
وفي 26 سبتمبر 2005م، صدرت الإرادة الملكية السامية "مرسوم ملكي" بتعيين معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزيراً للخارجية، خلفاً لسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، ليصبح بذلك ثاني وزير خارجية في تاريخ مملكة البحرين.
وكان توليه حقيبة الخارجية محطة فارقة في مسيرته، إذ حمل مسؤولية تمثيل مملكة البحرين في واحدة من أكثر ساحات العمل الوطني حساسية وتأثيراً، في مرحلة شهدت تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
وعلى مدى سنوات عمله وزيراً للخارجية، رسخ حضوره باعتباره دبلوماسياً يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يكون الموقف الواضح ضرورة، ومتى تكون الحكمة والهدوء هما الطريق الأفضل لتحقيق المصالح الوطنية.
وتلك هي الدبلوماسية الحقيقية أن تكون صلباً في الثوابت، مرناً في الوسائل، واضحاً في المواقف، ومدركاً أن العلاقات الدولية لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بالثقة والاحترام وتراكم المواقف.
- من الوزارة إلى موقع:
- المستشار.. استمرار العطاء:
وفي 11 فبراير 2020م أصدر حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه مرسوماً ملكياً بتعيين معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة مستشاراً لجلالته للشؤون الدبلوماسية.
ولم يكن هذا الانتقال بعيداً عن طبيعة مسيرته، بل جاء امتداداً طبيعياً لخبرة رجل أمضى عقوداً في ميادين السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية، ليواصل عطاءه من موقع استشاري يستند إلى معرفة عميقة بتفاصيل الملفات الإقليمية والدولية. فالدول تحتاج في مراحلها المختلفة إلى أصحاب الخبرة الذين لا ينظرون إلى الأحداث بمعزل عن سياقاتها، وإنما يقرأون المشهد بعين التاريخ، ووعي الحاضر واستشراف المستقبل.
- علم وثقافة وتجربة دولية:
وإلى جانب مسيرته العملية، يحمل معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة دراسة بالتحصيل العلمي وهي دراسة تجمع بين فهم جذور الأحداث التاريخية وتحليل واقعها السياسي، مما جعل اهتمامه بالشأن السياسي وفهمه لآليات العمل الأمر الذي يعكس انفتاحاً ثقافياً واسعاً وقدرة على التواصل المباشر مع بيئات وشعوب وثقافات متعددة.
- رجل دولة قبل أن يكون رجل منصب
إن الحديث عن المستشار معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة هو في جوهره حديث عن مدرسة بحرينية في الدبلوماسية، مدرسة تؤمن بأن خدمة الوطن مسؤولية، وأن تمثيله في الخارج أمانة، وأن الدبلوماسي الناجح لا يكتفي بمعرفة البروتوكول، وإنما يحتاج إلى قراءة التاريخ وفهم السياسة وإدراك طبيعة المصالح والتوازنات.
لقد تنقل معاليه بين السفارة والوزارة ومراكز صناعة القرار، من واشنطن إلى العواصم الأوروبية، ومن الملفات السياسية إلى قيادة الدبلوماسية البحرينية، ثم إلى موقع المستشار للشؤون الدبلوماسية لجلالة الملك المعظم سلمه الله ورعاه.
وهي رحلة تؤكد أن الخبرة حين تقترن بالوطنية تصبح رصيداً للدولة، وأن الحكمة حين تسندها المعرفة تتحول إلى قوة ناعمة مؤثرة.
وفي مسيرة معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، تتجسد قيمة رجل الدولة الذي حمل اسم "البحرين الغالية" إلى عواصم العالم، وأسهم بخبرته ومواقفه في تعزيز حضورها وعلاقاتها، وظل قريباً من ملفات وطنه وقضاياه، مدركاً أن الدبلوماسية ليست مجرد تفاوض بين الدول، بل هي فن بناء الثقة وحماية المصالح وصناعة جسور المستقبل.
- البحرين.. حين تصنع رجالها من مدرسة الوفاء:
وتظل مملكة البحرين بقيادة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ومؤازرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، بتاريخها السياسي والدبلوماسي العريق، نموذجاً لدولة أدركت مبكراً أن بناء الإنسان المؤهل هو أحد أهم عناصر قوة الدولة.
ومن هذه المدرسة جاء معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، الذي اختارته القيادة البحرينية الرشيدة في مواقع متعددة، ومنحته ثقتها في مراحل مهمة، فكان أهلاً لهذه الثقة وحمل مسؤولياته بعقل الدبلوماسي وروح رجل الدولة ووفاء ابن الوطن.
واليوم وهو مستشار لجلالة الملك للشؤون الدبلوماسية تتواصل المسيرة وتبقى التجربة بما تحمله من معرفة وخبرة رصيداً وطنياً لا يقتصر أثره على صاحبه، وإنما يمتد إلى الأجيال التي تتعلم من سير الرجال أن المناصب تزول، أما الأثر الطيب والخبرة الصادقة وخدمة الوطن، فتبقى في ذاكرة الأوطان. فكلمة حق أسجلها لا للمجاملة ولا للرياء
فتحية وتقدير وفخر واعتزاز لمعالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة.. رجل الدبلوماسية البحرينية وصاحب المسيرة الحافلة، وأحد الذين حملوا راية البحرين في ساحات السياسة الدولية، فكان الحضور بحرينياً، والموقف وطنياً، والدبلوماسية عنواناً للحكمة والإتزان، "إن كان للتميز عنوان.. فأنتم من كتب العنوان".
وهنا نستذكر عدداً من الأبيات الشعرية للأمير خالد الفيصل في فضائل الشرف:
كلٍ يعوّد لأصل جدّه ومرباه
راعي الشرف يشرف والانذال يهبون
الفْرع من عوده شرابه ومسقاه
والحنظلة مرّه ولو تشرب مزون
الطّيب كايد والمناعير تقواه
والهون هيّن تدنع النفس وتهون
ناسٍ على كسب المراجل مضرّاه
وناس على كسب الفشيلة يضرّون
هذا على وضح النقا كل ممشاه
وهذا الى شافوه ربعه يصدون
لاتأمن الخوّان لو زخرف حكاه
من خان بك مرّه يبى باكر يخون
وافطن ترى زول الرجاجيل تواه
كم واحدٍ يعجبك زوله وهو دون
* عضو الاتحاد العام للصحفيين العرب وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين