وسط الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي تقوده سلطنة عُمان الشقيقة، واللقاءات والوساطات المتعددة بين إيران ودول المنطقة والأطراف الدولية، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: لماذا أصبح مضيق هرمز اليوم في قلب الأزمة، بعدما كان جوهر الخلاف لسنوات يدور حول الملف النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والنفوذ والأذرع الإيرانية في المنطقة؟

لا أحد يعترض على الحوار من حيث المبدأ، ولا يمكن التقليل من أهمية الجهود الدبلوماسية التي تسعى إلى وقف التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع. فالمنطقة بحاجة إلى السلام والاستقرار أكثر من أي وقت مضى، وسلطنة عُمان عُرفت بدورها في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الحوار.

لكن السؤال ليس: هل نتحاور أم لا؟

السؤال الأهم هو: على ماذا نتحاور، وتحت أي قواعد وضمانات؟

فمضيق هرمز ليس ورقة سياسية عابرة، ولا شأناً ثنائياً يمكن إخضاعه لموازين التفاوض بين واشنطن وطهران؛ إنه ممر مائي دولي وشريان حيوي للتجارة والطاقة، وأمنه جزء لا يتجزأ من أمن دول الخليج العربي والاقتصاد العالمي.

ومن هنا يصبح إدخال المضيق في قلب المعادلة التفاوضية تطوراً يستحق قراءة متأنية.

هل الهدف هو ضمان سلامة الملاحة فعلاً؟ أم أن الضغوط الاقتصادية والمالية المتصاعدة على إيران دفعتها إلى البحث عن أوراق تفاوض جديدة تستطيع من خلالها تحسين موقعها السياسي؟

إن طرح هذا السؤال ليس اتهاماً، وإنما قراءة تفرضها طبيعة الأزمة وتطوراتها.

وفي هذا السياق، يحمل موقف مملكة البحرين الرافض للمشاركة في الاجتماع دلالة سياسية واضحة ومشرفة. فلا يمكن الحديث عن ترتيبات جديدة للأمن الإقليمي بمعزل عن الاعتداءات التي تعرضت لها دول المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية والمدنيون فيها.

فالسلام لا يبدأ من طاولة الاجتماع فقط، بل من وقف أسباب الصراع.

ومن الصعب بناء الثقة بينما يبقى التهديد قائماً، كما لا يمكن مطالبة دول تعرضت للاعتداء بأن تتعامل مع الأزمة وكأن شيئاً لم يحدث.

والأهم من ذلك أن حرية الملاحة في مضيق هرمز يجب ألا تتحول إلى موضوع للمساومة. فالممرات البحرية الدولية ينبغي أن تبقى مفتوحة وآمنة، بعيداً عن فرض ترتيبات أو رسوم أو تصاريح يمكن أن تجعل من حرية العبور ورقة ضغط سياسية أو اقتصادية.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

إيران دولة جارة، وستظل كذلك بحكم الجغرافيا، ومصلحة دول الخليج ليست في استمرار الصراع معها، وإنما في إقامة علاقات مستقرة تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل واحترام سيادة الدول والمصالح المشتركة.

لكن حسن الجوار لا يُبنى بالخطابات وحدها.

لقد أضعفت ازدواجية الرسائل بين الخطاب الدبلوماسي الإيراني والمواقف والممارسات الميدانية المرتبطة بالحرس الثوري الثقة طوال سنوات، وأصبح من الصعب على المجتمع الدولي ودول المنطقة التعامل مع خطاب سياسي لا يجد دائماً انعكاسه على الأرض.

لذلك، فإن إيران إذا أرادت بالفعل فتح صفحة جديدة مع دول الخليج، فإن البداية لا ينبغي أن تكون من إعادة رسم خرائط الملاحة في مضيق هرمز، وإنما من إعادة رسم سياستها تجاه جيرانها.

وهنا تأتي أهمية الموقف الخليجي الجماعي.

فنحن بحاجة إلى رؤية خليجية واضحة تقول إن الحوار مع إيران ليس مرفوضاً، بل مطلوباً متى كان طريقاً إلى السلام، لكنه يجب أن يقوم على ثوابت لا تقبل المساومة: احترام سيادة الدول، عدم التدخل في شؤونها، وقف الاعتداءات والتهديدات، ضمان حرية الملاحة، وعدم تحويل الممرات الدولية إلى أدوات للضغط السياسي.

فالخليج لا يحتاج إلى إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، بل إلى معالجة جذورها.

وبعد أشهر من التوتر في مضيق هرمز، يجب ألا نسمح بأن تتحول الأزمة من خلاف حول ملفات محددة إلى واقع إقليمي جديد يفرض على دول الخليج التعامل مع حرية الملاحة وكأنها امتياز يحتاج إلى تفاوض مستمر.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يوضع أمام كل اجتماع وكل وسيط وكل طرف:

هل نبحث فعلاً عن ضمان أمن مضيق هرمز، أم أننا بصدد نقل الأزمة الإيرانية من الملف النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي إلى بوابة المضيق؟

الفرق كبير بين الأمرين.

فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى أوراق ضغط جديدة، وإنما إلى إرادة سياسية جديدة.

ومضيق هرمز يجب أن يبقى بوابةً للتجارة والسلام بين الشعوب، لا بوابةً لأزمة جديدة ولا ورقةً للمساومة والابتزاز.

* المستشار لشؤون المجتمع بوزارة الداخلية