حسن الستري
من المنتظر أن يناقش مجلس النواب في دور الانعقاد المقبل مشروع قانون شورياً بشأن المسؤولية الطبية، وذلك بعد أن رفعت لجنة الخدمات تقريرها حوله، إذ أشارت لجنة الشؤون التشريعية والقانونية بالمجلس لشبهة عدم دستورية المشروع.
وأبدت الحكومة عدداً من الملاحظات القانونية على مشروع القانون، المعد بناءً على الاقتراح بقانون بصيغته المعدلة المقدم من مجلس الشورى، مؤكدة تقديرها للأهداف التي يرنو إليها المشروع، إلا أنها رأت ضرورة إعادة النظر فيه، بما يضمن اتساقه مع التشريعات النافذة وعدم تعارض أحكامه أو تكرارها معها.
وأوضحت الحكومة أن مشروع القانون يتألف، فضلاً عن ديباجته، من 34 مادة موزعة على 8 فصول، تتناول التعريفات ونطاق السريان، وواجبات مقدمي الخدمة ومسؤولياتهم، وحقوق المرضى، وإنشاء وتشكيل «اللجنة العليا للمسؤولية الطبية» واختصاصاتها، والتحقيق مع مقدمي الخدمة والجزاءات التأديبية والتظلم منها، والتأمين ضد المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية، إضافة إلى العقوبات والأحكام المتفرقة والختامية.وأكدت الحكومة، أن الغاية المتعلقة بتنظيم المسؤولية الصحية لم يغفلها المشرع البحريني، مشيرة إلى وجود منظومة قانونية قائمة تنظم المسؤولية المدنية والتأديبية والجنائية لمختلف فئات مزاولي المهن الصحية.
وأشارت في هذا السياق إلى المرسوم بقانون رقم 7 لسنة 1989 بشأن مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، والمرسوم بقانون رقم 18 لسنة 1997 في شأن تنظيم مهنة الصيدلة والمراكز الصيدلية، والمرسوم بقانون رقم 2 لسنة 1987 في شأن مزاولة غير الأطباء والصيادلة للمهن الطبية المعاونة. وترى الحكومة أن هذه المنظومة تراعي الطبيعة الخاصة لكل فئة من فئات مزاولي المهن الصحية، وتغطي مختلف صور المسؤولية، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق المرضى والمستفيدين من الخدمات الصحية، وضمان حقوق مزاولي المهن الصحية في ضوء الخصوصيات الفنية والمهنية لكل مهنة.
وأكدت الحكومة أن التشريعات النافذة توفر كذلك ضمانات قانونية لمزاولي المهن الصحية، من بينها إنشاء لجان تأديبية نوعية لكل فئة من فئات المزاولين، بموجب لائحة تنظيم اللجان التأديبية لمزاولي المهن الصحية بالهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية. وتشمل هذه اللجان، اللجنة التأديبية للمرخص لهم بمزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، واللجنة التأديبية للمرخص لهم بمزاولة إحدى مهن الصيدلة، واللجنة التأديبية للمرخص لهم بمزاولة مهنة التمريض والقبالة والتوليد، واللجنة التأديبية للمرخص لهم بمزاولة إحدى المهن الطبية المعاونة.
واعتبرت الحكومة أن تعدد اللجان التأديبية يعكس وجود نظام تأديبي نوعي يتسم بالتخصص والدقة، إذ تتولى كل لجنة مساءلة الفئة المهنية المختصة بها، بما يتناسب مع طبيعة المهنة والمخالفات المحتملة المرتبطة بها.
كما أشارت إلى وجود ضوابط محددة للإحالة إلى لجان التأديب، من بينها إلزام قرار الإحالة ببيان تفصيلي بالوقائع المنسوبة إلى المخالف والأدلة التي تستند إليها اللجنة في توجيه الاتهام، فضلاً عن حق المخالف في الاطلاع على ملف التحقيق والحصول على نسخة منه قبل موعد أول جلسة بمدة لا تقل عن أسبوع. وتشمل الضمانات كذلك، إخطار المحال بموعد الحضور والمخالفات المنسوبة إليه، وتمكينه من الاطلاع على إجراءات التحقيق والأوراق المتعلقة بها، واشتراط أن يكون التحقيق كتابياً، ومنحه حق إبداء دفاعه أمام اللجنة، إلى جانب حقه في التظلم من القرار التأديبي خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين من تاريخ إخطاره به.
ومن أبرز ملاحظات الحكومة ما أسمته «العدالة التشريعية»، موضحة أن تنظيم المسؤولية القانونية لفئات مزاولي المهن الصحية يستوجب مراعاة التمايز الجوهري بين طبيعة عمل كل فئة واختصاصها المهني وحدود سلطتها التقديرية.
وأوضحت أن الطبيب يُعد صاحب القرار الطبي، ويتولى تشخيص الحالات المرضية ووضع الخطة العلاجية واتخاذ القرارات المهنية، فيما تختلف طبيعة عمل الصيدلي، الذي يتركز دوره في تحضير الأدوية وصرفها وفقاً للوصفات الطبية وتقديم النصح الدوائي، دون أن يباشر التشخيص أو العلاج. أما المهن الطبية المعاونة، فتعمل تحت إشراف الطبيب وتوجيهه، ويقتصر دورها على تنفيذ الخطة العلاجية أو إجراء الفحوص المساعدة أو تقديم خدمات الدعم الطبي، دون صلاحية اتخاذ قرار طبي مستقل يتعلق بتشخيص الحالة أو تحديد العلاج. وبناءً على ذلك، ترى الحكومة أن اختلاف طبيعة العمل والاختصاص يقتضي اختلاف معايير المسؤولية القانونية، مؤكدة أن «العدالة التشريعية» تقتضي تنظيم مسؤولية كل فئة في إطار قانوني مستقل يراعي خصوصيتها ويحدد ضوابط مساءلتها وفقاً لطبيعة مهامها.
وحذرت من أن إخضاع جميع هذه الفئات لحكم قانون واحد للمسؤولية الطبية قد يغفل الفروق الجوهرية بين طبيعة أعمالها وحدود سلطاتها واختصاصاتها، بما قد يخل بمبدأ «لا مسؤولية إلا في حدود الاختصاص»، وكذلك مبدأ «التناسب بين الفعل والجزاء».
وسجلت الحكومة ملاحظة بشأن خلو مشروع القانون من تعريف صريح ومحدد لمفهوم «الخطأ الطبي»، رغم اعتباره من الركائز الأساسية التي تقوم عليها أحكام المسؤولية الطبية المدنية والجنائية والتأديبية.وترى الحكومة أن تعداد حالات مسؤولية مقدم الخدمة في المادة 10 لا يغني عن وضع تعريف تشريعي للخطأ الطبي، خصوصاً أن المشروع يخاطب فئات مختلفة من مزاولي المهن الصحية، ما يجعل مفهوم الخطأ قابلاً للاختلاف من فئة إلى أخرى.
كما لاحظت الحكومة أن المشروع حصر تعريف «مقدم الخدمة» في الشخص الطبيعي الذي يزاول مهنة من المهن الطبية، دون أن يشمل الشخص الاعتباري الذي يزاول النشاط الصحي، كالمؤسسات والمنشآت الصحية. وترى أن هذا القصور قد يؤدي إلى غموض في تحديد نطاق المسؤولية الطبية، خصوصاً في الحالات التي يكون الضرر فيها مرتبطاً بالقصور في البنية التحتية أو الإهمال الإداري أو نقص التجهيزات أو اختيار الكادر الطبي أو الإشراف عليه، وهي أوجه قد تنسب إلى الجهة الاعتبارية المقدمة للخدمة الصحية وليس إلى الطبيب أو الممارس الطبيعي.
وسجلت الحكومة كذلك اعتراضاً على ما نص عليه المشروع بشأن اعتبار قرارات اللجنة العليا للمسؤولية الطبية نهائية، وعدم النص على أحقية صاحب الشأن في الطعن عليها أمام المحكمة المختصة. وأوضحت أن اللجنة، وفق تشكيلها المقترح، تخلو من العنصر القضائي، ولا تضم في عضويتها أعضاء من السلطة القضائية، الأمر الذي يجعلها، بحسب توصيف الحكومة، لجنة تأديب إدارية لا تتوافر فيها مقومات اللجان التأديبية القضائية.
وعليه، فإن تحصين قراراتها من الطعن يعد، في نظر الحكومة، إهداراً لمبدأ الحق في التقاضي المكفول دستورياً، باعتبار أن الحق في التقاضي يشمل الوصول إلى الترضية القضائية وجبر الأضرار التي تلحق بالحقوق. وفي ختام مذكرتها، أكدت الحكومة أن موضوع المسؤولية الطبية بالغ الحساسية، ويتطلب معالجة دقيقة تراعي الطبيعة العلمية والمهنية للمهن الصحية، إلى جانب الأبعاد القانونية والمؤسسية المرتبطة بها.
وترى أن إعداد تشريع في هذا المجال دون دراسات متخصصة ومتعمقة قد يؤدي إلى نتائج غير محمودة، سواء من حيث فاعلية النصوص أو انسجامها مع البيئة التنظيمية القائمة أو توافقها مع المعايير المهنية المعمول بها. ودعت إلى توحيد الجهود التشريعية والتنظيمية بالتنسيق مع الجهات الصحية المختصة، لإعداد مشروع قانون متكامل وشامل يعكس أولويات النظام الصحي الوطني ورؤية المملكة في تطوير البنية التشريعية للقطاع الصحي وفق أسس علمية ومهنية راسخة.
وعبّرت الحكومة، في ختام المذكرة، عن أملها في إعادة النظر في مشروع القانون المقترح.
وبحسب المذكرة الإيضاحية للمشروع المقدم من مجلس الشورى، يهدف مشروع القانون، إلى تعزيز المنظومة التشريعية الداعمة للقطاع الصحي وتحديثها على نحو يتواكب مع آخر تطورات الطب الحديث، من خلال إرساء إطار قانوني يحدد على نحو واضح المسؤوليات والحقوق والالتزامات لكافة أطراف العلاقة الطبية، فضلاً عن إنشاء اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، وتنظيم التأمين ضد المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية، إضافةً إلى إيجاد تنظيم موحد يجمع أحكام المسؤولية الطبية في قانون واحد.
ويدعم المشروع، الاستثمار في القطاع الصحي بالمملكة، إذ إن وجود قانون مستقل يعالج أحكام المسؤولية الطبية يُعد أداة حيوية لجذب المستثمرين؛ نظراً لكونه يعزز الثقة بالنظام الصحي، ويخلق بيئة استثمارية مستقرة من خلال تقديم إطار واضح للتعامل مع الأخطاء الطبية، ويوضح المسؤوليات الناجمة عنها بدقة، مما يُمكن المستثمرين من تقييم المخاطر واتخاذ قرارات مدروسة بشأن استثماراتهم.